ليس كوشنر وحده من حقق أرباحاً من الحرب في غزة

سارة ليا ويتسن
"فشلت التحقيقات في نهاية المطاف في الحصول على جميع المعلومات التي طلبتها بشأن تضارب المصالح في العلاقة بين كوشنر ومحمد بن سلمان"- جيتي
"فشلت التحقيقات في نهاية المطاف في الحصول على جميع المعلومات التي طلبتها بشأن تضارب المصالح في العلاقة بين كوشنر ومحمد بن سلمان"- جيتي
شارك الخبر
علمنا هذا الأسبوع أن صندوق الاستثمار التابع لجاريد كوشنر، "أفينيتي بارتنرز" (Affinity Partners)، قد حقق أرباحاً هائلة من استثماره في تكتل مالي إسرائيلي يمتلك أكثر من 456 مليون دولار في شركات إسرائيلية تمد الجيش الإسرائيلي بالإمدادات. وبصفته المستثمر الأكبر بفارق كبير في "أفينيتي بارتنرز"، فقد استفاد صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) من تلك الأرباح.

ومن المستبعد أن يكون المواطنون السعوديون على دراية بأن ثروتهم السيادية قد استُثمرت في شركات تنتج القنابل والطائرات المسيرة والمدفعية وغيرها من الأسلحة التي تستخدمها إسرائيل، وحققت أرباحاً منها. ولفهم هذه الروابط، نحتاج إلى تفكيك الهياكل المؤسسية المستخدمة لإخفاء هذا الواقع البشع.

في عامي 2024 و2025، اشترى الصندوق الرئيسي لشركة "أفينيتي"، وهو صندوق "أفينيتي بارتنرز باراليل" (Affinity Partners Parallel Fund I LP)، حصصاً كبيرة في شركة "فينيكس المالية" (Phoenix Financial)، وهي تكتل مالي إسرائيلي يمتلك حصصاً كبرى في تسع شركات على الأقل؛ تمد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة والمعدات. وشملت هذه الشركات شركة "إلبيت" (Elbit)، أكبر مصنع للأسلحة في إسرائيل، وشركات أخرى زودت القوات الإسرائيلية بالأسلحة والطائرات المسيرة والسفن الحربية ومكونات الدبابات والصمامات الإلكترونية لقذائف المدفعية.

بدا الاستثمار السعودي بمثابة مكافأة لكوشنر على الخدمات التي قدمها لمحمد بن سلمان، حيث وفّر الحماية لولي العهد من تداعيات جريمة قتل جمال خاشقجي، ومرر معلومات عن هويات السعوديين في المنفى الذين سعوا للحصول على دعم من وزارة الخارجية، وساعد في ضمان مبيعات الأسلحة المتقدمة للمملكة

اشترت "أفينيتي" في البداية 4.95 في المئة من "فينيكس" في تموز/يوليو 2024 مقابل حوالي 128.5 مليون دولار. وفي أوائل عام 2025، ضاعفت حصتها لتصل إلى نحو 10 في المئة، مما جعل "أفينيتي" أكبر مساهم في "فينيكس". وكان هذا الاستثمار مربحاً للغاية، لدرجة أنه في تموز/يوليو 2026، باعت "أفينيتي" ما يقرب من ربع حصتها مقابل أكثر من 340 مليون دولار، وهو عائد مذهل يعادل خمسة أضعاف استثمارها الأصلي في تلك الأسهم. واحتفظت بحصة قدرها 7.4 في المئة، تبلغ قيمتها الحالية حوالي مليار دولار، وظلت أكبر مساهم فيها.

لقد كانت "فينيكس" بالفعل "أفضل استثمار" لشركة "أفينيتي"، كما وصفها كوشنر، مدفوعة جزئياً على الأقل بالأرباح الطائلة التي حققها موردو الجيش الإسرائيلي في محفظة "فينيكس" نتيجة لحرب غزة. فقد ارتفع سعر سهم شركة "إلبيت" بأكثر من 165 في المئة منذ بداية الحرب في غزة. وشهدت شركة "نيكست فيجن" (NextVision)، التي تصنع كاميرات مثبتة تُستخدم في الطائرات العسكرية المسيرة الإسرائيلية، زيادة في إيراداتها بنسبة 46 في المئة في عام 2025، و112 في المئة حتى الآن هذا العام. كما شهدت شركات "بيت شيمش للمحركات" (Bet Shemesh Engines) التي تصنع محركات الطائرات المقاتلة، و"ريشيف للتكنولوجيات (Reshef Technologies) التي تصنع صمامات قذائف المدفعية، و"أشوت أشكلون" (Ashot Ashkelon) وهي من الشركات في المحفظة وتصنع أجزاء للدبابات المدرعة -على سبيل المثال لا الحصر- تحقيق أو طلبات أو إيرادات هائلة، وتباهى مسؤولو الشركات علناً بالطفرة المالية الناتجة عن الحرب في غزة، مستشهدين بالطلب الهائل من الجيش الإسرائيلي.

ومثلما كانت "أفينيتي بارتنرز" أكبر مساهم في "فينيكس"، كان صندوق الاستثمارات العامة التابع للحكومة السعودية، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هو المستثمر الأكبر بفارق كبير في "أفينيتي". وبالفعل، كانت المملكة العربية السعودية أكبر مستثمر أولي في "أفينيتي"، حيث اشترت حصتها البالغة ملياري دولار بعد ستة أشهر من إطلاق كوشنر لصندوقه الناشئ في 21 كانون الثاني/يناير 2020، بعد يوم واحد فقط من مغادرته منصبه في البيت الأبيض خلال إدارة ترامب الأولى.

وقد أثار كل من إطلاق "أفينيتي بارتنرز" واستثمار صندوق الاستثمارات العامة السعودي؛ انتقادات واسعة النطاق في وسائل الإعلام والحكومة الأمريكية، وأدى إلى تحقيقات عديدة من قبل مجلسي النواب والشيوخ. وفشلت هذه التحقيقات في نهاية المطاف في الحصول على جميع المعلومات التي طلبتها بشأن تضارب المصالح في العلاقة بين كوشنر ومحمد بن سلمان، وما إذا كان كوشنر قد طلب تمويلاً لصندوقه أثناء وجوده في منصبه (وهو ما يعد انتهاكاً واضحاً لقواعد الأخلاق الحكومية)، ولماذا مضى صندوق الاستثمارات العامة قدماً في مثل هذا الاستثمار الضخم مع مؤسس ليس لديه خبرة مالية، على الرغم من الاعتراضات الاستثنائية من قِبل لجنة فحص الاستثمار التابعة للصندوق نفسه.

بالنسبة للمنتقدين، بدا الاستثمار السعودي بمثابة مكافأة لكوشنر على الخدمات التي قدمها لمحمد بن سلمان، حيث وفّر الحماية لولي العهد من تداعيات جريمة قتل جمال خاشقجي، ومرر معلومات عن هويات السعوديين في المنفى الذين سعوا للحصول على دعم من وزارة الخارجية، وساعد في ضمان مبيعات الأسلحة المتقدمة للمملكة.

وربما لم يكن ليتوقع أحد، باستثناء الأكثر تشكيكاً، أن يوجه كوشنر استثمار صندوق الاستثمارات العامة السعودي إلى شركات الأسلحة الإسرائيلية، لكن كوشنر كان شفافاً بشأن نيته توجيه جزء من الأموال السعودية إلى شركات إسرائيلية في محاولة "لإنشاء ممر استثماري بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل"، آملاً أن تؤدي العلاقات المالية الوثيقة إلى تسهيل مسار التطبيع السياسي عبر الاتفاقيات الإبراهيمية. وأفادت التقارير أن كوشنر وفريقه أقنعوا المسؤولين السعوديين بالاستثمار في إسرائيل من خلال تحذيرهم من أن المملكة تخاطر بخسارة الفرص هناك لصالح جيرانها الذين طبعوا علاقاتهم مع إسرائيل. ووافق المسؤولون السعوديون على أن تستثمر "أفينيتي" الأموال السعودية في إسرائيل، على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية بين السعودية وإسرائيل.

ولم يكن هناك أي سر بشأن استثمار "أفينيتي" في "فينيكس" باستخدام أموال صندوق الاستثمارات العامة السعودي. ففي عام 2024، عندما اشترت "أفينيتي" حصتها الأولية في "فينيكس"، كانت الصحافة المالية الإسرائيلية تصف الصفقة بالفعل بأنها تتضمن "أموالاً سعودية"، وأفادت بأن هذا قد يعقد الموافقة التنظيمية الإسرائيلية. وهيكلت "أفينيتي" استحواذها على شريحتين بنسبة 4.95 في المئة لكل منهما، لأن تجاوز عتبة الملكية البالغة 5 في المئة في إسرائيل يتطلب موافقة تنظيمية. وتعامل المنظمون الإسرائيليون أنفسهم مع المصدر الخليجي/السعودي لرأس مال "أفينيتي" باعتباره أمراً ذا صلة بما إذا كان ينبغي السماح لكوشنر بأن يصبح أكبر مساهم في "فينيكس".

لقد أصبحت الثروة العامة السعودية متشابكة مالياً مع شركات تدعم الحرب الإسرائيلية في غزة، وهو ما يتناقض تماماً مع قيم ومشاعر الشعب السعودي

ومن الصعب تفويت هذه المفارقة: يبدو أن المنظمين الإسرائيليين كانوا قلقين بشأن وقوف الأموال السعودية وراء استحواذ "أفينيتي" على "فينيكس"؛ أكثر من قلق السلطات السعودية بشأن ما كان يستثمر فيه هذا التكتل الإسرائيلي. ولا يوجد سجل يشير إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي فرض قيوداً على استثماره لمنع تمويل شركات الأسلحة الإسرائيلية على أقل تقدير، إن لم يكن الشركات الإسرائيلية بالكامل. ولا يوجد دليل علني على أنه عندما استحوذت "أفينيتي" على "فينيكس"، قام صندوق الاستثمارات العامة بفحص أو الاعتراض على حيازات "فينيكس" الكبيرة في شركات التوريد العسكري الإسرائيلية. كما لا يوجد دليل علني على أنه بعد بدء الحرب في غزة، سعى المسؤولون السعوديون إلى سحب أموالهم من "أفينيتي" أو تقييد كيفية استثمارها في إسرائيل.

وسواء كانت سلطات الاستثمار السعودية قد سمحت لكوشنر دون اهتمام بتمويل شركات الأسلحة الإسرائيلية بشكل فعال من أموال صندوق الاستثمارات العامة، أو أنها كانت على علم بذلك منذ البداية ولم تبالِ، فإن النتيجة واحدة: استحوذت الثروة العامة السعودية على مصلحة مالية في شركات تنتج القنابل والقذائف والطائرات المسيرة والمدفعية وغيرها من المعدات العسكرية المستخدمة ضد الفلسطينيين في غزة. ومع انتعاش الأعمال العسكرية وأسعار أسهم تلك الشركات خلال الحرب، تكون الثروة السيادية السعودية قد شاركت في المكاسب الناتجة عن ذلك، حتى لو لم يكشف صندوق الاستثمارات العامة ولا شركة "أفينيتي" عن حجم هذه المكاسب. إن الأرباح التي حققها صندوق الاستثمارات العامة من استحواذ "أفينيتي" على "فينيكس" مغمّسة بدماء الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين.

تعود أصول صندوق الاستثمارات العامة إلى الشعب السعودي بالطبع، وليس إلى الحاكم الذي يسيطر على الصندوق ويدير البلاد دون أي شرعية ديمقراطية. إن عواقب افتقار الشعب السعودي إلى الرقابة الديمقراطية على طريقة إدارة محمد بن سلمان وإنفاقه لثروتهم السيادية قد وصلت الآن إلى ذروتها الأكثر مأساوية: لقد أصبحت الثروة العامة السعودية متشابكة مالياً مع شركات تدعم الحرب الإسرائيلية في غزة، وهو ما يتناقض تماماً مع قيم ومشاعر الشعب السعودي.

(سارة ليا ويتسن: محامية حقوق إنسان ومؤلفة. نُشر كتابها الأخير مع مايكل أومير-مان بعنوان "من الفصل العنصري إلى الديمقراطية: مخطط للسلام في إسرائيل-فلسطين في عام 2025. وشغلت سابقاً منصب المدير التنفيذي لمنظمة "داون" (DAWN) وقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش)


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)