ثلاث رسائل من وحي فوز عبد الرحمن السيد

ياسر عبد العزيز
جيتي
جيتي
شارك الخبر
هذا الابتهاج الذي عمّ الأمة العربية والإسلامية بفوز المرشح الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشيوخ ونيله مقعد ولاية ميشغان؛ مبرر بلا شك، إذ لم يكن طريق عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ مفروشاً بالورود، فالطبيب الأمريكي ذو الأصول المصرية واجه معركة تجاوزت التنافس على البرامج إلى التشكيك في هويته وولاءته، سخر ترامب من اسمه، وصوّره خطرا على الأمن القومي، واتهمه بالانتماء إلى الإخوان المسلمين، دون دليل، ولم تفلح حملة التخويف التي قادها ترامب بنفسه، ليصبح السيد، أول مسلم ينتخب لعضوية المجلس.

الطبيب ذو الأصول المصرية، لم تأته الطعنات من المعسكر الجمهوري فحسب، بل حملت زميلته في الحزب والمنافسة السابقة له في الترشيحات الداخلية التمهيدية، هايلي ستيفنز، خنجر الخيانة بدعم خصمه الجمهوري مايك روجرز، قبيل التصويت، خطوة ضاعفت صعوبة مسيرة عبد الرحمن نحو مقعد الشيوخ، لكنها لم تحسم إرادة الناخبين، وربما كانت نقطة تحول لصالحه.

تتجاوز أهمية فوز "عبدول" كونها انتقال مقعد برلماني مهم إلى سياسي مسلم، إلى كونها تمنح التيار التقدمي حجة إضافية داخل الحزب الديمقراطي لفتح المجال أمام منتقدي سياسات الكيان المحتل لفلسطين، وإن كان فوز عبد الرحمن وحده لا يعني بالنتيجة انهيار نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لتل أبيب، لكنه في النهاية فوز يمكن البناء عليه، ومن هذه التجربة التي عاشها العرب والمسلمون في الخارج جنبا إلى جنب مع الناخب الأمريكي حتى في غير ولاية تنطلق ثلاث رسائل:

الرسالة الأولى: إلى شباب الإسلاميين.. علينا فهم السياسة في سياقها

كم أسعد بتمسك شباب الإسلاميين بمرجعيتهم الدينية، وغيرتهم على حرمات الله، لكن اختزال تجربة سياسية لمسلم في مصافحة امرأة، أو الخطبة في مكان يخالف عقيدتكم، إنما يحجب سؤال أهم مفاده: ماذا يفعل السياسي الأغلبية التي خرج منها، ويريد أن يناصرها، فالسياسي في الغرب لا يترشح لتأسيس الدولة الإسلامية، ولا لتطبيق الشريعة ولا حتى لإقامة الحدود، وإنما دوره بالأساس هو رفع ما يمكنه من ظلم وقع على الأقليات، وينتزع ما يمكنه من حقوق، ولفعل ذلك عليه أن يطلب العون من كل المستضعفين والمهمشين الذين يرون فيه أملاً لتغيير أوضعهم وجلب حقوقهم، وصولاً لاكتساب مميزات لطالما حلموا بها، وهو ما يستلزم العمل وفق قواعد وموروث اجتماعي تحكمه المؤسسة المجتمعية، وتضبطه تسويات.

هذا التفريق لا يمنح السياسي حصانة من النقد، ولا يحول الضرورة إلى فضيلة دينية، لكنه يمنع الخلط لدى الحالمين من شباب الإسلاميين، بين الاجتهاد السياسي واعتماد الآراء الشرعية كمرجع، يمكن الاختلاف فيها، وبين قضايا جوهرية يجب الوقوف معه فيها ومساندته لتحقيق ما يمكن تحقيقه في ظل حرب ضروس لخصومنا فيها من الإمكانيات ما لا نملكه. ثم إن الغيرة على الدين لها معاييرها، على شبابنا النظر فيها، لكي يفرقوا بين الأمور، فحين يشتد الإنكار على سلوك شخصي، ويتراجع أمام سلوك عام تمارسه الأنظمة، فهنا يجب التوقف والتبين، وتحسس موقعنا من الأحداث.

لذا فرسالتي الأخيرة لكم هي، ألا تطلبوا من مسلم يعمل داخل واقع معقد أن يحقق نموذجاً متخيلا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل شروط معاهدة الحديدية، وهي مجحفة، وكانت نظرته أبعد من صحابته، فعلينا أن نسأل المرشح عن نزاهته وأمانته لا عن مصافحته لامرأة، فالوعي السياسي يبدأ حين نغادر راحة الأحكام المطلقة إلى واقع المسؤولية وحساب النتائج.

الرسالة الثانية: إلى الشعوب العربية.. الحرية تفتح ما يغلقه الاستبداد

إن نجاح عبد الرحمن السيد لا يثبت أن الغرب جنة، ولا أن الديمقراطية بريئة من العنصرية والمصالح والتواطؤ من الظلم، إنما يثبت أن وجود منافسة حقيقية تتيح للمواطن مقاومة بعض هذه العوائق، وتحويل التنظيم والعمل والثقة العامة إلى قوة تستطيع بلوغ الأهداف والوصول إلى مراكز القرار. وفي هذه المساحة يمكن للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يخدم مواطنين لا يشاركونه نفس عقيدته، ولا يحتاج إخفاء اسمه ليستحق الفرصة، ولا إلى حصر رسالته إلى أبناء جاليته، فحين يدافع عن حق العلاج والسكن والأجور ومعاشات التقاعد، فإنه يترجم قيمة منفعة عامة، ويصبح شريكاً مجتمعياً يساهم في حلول تهم الجميع لا فصيل ولا جماعة معينة، لكن المشاركة تبدأ بالتعلم والعمل الأهلي والنقابي وبناء العلاقات وخدمة الأحياء والبيئة التي تريد التأثير فيها.

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا يحقق أبناء المهاجرين ما لا يستطيع آباؤهم تحقيقه في أوطانهم، حيث يحرم المواطن من اختيار عضو اتحاد طلاب في جامعة؟ ولماذا تتحول كفاءة الإنسان إلى فرصة حين تتاح المنافسة، وإلى تهديد حين تحتكر السلطة السياسية المجتمع ونشاطاته؟

والإجابة أنه لا نتائج ولا تقدم ولا استفادة من قدرات المميزين؛ طالما جثم الاستبداد على صدور الشعوب، فما دام الاستبداد يرى في الحقوق منحة يعطيها ويمنعها، والمساواة نعمة لا يستحقها الناس، والديمقراطية أكبر من أن يدركها الجهلاء، فإن انتخابات نزيهة تفرز الأصلح، وتداولا سلميا للسلطة يجدد الفكر قبل الدماء، حلم بعيد المنال، حتى مع الإيمان بأن الديمقراطية لا تأتي دوماً بالأصلح، إلا أنها تفرز الغث من السمين فتتعلم الشعوب، ولا تعيد أخطاءها، وهذا لن تناله إلا بحراك حقيقي ينتزع حقها في التجربة.

الرسالة الثالثة: إلى عبد الرحمن السيد.. يبدأ الامتحان بعد الفوز

إلى الشاب المجتهد عبد الرحمن السيد، الذي تحمل الكثير للوصول إلى هذا النجاح، وكسب ثقة الناخبين، لا تقرأ الأصوات التي حملتك باعتبارها موافقة شاملة على أفكارك، فالانتخابات تلتقي فيها دوافع مختلفة، فهناك من صوت لك اقتناعاً ببرنامجك، وهناك من صوت لك على خلفية انتمائه الحزب، وهناك من صوت لك رفضا لخصومك، وهناك من صوت لك غضبا من الأوضاع ويريد التغيير، وهناك من صوت لك دعماً لك كارهاً للتمييز، وقد يكون من رجح كفتك ناخب متردد حسم موقفه في اللحظة الأخيرة، لكنه ليس من أنصارك، لهذا فالفوز وسيلة تبدأ بها المأمورية الصعبة، وليس غاية انتهت عندها المهمة.

عليك أخي أن تحول الثقة المؤقتة إلى استحقاق متجدد، والمحافظة عليه واجب عليه العمل من أجله، وهذا لا يعني أن تُشغل بالحملة القادمة، فعملك الدؤوب هو الحامل للاستحقاق المقبل، فأداء العمل والاجتهاد فيه يجعل الناخب يرى أن صوته أحدث فرقاً، وأنه ذهب لمن يستحق، وأن ممثله حاضر حين يحتاج إليه، ويرى فيه الحلم الذي طالما أراد تحقيقه. لذا تمسك بالكليات، العدالة والكرامة والمساواة ومقاومة العنصرية، واربطها بتفاصيل الحياة؛ بتكاليف العلاج، وإيجار المسكن، ورواتب العمال، ومستقبل الطالب، اشرح لناخبك دوماً كيف تتحول المبادئ إلى تشريعات ورقابة وخدمات تصب في حياته اليومية، ولا تترك المسافة بين خطاب الكليات ومطالب الحياة اليومية، حتى لا ينفض الناس من حولك.

وأخيراً، لا تسمح للاستفزاز بأن يحدد أعمالك، رد على التشهير حين يلزم، ثم عد إلى قافلتك وسر ولا تلتفت، ابن التحالفات دون تبديد المعنى الذي تم انتخابك من أجله، واعرف الحدود ولا تتجاوزها إلا بحذر، ولا تعد بما لا تملك، واعترف بالأخطاء حين تقع فيها، فالناخب يتفهم الصعاب، ويقدرها طالما يرى من يجتهد من أجله، لكنه لا يغفر الخداع، وأعلم أن وراء كل صوت منحته حلم، منهم من يرى فيك لبنة في بناء يريد أن يكون هو الآخر يد يشيد حصنا لصد الظلم ويردع التمييز.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)