تدخل
الدولة
الحديثة إلى ساحة الدّين وهي تحمل أدواتٍ كثيرةً، في ظاهرها تنظيمٌ وإدارةٌ
وترتيبٌ للشأن العام غير أنّ في باطنها قدرةٌ هائلةٌ على إعادة تشكيل المجال
الديني من جذوره، فتأخذ المسجدَ والمدرسة الشّرعية والفتوى وكليّات الشّريعة
والمعاهد الشرعيّة والمنبر والوعظ والهيئات الوقفية، ثم تضعها داخل نظامٍ إداريٍّ
محكمٍ يحدّد اللّغة المسموح بها والموضوع الجدير بالظهور والشيخ المقبول في الشاشة
والخطبة الآمِنة في الجمعة والمقرر الصالح للثّانويّة الشرعيّة والمناسبة الدينية
التي تصلح للاحتفال؛ فيصير الدين حاضراً في المشهد العام حضوراً مضبوط الإيقاع وشديد
التّهذيب السياسي ومصبوباً في قالب فلسفة الدولة الحديثة؛ من الفردانية التي تحصر
الدين في الضمير والعقلانية التي تقيس المقدّس بمنفعته والبيروقراطية التي تُدخل
المسجد والفتوى والتعليم والوقف في سلطة التصريح والرقابة.
وأول مظاهر هذه
القولبة تحويل الدّين من مرجعيةٍ حاكمةٍ على الفعل إلى وظيفةٍ تابعةٍ للفعلِ داخل
جهاز الدولة؛ فالقرآن يُتلى في الاحتفالات الرسميّة كأنّه مكياجٌ تجميليّ، والخطيب
والمفتي يُستدعيان عند الحاجة إلى تهدئة الناس، ثم يُعاد كل ذلك إلى خزانة الرموز
بعد انتهاء اللحظة. ويتمّ التعاملُ مع المقدس بوصفه زينةً معنويةً توضع فوق جسد
الدولة لتمنحه طمأنينةً شعبيةً وهيبةً أخلاقية، بينما تبقى القرارات الكبرى في
الاقتصاد والسياسة والعلاقات والحروب والتعليم خارج محكمة الوحي وموازينه، فيصبح
الدّين محض شاهد حين يحتاج النّظام الحاكم إلى لغة السماء ليعزّز شرعيّته في نفوس
الجماهير.
التدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات، ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية الظلم
ومن مظاهرها كذلك
صناعة ما يمكن أن نسميه "الدّين المأمون"، وهو دينٌ لطيفٌ ناعمٌ يصلح
للصور الرسمية ويتحدث عن برّ الوالدين ونظافة الطريق وفضائل الابتسامة وسماحة
الإسلام وخطر الشائعات، ثم يعبر سريعاً مشيحا بوجهه حين يمرّ قرب أسئلة الفساد واحتكار
السّلطات والقهر والنّهب وتزوير الإرادة وتضييع حقوق الفقراء وانتهاك الحريّات
وتبعيّة الأوطان لأعدائها، فيغدو الدّين خطاباً تربوياً منزوع الأسنان، يربّي
المواطن على الطاعة الهادئة ويعلّمه الرضا الفردي، ويجعله صالحاً في محرابه الخاص
متردداً أمام واجبه العام. فالتدين المطلوب هو الذي يخرج من ماكينته إنسانٌ طيبٌ
في البيت وهادئٌ في المسجد ومطيعٌ في الطابور ومطمئنٌّ وواثقٌ إلى كل ما يصدر من السّلطات،
ويملك دمعةً سخيّةً عند التلاوة ولا يستطيع تفجير السّؤال من أعماقه عند رؤية
الظلم.
ومن أخطر صور
القولبة أن تتحول المؤسسات الدينية إلى إداراتٍ تنتج "الموقف الشرعي"
وفق إيقاع الدولة؛ فتخرج الفتوى أحياناً وقد لبست ثوب القانون الإداري، وتظهر خطبة
الجمعة وقد صارت نشرةَ توجيه معنويّ بعباراتٍ دينية، وتُصاغ المناهج الشرعية بما
يضمن إنتاج طالبٍ يعرف أحكام الطهارة والصلاة، ثم يعجز عن إدراك علاقة الشريعة بنظام
الحكم وبالعدل الاجتماعي والسيادة والاستبداد والمال العام وحرمة الدم الجمعيّ
وحقوق الأمة العامّة؛ فيتكون جيلٌ متدينٌ تديّناً جميلاً في الشعائر ولكنّه حائرٌ
في المواقف الكبرى، ونراهُ شديد الحساسية تجاه أخطاء الأفراد غير أنّه ضعيف
الحساسية تجاه انحراف البُنى والمؤسسات العامّة والرسميّة، ونجده حافظاً بإتقانٍ أبواب
النجاسات في كتب الفقه ولكن يصعب عليه معرفة نجاسات الفساد المتراكمة في خزائن
الدولة، ويكون متقناً الحديث عن آداب الطعام ثمّ يبهت لسانه أمام موائد الثّروات
المنهوبة.
وتشتغل الدولة
الحديثة على
المنبر بوصفه أخطر مساحةٍ يتصل فيها الدين بالجمهور، فتختصر الخطبة في
وعظٍ مراقَب وتحوّل الخطيب إلى موظفٍ يقدّم المعنى المراد من السياسات العامّة،
وتريد من المسجد تهدئة النفوس بدل إيقاظ الضمير، كما تحضّ على مجالس الدعاء
والضّراعة لتحقيق الطمأنينة وتكرّس استمرار الصمت الواسع عن أسباب الخوف؛ فيصير
المنبر كمن يضع البلسم فوق الجرح ثم يحرص على بقاء السكين في مكانها، ويصير الخطيب
مطالَباً بأن يشرح للموجوع فضيلة الاحتمال وأن يمرّ بعيداً عن اسم صانع الأوجاع
وغارس السّكين كي تبقى الجملة آمنةً من المساءلة.
وتتجلى القولبة
في الإعلام الديني حين يُنتقى للشّاشة الشيخ الذي يحسن طمأنة الجماهير، وتُستضاف
الوجوه التي تُنتج إسلاماً خفيف الدّسم سريع الهضم، وتُحجب الأصوات التي تعيد
الدين إلى موقعه الكامل في مساءلة الإنسان والدولة والسوق والقوة، فيصبح الدين
عندها فقرةً بين إعلانين وموعظةً بين مسلسلين وكلمةً ناعمةً في برنامج صباحي،
ويضيع من المشهد ذلك الدين الذي يبني أمةً ويحرّر إنساناً من عبودية الهوى
والسلطان والمال، وتتحول الشاشة إلى منبرٍ جديدٍ أهم شروطه للوجه الدينيّ؛ وجهٌ
مقبول ولغةٌ لطيفة وسقفٌ منخفض ومعنىً خفيف وابتسامةٌ واسعةٌ تصلح لمصالحة الجمهور
مع واقعه أكثر مما تصلح لمصالحة الواقع مع الحق.
ومن وجوه القولبة
كذلك تحويل التعليم الديني إلى مادةٍ مدرسيةٍ مهذّبةٍ تفصل الطالب عن سؤال
الحضارة، فيقرأ الطّالب بتوسّع عن مكارم الأخلاق وفضل الصدق وآداب المسجد، ثم يخرج
هذا الطالب إلى عالمٍ تحكمه المصارف الربوية والشركات العابرة وصناعة التفاهة
وأسواق الجسد واستعباد الخوارزميات وقوانين التبعيّة للآخر،
الدولة التي تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً
فيعجز عن وصل ما تعلمه
بنظام الحياة الذي يبتلعه، لأن الدين في المدرسة صيغ على هيئة درسٍ أخلاقيٍّ قصير،
بينما تُركت الأسئلة الكبرى للفلسفات الوافدة والسوق والإعلام، فتتشكل داخل الطالب
ازدواجيةٌ دقيقة، فهو بين دين للمشاعر والعبادات وعالمٍ للقرار والمعاش والمعايير،
ثم يكبر هذا الطالب وهو يحمل الإسلام في قلبه ويستعير من غيره عيوناً يقرأ بها
السياسة والاقتصاد والإنسان.
ومن أخطر ما
تصنعه الدولة الحديثة في الدين أنها تنقل مركز الثقة من العالم إلى المؤسسة
الرسميّة؛ فيصبح سؤال الناس: هل سُمح لهذا الكلام أن يقال؟ وليس: هل دل عليه
الوحي؟ ومع الزمن تتربى النفوس على أن الحقيقةَ تحتاج إلى الحصول على رخصة وإذن كي
تقال، وأن الفتوى إذا جاءت من الجهة المأذونة صارت أوقر في القلوب ولو ضعفت حجتها؛
فتقع خسارةٌ مزدوجة، إذ تضعف هيبة العلم حين يلبس ثوب الإدارة وتضعف هيبة الإدارة إذ
تستعير ثوب العلم لتزيين اختياراتها.
والنتيجة العميقة
لهذه القولبة أن يصبح التدين شأناً فردياً مهذباً، وتغدو الشريعة تراثاً محترماً، وتمسي
المؤسسة الدينية جهازاً مساعداً، بينما تحتفظ الدولة الحديثة بحقّ تعريف الصالح
العام وحقّ ترتيب القيم الجمعيّة وحقّ منح الدين صوته أو حجبه، فيعيش المجتمع بين
مئذنةٍ عاليةٍ في السماء وكرامةٍ منخفضةٍ تحت الأرض، وبين خطبةٍ تتحدث عن الرحمة
وسوقٍ يطحن الضعفاء، وبين دعاءٍ طويلٍ للفرج وسياساتٍ تزيد أبواب الضيق والشدّة.
والمخرج يبدأ من
استعادة الوعي بأن الدين في الإسلام رسالةٌ حاكمةٌ ومحرّرةٌ وبانية، وأن مؤسساته
تحمل أمانة البيان والهداية والعدل، وأن علاقة الدّين بالدولة علاقة بناءٍ
للمرجعيات الفكرية الحاكمة وعلاقة مؤسساته بها علاقة نصحٍ وتقويمٍ وشراكةٍ في
الخير، مع استقلالٍ روحيٍّ وعلميٍّ يمنعها من التحول إلى بوقٍ إداري؛ فالدولة التي
تصوغ الدين على مقاسها تصنع قشرةً دينيةً جميلةً فوق فراغٍ أخلاقيٍّ عميق، أما
الأمة التي تعيد للوحي مقامه وللعلماء أمانتهم وللمؤسسات الدينية رسالتها، فإنها
تفتح الطريق إلى تدينٍ يبدأ بعبادة الله تعالى في المحراب، مروراً بإقامة العدل في
السوق ووصولاً إلى حراسة الكرامة في ميادين السياسة، ليكون الوحي نوراً يقود
الحياة كلها حقيقةً لا شعاراً.
x.com/muhammadkhm
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.