السودان.. الحرب على قابلية الاستمرار

فالح الشبلي
"الحرب السودانية قد تكون بصدد الانتقال من معركة على من يملك الأرض إلى معركة على من يملك القدرة على نقل القوة"- الأناضول
"الحرب السودانية قد تكون بصدد الانتقال من معركة على من يملك الأرض إلى معركة على من يملك القدرة على نقل القوة"- الأناضول
شارك الخبر
تتحول الحرب السودانية تدريجيّاً من صراع على المدن والأقاليم إلى صراع على الممرات التي تُبقي القدرة القتالية متدفقة. فالمعيار لم يعد فقط من يسيطر على الأرض، بل من يستطيع تأمين السلاح والوقود والمركبات والمسيّرات والمقاتلين، ومن يملك القدرة على تعطيل هذه التدفقات أو رفع كلفتها. بهذا المعنى، لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة تُحتل، بل بنية تُنتج الاستمرار.

تكشف حادثتا الكرمك ومحور الصحراء هذا التحول من طرفين متباعدين من البلاد. في الشرق والجنوب الشرقي، قالت وزارة الدفاع السودانية: إن مسيّرة "معادية" أُسقطت قرب الكرمك بعد دخولها من جهة الأراضي الإثيوبية، دون تحديد الجهة المشغلة لها. وفي الغرب، أعلنت القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش تدمير قافلة لقوات الدعم السريع في الجبهة الصحراوية الممتدة نحو ليبيا، مع أرقام كبيرة للخسائر والمركبات والأسرى لم تُتحقق بصورة مستقلة. أهمية الحادثتين لا تكمن في تفاصيل الأرقام وحدها، بل في المكان: واحدة عند بوابة إثيوبيا، والأخرى على مسار صحراوي يصل السودان بليبيا.

هذا التزامن يفتح قراءة أوسع: الحرب بدأت تقترب من شبكات إدخال القوة إلى السودان بقدر اقترابها من مواقع انتشارها داخله. وهنا تتغير وظيفة الأرضن فالمناطق الصحراوية قليلة السكان قد تصبح أكثر قيمة من مراكز حضرية إذا كانت تحمل مسارات السلاح والوقود، كما تكتسب الكرمك وزناً يتجاوز حجمها
تتجاوز الحرب مرحلة "تدويل الأزمة" إلى ما يمكن وصفه بإقليمية بنيتها القتالية. فالمسألة لم تعد تقتصر على دعم سياسي أو مالي يأتي من الخارج، بل على طرق ومطارات وأسواق وشبكات تهريب ومعابر تتحول إلى أجزاء وظيفية من اقتصاد الحرب
لأنها تقع عند تقاطع جغرافي يربط السودان بإثيوبيا وجنوبي السودان. الأرض المهمة -وفق هذا المنطق- ليست فقط ما يمكن السيطرة عليه، بل ما يمكن أن يمر عبره القتال.

الجبهة الليبية توضح هذه الفكرة بأكبر قدر من الصراحة، فحين تتحول الصحراء إلى ممر للقوافل والمركبات والوقود، فإن استهدافها لا يهدف بالضرورة إلى إغلاق الطريق نهائيّاً، بل إلى جعله أبطأ وأكثر كلفة وأشد عرضة للاعتراض. وهنا تتحول الصحراء من هامش جغرافي إلى عمق لوجستي، وكلما ارتفعت كلفة حماية القوافل وتبديل المسارات وتأمين الحركة، قلت القيمة العملياتية للممر حتى لو بقي مفتوحاً.

أما جبهة النيل الأزرق فتطرح معضلة أكثر حساسية؛ لأن التهديد حين يرتبط بمسار أو منصة خارج الحدود يصبح القرار العسكري مقيداً باعتبارات السيادة. فمطاردة مصدر التهديد أو تعطيل مساره قد تدفع الصراع نحو احتكاك مباشر مع دولة مجاورة حتى من دون قرار سياسي مسبق بالتدخل. وهذه هي خطورة حرب الممرات، أنها توسع حدود العمليات أسرع مما تتوسع الحدود السياسية للحرب.

وتزيد المسيّرات هذا التحول عمقاً؛ لأنها تضعف الفصل التقليدي بين الجبهة والخلف. فالمطار، والمخزن، ومحطة الوقود، والطريق، والمعبر الحدودي، لم تعد عناصر خلفية منفصلة، بل أجزاء من شبكة واحدة لإنتاج القوة واستدامتها. لذلك يصبح استهداف البنية التي تُجدّد القدرة القتالية أحياناً أكثر أهمية من استهداف الوحدات بعد وصولها إلى الجبهة.

من هنا، لا يكفي قياس ميزان القوى بعدد المقاتلين أو حجم الأرض أو المركبات المتاحة؛ الأهم هو قدرة كل طرف على التعويض والاستبدال وإعادة الإمداد. الخسارة الاستراتيجية لا تبدأ عند تدمير منصة، بل عندما تصبح القدرة على تعويضها أبطأ من معدل فقدانها. وهذا يجعل "المرونة اللوجستية" عنصراً حاسماً في ميزان القوة؛ فمن يمتلك مسارات متعددة ومصادر بديلة يستطع امتصاص الضغط؛ ومن يعتمد على شبكة ضيقة يصبح أكثر هشاشة مهما بدا قويّاً ميدانيّاً.

بهذا المعنى، تتجاوز الحرب مرحلة "تدويل الأزمة" إلى ما يمكن وصفه بإقليمية بنيتها القتالية. فالمسألة لم تعد تقتصر على دعم سياسي أو مالي يأتي من الخارج، بل على طرق ومطارات وأسواق وشبكات تهريب ومعابر تتحول إلى أجزاء وظيفية من اقتصاد الحرب. وهنا تكمن الخطورة؛ الدولة المجاورة قد تبقى رسميّاً خارج النزاع، بينما تصبح أراضيها أو شبكاتها جزءاً من استدامته.

ليبيا تمثل اليوم الحلقة الغربية الأوضح، وإثيوبيا والقرن الأفريقي يشكلان فضاءً أكثر حساسية في الشرق والجنوب الشرقي، بينما يزداد البحر الأحمر ارتباطاً بمستقبل الحرب بحكم موقع بورتسودان واعتماد السودان على الساحل في الإمداد والتجارة. لا يعني ذلك أن البحر الأحمر أصبح بالفعل ممرّاً عسكريّاً مماثلاً للصحراء الليبية، لكن انتقال الاستهداف نحو البنية اللوجستية يرفع احتمال دخوله بصورة أعمق في حسابات الصراع.

أمام هذا التحول، تبرز أربعة مسارات محتملة: الأول هو استنزاف طويل على الممرات دون انتقال إلى مواجهة إقليمية مباشرة. الثاني هو إعادة هندسة شبكات الإمداد كلما تعطّل مسار، بحيث تصبح الحرب منافسة بين القطع وإعادة التوصيل. الثالث هو احتكاك حدودي يتطور إلى أزمة بين دول نتيجة تكرار عبور المسيّرات أو مطاردة القوافل أو تبادل الاتهامات. أما الرابع -وهو الأكثر تأثيراً- فيتمثل في نجاح أحد الأطراف في تعطيل عدة مسارات رئيسة للخصم في وقت متقارب، وهذا قد يحول الاستنزاف إلى اختلال في القدرة على التجدد.

ولهذا ينبغي مراقبة المؤشرات التي تكشف ما إذا كانت الحرب دخلت بالفعل مرحلة "حرب الممرات"، أم تم تكرار استهداف القوافل قرب الحدود الليبية، وتصاعد نشاط المسيّرات في النيل الأزرق، وظهور مسارات بديلة بعد تعطيل أخرى، وتزايد استهداف المطارات والمعابر ومستودعات الوقود، وتحول سلوك دول الجوار من النفي السياسي إلى إجراءات حدودية وميدانية.

إن الحرب السودانية قد تكون بصدد الانتقال من معركة على من يملك الأرض إلى معركة على من يملك القدرة على نقل القوة. فإذا استمر هذا المسار، فلن يكون الحسم مرتبطاً فقط بمن يسيطر على مساحة أكبر، بل بمن يستطيع الحفاظ على تدفق الإمداد ومن يستطيع جعل تدفق خصمه مكلفاً أو متقطعاً أو غير قابل للاستمرار.

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية الأعمق؛ كلما ازداد اعتماد الحرب على الخارج كي تستمر، أصبحت السيطرة على الداخل وحدها أقل قدرة على حسمها. ومن يملك الطريق لا يملك الإمداد فقط، بل يملك جزءاً متزايداً من زمن الحرب نفسها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)