عن الحرب الإسرائيلية السورية المؤجلة؟!

ماهر حجازي
"التعامل السياسي مع العدوان يجعل نتنياهو أكثر طمعا في مزيد من الإنجازات على الجبهة السورية"- إكس
"التعامل السياسي مع العدوان يجعل نتنياهو أكثر طمعا في مزيد من الإنجازات على الجبهة السورية"- إكس
شارك الخبر
لم يكن القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، في شمال غرب سوريا، محض صدفة أو استهدافا عابرا ضمن السياسة الإسرائيلية القائمة على مختلف الجبهات العسكرية التي بدأتها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر 2023. بل إن هذا العدوان الإسرائيلي الجديد ضد سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، يثبت حقيقة المخاوف الأمنية الإسرائيلية من الحكومة السورية الجديدة ومن الرئيس الشرع الذي وصفه مسؤول أمني إسرائيلي بأنه "رجل خطير"، على الرغم من العلاقة الجيدة والمتطورة بين الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لذلك يأتي استهداف مطار أبو الظهور العسكري في عدة مساقات، أولها ما حذرت منه مصادر أمنية إسرائيلية من أن تل أبيب تشعر بالقلق من إعادة النظام السوري الجديد لبناء الجيش العربي السوري، وخاصة سلاح الجو الذي تقول إسرائيل أنها قد دمرته خلال السنوات الماضية.

تسعى إسرائيل من هذه الاعتداءات والتدخل بالشؤون الداخلية للشعب السوري، إلى إشغال الدولة السورية عن مسارها الرئيس في النهوض بالدولة وتحقيق التعافي والتقدم الاقتصادي، والذي من شأنه أن يجعل سوريا دولة قوية وهذا ما يقلق الجانب الإسرائيلي

وتستند هذه المصادر الأمنية الإسرائيلية إلى معلومات تتحدث عن سعي الحكومة السورية الجديدة للحصول على أسلحة ومعدات قد تشكل تهديدا لإسرائيل، على الرغم من التصريحات للقيادة السورية بأن سوريا لا تريد أن تكون مصدر تهديد للجوار.

وفي سياق آخر، فإن الهجوم الإسرائيلي ضد مطار أبو الظهور العسكري، يأتي تعبيرا عن المخاوف الإسرائيلية من الوجود التركي في سوريا، وهذا ما عبر عنه نتنياهو بشكل مباشر بالحديث عن إسرائيل لن تتسامح مع أي وجود تركي على الأراضي السورية يشكل تهديدا لهم.

واعتبر نتنياهو أن قصف المطار العسكري رسالة مباشرة لتركيا بالفعل، بعد سلسلة من التحذيرات القولية والتي لم تسمعها تركيا بحسب نتنياهو.

وبالنظر إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد سوريا منذ سقوط الأسد، فقد تعددت الأشكال لكن الهدف واحد، سواء بالاقتحامات اليومية للقرى السورية في الجنوب وبيت جن في ريف العاصمة دمشق، والاعتداء على السكان وتنفيذ حملات الاعتقال وإجبار السكان على النزوح، أو بالعدوان العسكري المباشر على الدولة السورية كما حدث في قصف مبنى الأركان العامة في دمشق، بحجة دعم الدروز في مدينة السويداء. وهذا شكل آخر للتدخل الإسرائيلي في سوريا لإحداث اقتتال داخلي سوري يصب في صالح الأمن القومي الإسرائيلي.

كما تسعى إسرائيل من هذه الاعتداءات والتدخل بالشؤون الداخلية للشعب السوري، إلى إشغال الدولة السورية عن مسارها الرئيس في النهوض بالدولة وتحقيق التعافي والتقدم الاقتصادي، والذي من شأنه أن يجعل سوريا دولة قوية وهذا ما يقلق الجانب الإسرائيلي.

أما فيما يتعلق بالجولان السوري المحتل فقد حسم نتنياهو الأمر بقوله بأنهم لن يتخلوا عن الجولان وأنه أرض تتبع لهم وقد عاد إليهم، في رد مباشر على تصريحات الرئيس الشرع بأنهم الجولان أرض سوريا ولن يتنازل السوريون عنه، بالتالي هذا حكم مباشر بالفشل على مستقبل أية مفاوضات سوريا إسرائيلية قادمة.

لذلك من الواضح أن السياسة الإسرائيلية ضد النظام الجديد في دمشق قائمة على البعد الأمني، حيث لم تتضح بعد بالنسبة لتل أبيب التوجهات السياسية والعسكرية للرئيس الشرع فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل، على الرغم من جولات المفاوضات التي جرت بين الجانبين برعاية أمريكية للعودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع مع سوريا سنة 1974، لكنها فشلت بسبب التعنت الإسرائيلي ورفض الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في الجنوب السوري بعد سقوط الأسد.

كما تستند تل أبيب في تعاملها الأمني مع سوريا، إلى مخاوفها من طبيعة وبنية الجيش العربي السوري الجديد الذي شهد تحولا كبيرا، من حيث أن غالبية القادة والجنود من مقاتلي الثورة السورية ومن حركات وجبهات إسلامية، وهذا أكثر ما يثير المخاوف الإسرائيلية والتساؤلات حول قدرة القيادة السورية الجديدة على التحكم والسيطرة على القوات العسكرية السورية مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية ضد سوريا.

وأمام هذه الاعتداءات الإسرائيلية لا زالت القيادة السورية تتبع الخطوات السياسية في المطالبات الدولية وخاصة مجلس الأمن للتدخل لوقف هذه العربدة الإسرائيلية، أو من خلال القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الدول العربية والإسلامية والغربية، حيث تصر دمشق على وقف العدوان الإسرائيلي على سوريا ووقف التدخلات في شؤون الدولة الداخلية، مع التأكيد على حق سوريا المشروع بالرد على العدوان الإسرائيلي بكافة الوسائل المتاحة وفق القانون الدولي.

بالتالي ستبقى الحرب الإسرائيلية السورية مؤجلة ويضبط إيقاعها السياق العدواني الإسرائيلي والتحرك السياسي السوري واللاعب الأمريكي المتحيز إسرائيليا والمعني بعدم الوصول إلى الحرب الفعلية

لكن إلى أي حد يمكن للقيادة السورية الجديدة الاكتفاء بالقنوات السياسية للرد على الاعتداءات الإسرائيلية؟ وهذا التعامل السياسي مع العدوان يجعل نتنياهو أكثر طمعا في مزيد من الإنجازات على الجبهة السورية.

واليوم يعيش نتنياهو مرحلة ذهبية، فإنه يقول لا في وجه ترامب ويرفض خارطة الطريق للانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ولا يلتزم بوقف إطلاق النار على جبهة لبنان، وسينفذ ما يريد بشأن سوريا حتى لو طلب منه ترامب عكس ذلك، كل ذلك في سباقه نحو الانتخابات الإسرائيلية القادمة.

إذا، نتحدث عن حرب إسرائيلية سوريا من طرف واحد، لكن الحرب الإسرائيلية السورية الفعلية مؤجلة إلى حين أن تصل الاعتداءات الإسرائيلية ضد سوريا إلى مرحلة تتجاوز نتائجها قدرت دمشق على ضبط النفس فتصبح معركة حياة أو موت، وتكون القيادة السورية أمام خيار المواجهة العسكرية المباشرة خاصة إن أصبحت المعركة مطلبا شعبيا سوريا.

بالتالي ستبقى الحرب الإسرائيلية السورية مؤجلة ويضبط إيقاعها السياق العدواني الإسرائيلي والتحرك السياسي السوري واللاعب الأمريكي المتحيز إسرائيليا والمعني بعدم الوصول إلى الحرب الفعلية.

لكن السؤال الأهم من وجهة نظري يبقى: ما هي التداعيات والخسائر الأكبر على الحالة السورية في العدوان الإسرائيلي الحالي والمستمر؟ أم هي الحرب المؤجلة؟!


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)