لم تكن
دماء 41 مدنيا يمنيا قتلتهم الولايات المتحدة في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2009، قد
جفت بعد، حينما اجتمع الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح بقائد القيادة المركزية
الأمريكية الجنرال ديفيد بترايوس في صنعاء، وأبلغه أن الحكومة
اليمنية ستتحمل
المسؤولية، ولن تكشف أي دور أمريكي في المجزرة التي قيل إنها استهدفت إرهابيين في
بلدة المعجلة بأبين، ليتبين لاحقا أن الضحايا مدنيون لا علاقة لهم بالقاعدة. في
تلك الجلسة التي سربتها وثائق ويكيليكس فيما بعد، كان رشاد
العليمي، نائب رئيس
الوزراء حينها، حاضرا، وقال مازحا إنه كذب على البرلمان للتو بأن الضربات التي نُفذت
في أبين وشبوة وأرحب كانت يمنية. كان يتستر على الضربات الأمريكية، حفاظا على سمعة
النظام اليمني من أن يُتهم بالاستعانة بالولايات المتحدة، كانت السمعة أهم من
الدماء. فيما بعد سيكذب العليمي مرة أخرى، حينما يؤكد للمراسلين اليمنيين أن
الضربات الأمريكية هي يمنية 100 في المائة، وستصل هذه الكذبة مع التي سبقتها، إلى
الصحفي الأمريكي، جيريمي سكاهيل، الذي وثقها في كتابه: "حروب قذرة".
كان
العليمي حينذاك وزيرا، ولم يكن يحلم أن يصير رئيسا بعد 12عاما من تلك الكذبة التي
كررها مطلع العام 2010، لكنه اليوم أصبح على رأس هرم
المجلس الرئاسي الذي يحكم
المناطق المحررة ويديرها من خارج اليمن، ويطمح لأن يبسط سلطته على الجغرافيا اليمنية،
باستخدام خيارات أخرى سوى
الحرب، وهو أمر يحتاج إلى معجزة ما، ليقتنع الحوثيون
بتسليم أسلحتهم ومؤسسات الدولة طوعا، ثم يعلنون الولاء للرئيس الحريص على دمائهم!
لم يتغير الوضع داخليا خلال فترة المجلس الرئاسي، بل لربما أنه أصبح أسوأ من عهد سلفه هادي، كما تقول بعض الآراء، لكن ما كان لافتا، ولا تختلف عليه الآراء، أن العليمي كان شخصية ضعيفة التأثير، لدرجة أن عيدروس الزبيدي كان يدير المشهد في العاصمة المؤقتة عدن
حينما
تولى العليمي رئاسة مجلس القيادة في عملية نقل السلطة من سلفه هادي، تباينت الآراء
بين من رآها خطوة سعودية وهو رأي كتبت عنه عدة صحف، وبين من استبشر بها بالنظر إلى
الإدارة الكارثية للبلد التي سادت في عهد هادي، وفي حين خابت آمال كثيرين بأن
العليمي ليس سوى وجه من منظومة عفاش وتركة النظام القديم ولن يقدم شيئا جديدا، ذهب
بعض
الحوثيين إلى أبعد من ذلك، وقال بعضهم إن العليمي رجل أمريكا في اليمن، أي
الدولة التي نفى عنها العليمي مسؤوليتها عن مجزرة المعجلة قبل عقد وثلث من الزمن.
كان هادي
يدير البلاد من خارجها، واستمر الأمر على ذلك في عهد الدكتور والسبعة الآخرين،
كانت المسألة تشبه المثل الشعبي: "ديمة وخلفنا بابها"، مع فارق أن الباب
الجديد يديره ثمانية وليس واحدا. وبالنظر إلى وضع البلاد غير المستقر، والممزق
جغرافيا، فإن خيار المجلس الرئاسي كان يبدو تكريسا للوضع المنقسم، أكثر من كونه
حلا للمعضلة.
لم يتغير
الوضع داخليا خلال فترة المجلس الرئاسي، بل لربما أنه أصبح أسوأ من عهد سلفه هادي،
كما تقول بعض الآراء، لكن ما كان لافتا، ولا تختلف عليه الآراء، أن العليمي كان
شخصية ضعيفة التأثير، لدرجة أن عيدروس الزبيدي كان يدير المشهد في العاصمة المؤقتة
عدن، وبدا العليمي، شبيها بضيف الشرف الذي نراه لبضع مشاهد في مسلسل تلفزيوني، فقد
كان عاجزا عن كبح جماح الزبيدي، وعن الوفاء بوعوده في مناطق أخرى غير عدن.
حينما زار
العليمي مدينة تعز، في آب/أغسطس 2024، كان لافتا حجم الاستقبال الذي حظي به الرجل
في المدينة وريفها، وبدا الأمر كما لو أن الانتماء المناطقي ساهم في حشد الناس،
بالنظر إلى مسؤول في وزنه، لم يكن قد قدم للناس من خدمات جليلة تستحق أن يخرج
الناس بتلك الطريقة لاستقباله. عند مدخل تعز، قرر بضعة أفراد أن يستقبلوه
بالجالونات الفارغة، للتعبير عن أزمة المياه التي تعانيها المدينة، وهي واحدة من
أزمات كثيرة، فجرى إيقافهم على الفور، ولم يُسمح لهم بإيصال رسالتهم، على أن
الرسالة وصلت بطريقة أخرى، ووعد العليمي حينها بمراقبة أداء السلطة المحلية
المتخمة بالفساد، لنصف عام، ملمحا إلى تغيير هرمها. لكن العليمي، بعد انقضاء المدة
لم يغير شيئا، وربما قال لمن حوله عبارة شبيهة بتلك التي قالها أمام مجلس النواب؛
أنه كان يكذب، لكن هذه المرة على أربعة ملايين إنسان، وليس على 300 وعضو من أعضاء
البرلمان.
كانت
شعبية الرجل قد تدنت إلى مستوى غير مسبوق، هذا إذا كان يمتلكها من الأساس، لكن مع
ذلك، لنجادل بأنه يمتلك شعبية، وأنه فقدها أو فقد جزءا كبيرا منها، بعد سنتين من
حكم مجلس القيادة، حتى واتته الفرصة لاستعادتها أواخر العام 2025، حينما قرر خوض
مواجهة ردع محدودة مع قوات المجلس الانتقالي، ثم طرد الإمارات بعد إمهالها 24 ساعة
فقط. كانت تلك لحظة فارقة في مسيرة العليمي، ورفعت من أسهمه كثيرا في الداخل،
وعقدت عليه آمال ثقيلة، مع أن المتابع للأحداث بعيدا عن العاطفة، يدرك أن القرارات
حينها كانت سعودية أكثر من كونها يمنية، أو على الأقل كانت رغبة سعودية ضمن صراع
نفوذ مع الإمارات، وحظيت بتأييد شعبي واسع داخل اليمن، ولولا الصراع السعودي
الإماراتي لما استطاع العليمي أن يزيح الإمارات والانتقالي من حضرموت والمهرة. ومع
ذلك حرص اليمنيون على أن ينسبوا الفضل للعليمي، في دفعة معنوية حسبوا أنها ستعيد
له الثقة بقدرته على إدارة المشهد، وستدفعه للعودة إلى اليمن، واتخاذ قرارات
مصيرية استنادا إلى الزخم الشعبي المتصاعد، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق.
حتى كتابة
هذه السطور، لا يزال العليمي مقيما في السعودية، ولا يستطيع اتخاذ قرارات مصيرية
ما لم توافق عليها المملكة، مثل قرار الحرب، ذلك أن الجارة، تفضل حاليا التعامل مع
الضربات الحوثية بما تملكه من إمكانيات، تفتقر إليها القوات المسلحة في التعامل مع
هذه الضربات التي تطال معسكراتها ومقدرات البلد الحيوية من منشآت وموانئ. وهذا
باعتقادي لا ينم عن حكمة بقدر ما يدل على ارتهان كامل القرار السيادي للمملكة،
والمتتبع لتصريحات وزير الدفاع حول العلاقة مع السعودية، وتصريحات العليمي وبقية
أعضاء المجلس عن هذه العلاقة، يخرج بهذا الاعتقاد.
لا يزال العليمي مقيما في السعودية، ولا يستطيع اتخاذ قرارات مصيرية ما لم توافق عليها المملكة، مثل قرار الحرب، ذلك أن الجارة، تفضل حاليا التعامل مع الضربات الحوثية بما تملكه من إمكانيات، تفتقر إليها القوات المسلحة في التعامل مع هذه الضربات التي تطال معسكراتها ومقدرات البلد الحيوية من منشآت وموانئ
يريد
العليمي أن ينهي الحرب مع مليشيا الحوثي بجميع الوسائل سوى الحرب، يستخدم معهم لغة
يظهر فيها بمظهر الأب الذي يستجدي أبناءه للعودة إلى جادة الصواب، لا بمقام القائد
الذي يستشعر مسؤوليته تجاه معاناة ملايين الناس، وواجبه تجاه من تسببوا بجزء كبير
منها، ولا يزالون مصرين على سلوك خيار الحرب. وكلما ظن الناس به خيرا وخلاصا، يؤكد
الرئيس أنه عاجز مغلوب على أمره؛ مثلهم تماما. يدين، يستنكر، يدعو للسلام، ثم
يجتمع بالسفراء شاكيا لهم، كيف أن على المجتمع الدولي أن يدافع عن قوانينه التي
تنتهك ويواجه الحوثي، ومتناسيا، أن قرارا واحدا منه، -لو كان يملكه- لتحركت
الجحافل والجيوش المؤلفة، في معركة خلاص، بات الناس يترقبونها أكثر من ترقبهم
لطلوع الشمس عقب ليلة شتاء ممطرة باردة.
يقول
العليمي للناس إن مرحلة دفع الثمن بلا كلفة قد انتهت، ويتحدث عن الجاهزية لتحرير
البلاد، لكنه يريد من المجتمع الدولي أن يخوض الحرب نيابة عنه، ويحمله المسؤولية
عما يجري. وهنا تكمن مفارقة عجيبة، بين رجل أعفى -كذبا- الولايات المتحدة من
المسؤولية عن ضربات جوية تسببت بمجزرة وحمّلها للحكومة بإيعاز من رئيسه صالح، وبين
رجل أصبح رئيسا اليوم، يريد تحميل مسؤوليه عجز مجلسه وفشله للمجتمع الدولي، كما لو
كان يدير حزبا سياسيا، وليس رئيسا يفترض به أن يتخذ قرارات حازمة تعيد ثقة الناس
برجال الدولة.
تصريحات
الرئيس الأخيرة بعد التصعيد الحوثي، تشبه ما قام به مع مئات البرلمانيين تحت قبة
البرلمان عام 2010، وما حدث مع قرابة أربعة ملايين يقطنون مدينة تعز عام 2024، لكن
هذه المرة، يبدو أنها من الصعب أن تنطلي على عشرات الملايين من اليمنيين، الذين لا
توجد إحصائية دقيقة لتحديد عددهم الكلي، لأنهم خبروا كثيرا من خطابات السلطة
ورجالاتها، المليئة بالأكاذيب والوعود، المفتقرة إلى الصدق والحقيقة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.