تأتي الذكرى
الثالثة لـ7 أكتوبر 2023، لنقف أمام مشهد غيّر مسار الصراع، وأحدث تحولاً عميقاً
في حياة الفلسطينيين والإسرائيليين. لم يكن ذلك اليوم مجرد هجوم عسكري مفاجئ، بل
صدمة تجاوزت قدرة المؤسسة
الإسرائيلية على الاستيعاب، وكشفت فجوة هائلة بين صورة
إسرائيل عن قوتها وواقع قدرتها على حماية نفسها.
بعد ثلاثة أعوام،
يعيش الفلسطينيون في قطاع
غزة كارثة إنسانية هائلة، بين القتل والتهجير والجوع
وفقدان المأوى، من دون أفق واضح لاستعادة الحياة الطبيعية. ورغم توقف
الحرب في
مراحلها الأشد اتساعاً، فإن ذلك لا يعني انتهاء الحرب أو زوال أسباب استمرارها. فلماذا تعجز إسرائيل عن الخروج من دائرة
الحرب، حتى بعد كل هذا الدمار؟ إن فهم الصدمة الإسرائيلية لا يعني تبرير ما أعقبها
من تدمير واسع في غزة، بل محاولة لتفسير الكيفية التي تحولت بها صدمة الإخفاق
الأمني إلى سياسة عسكرية امتدت أثرها إلى المنطقة كلها!!
أولاً: إسرائيل
التي اعتقدت أنها لا تُهزم
قبل 7 أكتوبر،
كانت إسرائيل تنظر إلى نفسها باعتبارها القوة المتفوقة إقليمياً، بفضل سلاح الجو
والقدرات البرية والاستخبارات والتكنولوجيا ومنظومات المراقبة والإنذار المبكر. لم يكن الأمر مجرد تفوق في السلاح،
بل اعتقاد بأن هذه القدرات تجعل المفاجأة الاستراتيجية شبه مستحيلة، وأن إسرائيل
قادرة على اكتشاف التهديدات قبل أن تتحول إلى خطر حقيقي.
لم تكن عملية 7 أكتوبر خسارة عسكرية تُقاس بالخسائر والقدرات، لكنها شكلت صدمة استراتيجية: تمس صورة الدولة عن نفسها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وإيمانهم بقدرتها على حمايتهم. في ذلك اليوم تهشمت صورة الدولة
تحولت
التكنولوجيا، من أداة لتقليل المخاطر إلى مصدر للثقة المفرطة، وكانت النتيجة تراجع
الاستعداد لتصور أن غزة، رغم الفارق الهائل في القوة، يمكن أن تحدث اختراقاً
استراتيجياً بهذا الحجم.
ثانياً: غزة التي
لم تكن في الحسابات
لقد جاءت الصدمة
من المكان الذي اعتقدت إسرائيل أنها أحكمت إغلاقه، ومن الطرف الذي اعتقدت أنها
نجحت في احتوائه. وتتضح هذه المفارقة عند التوقف أمام خطة "الزخم"
التي أعدها رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق أفيف كوخافي، والتي استهدفت بناء جيش
أكثر فتكاً ودقة، وتحقيق انتصار سريع وحاسم في الحروب المقبلة، لكن كوخافي أقر لاحقاً
بأن إسرائيل لم تكن تنظر إلى غزة وحماس باعتبارهما تهديداً وجودياً، وأن تركيزها
الاستراتيجي انصب على إيران والجبهة الشمالية، مع محاولة احتواء غزة.
وقد عززت الحواجز
الأمنية المتطورة فوق وتحت الأرض والأنظمة التكنولوجية لمراقبة الحدود الاعتقاد
بأن القطاع أصبح تحت السيطرة، وأن قدرات المقاومة يمكن احتواؤها وإدارتها. لكن 7
أكتوبر قلب هذه المعادلة، لذلك لا يمكن فهم حجم الدمار في غزة من دون التوقف عند
الحالة النفسية والسياسية لدى النخب الحاكمة التي أعقبت 7 أكتوبر داخل إسرائيل.
ثالثا: الخوف يعيد
تشكيل المفهوم الأمني
شكلت مشاهد الرعب
والخوف التي بثت على الهواء مباشرة هزة عميقة في وعي المجتمع الإسرائيلي، أيقظ
نوازع الخوف الوجودي التي كادت أن تتلاشى عن مسرح السياسي نتيجة الثقة المفرطة
بالقوة ودعم الحلفاء واتفاقيات التطبيع، إلى جانب الإنجازات الاقتصادية الكبيرة
التي تحققت من التفوق في مجال التكنولوجيا!!
كانت مشاهد قتل
الجنود والاشتباكات في شوارع المستوطنات إلى جانب مشاهد الأسرى وخطف المدنيين؛ سببا
كافيا لإحياء الذاكرة الجمعية وبما عبر عنها البعض بأنها تشبه "السبي البابلي".
كل هذه المشاهد خلقت صدمة وخوفا وغضبا تحول إلى رغبة في الانتقام، وأصبحت هذه
المشاعر مؤثرة في الرأي العام وفي توسيع هامش الخيارات العسكرية أمام القيادة.
وبحسب استطلاعات
الرأي فإن 70-80 في المئة من الجمهور الإسرائيلي يؤيد تهجير سكان غزة أو قتلهم. لقد امتزجت الصدمة بالخوف والغضب
والرغبة في الانتقام، وأصبحت هذه المشاعر عوامل مؤثرة في تشكيل الرأي العام وفي
توسيع هامش الخيارات العسكرية أمام القيادة السياسية. في مثل هذه الظروف، يتراجع
مجال النقاش العقلاني وتصبح الحرب أكثر من عملية عسكرية؛ تتحول إلى استجابة سياسية
لحالة خوف جماعية، وإلى وسيلة لإثبات أن الدولة استعادت قدرتها على الفعل.
رابعا: تحطم صورة
الدولة
لم تكن عملية 7
أكتوبر خسارة عسكرية تُقاس بالخسائر والقدرات، لكنها شكلت صدمة استراتيجية: تمس صورة
الدولة عن نفسها، وثقة مواطنيها بمؤسساتها، وإيمانهم بقدرتها على حمايتهم. في ذلك
اليوم تهشمت صورة الدولة، وقد عبّر عن ذلك اللواء المتقاعد تال رسو، القائد السابق
للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، في مقابلة نشرت في صحيفة معاريف، حيث وصف
ما حدث في 7 تشرين الأول/أكتوبر بأنه انهيار للجيش والدولة معاً. وأضاف رسو أنه كان يعتقد، وهو
يتابع الأحداث، أن الجيش سيحسم الموقف سريعاً، لكنه لم يستوعب انهيار المنظومة
الأمنية، وقال: "لم تكن هناك دولة؛ لم يكن الجيش موجوداً".
هذه الشهادة ليست
مجرد وصف لإخفاق عسكري؛ إنها تعبير عن عمق الصدمة التي أصابت الوعي الإسرائيلي.
فالدولة التي بنت صورتها على قوة الجيش وكفاءة الاستخبارات وجاهزية المؤسسات وجدت
نفسها، في لحظة حاسمة، عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية.لقد
اهتزت صورة الجيش الذي لا يُفاجأ، والاستخبارات التي لا تخطئ، والحدود التي لا
تُخترق، والدولة التي لا يعجزها خصم عن حماية مواطنيها.
خامسا: الثقب
الأسود في الوعي الإسرائيلي
كان 7 أكتوبر ثقباً
أسود في الوعي الأمني الإسرائيلي؛ ثقباً لا يمكن ردمه بمجرد تدمير غزة أو إعلان
الانتصار العسكري. ولم تعد المسألة في نظر قطاعات مؤثرة من المؤسسة السياسية
والأمنية مجرد استعادة الردع وإعادة بناء منظومة الحماية، بل منع نشوء أي تهديد
مستقبلي، ولو تطلب ذلك حروباً طويلة وتدميراً واسعاً وسيطرة عسكرية متكررة. هنا
انتقل التفكير من احتواء الخطر إلى محاولة اقتلاعه قبل أن يتشكل.
لذلك تدخل
إسرائيل في ثقب أسود لا تعرف نهاية له؛ تخوض الحرب بحثاً عن الأمن، لكنها تنتج من
خلال الحرب أسباباً إضافية لانعدام الأمن. لذلك ستبقى إسرائيل لفترة طويلة في حالة
قلق من المستقبل المجهول لا تثق في أي ترتيبات أمنية مهما كانت موثوقة، إلا
بقدرتها على الاستمرار على القتال بلا توقف.
سادسا: نتنياهو
يجر إسرائيل إلى الكارثة
لعب نتنياهو دورا كبير في تعظيم مخاوف الجمهور عبر أدواته الإعلامية لتغذية الخوف، لتبرير استمراه بالحرب ثم تأجيل المحاسبة والتحقيق حول الإخفاق الكبير الذي وقع في 7 أكتوبر من جهة، ولإحراج المعارضة والتفرد بصناعة القرار من جهة أخرى
لعب نتنياهو دورا
كبير في تعظيم مخاوف الجمهور عبر أدواته الإعلامية لتغذية الخوف، لتبرير استمراه
بالحرب ثم تأجيل المحاسبة والتحقيق حول الإخفاق الكبير الذي وقع في 7 أكتوبر من
جهة، ولإحراج المعارضة والتفرد بصناعة القرار من جهة أخرى.
لكن مع ذلك لا
ينبغي اختزال الأزمة في نتنياهو وحده، فقد تتغير الحكومة، وتتبدل التحالفات، لكن
ذلك لا يعني بالضرورة التخلي عن المنطق الأمني الجديد والقائم على تقويض أي تهديد
قبل تشكله. فالمعارضة الإسرائيلية قد تختلف مع
نتنياهو في إدارة الحرب وكلفتها، من دون اختلاف جوهري في الأهداف الأمنية الأساسية. لهذا فإن الرهان على تغير الحكومة
وحده قد يكون مضللاً، فالأزمة أعمق من شخص نتنياهو، حتى لو رغبت المعارضة في تغيير
النهج الهجومي الذي يتبناه نتنياهو!!
الخاتمة:
نحن أمام إسرائيل
الجديدة التي لم يُحسم الجدال فيها بعد على هويتها القومية -وهو أمر يحتاج إلى
مقال خاص- لكن ما يهمنا هنا في هذا المقال هو شكل إسرائيل من الناحية الأمنية، هذه
الدولة التي خرجت عن توازناتها المعتادة بشكل مخيف وبدت كأنها تتصرف بمنطق غرائزي
مدفوع بالخوف والطموح الأيديولوجي، لا ترى وجودها إلا بالهيمنة المفترسة عبر حروب
لا تنتهي بحجة ملاحقة أخطار تتوالد في أوهام القيادة.
إسرائيل الجديدة
خطيرة على من حولها وقد شهدنا نتائج سلوكها المدمر على شعوب المنطقة، ولكنها أيضا
خطيرة على نفسها، وهذا ما حذر منه رئيس حزب "يشار"، رئيس الأركان السابق
غادي آيزنكوت، في بيان نشره مساء 7 تشرين الأول/أكتوبر: "إذا واصلنا السير في
المسار الحالي، فإن إسرائيل ستتوقف قريباً جداً عن أن تكون الدولة التي نعرفها.
هذه نداء طوارئ لإنقاذ الدولة التي ناضلنا من أجلها. لا يجوز أن نعتاد على واقع
غير سوي وغير محتمل".
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.