اختطاف أم عملية أكبر؟

أحمد الكومي
ينتقل الشاباك إلى مستوى متقدم من العمل أصبح يبحث فيه عن الصناديق الكبيرة لأسئلته، وليس الإجابات الجاهزة"- التواصل الاجتماعي
ينتقل الشاباك إلى مستوى متقدم من العمل أصبح يبحث فيه عن الصناديق الكبيرة لأسئلته، وليس الإجابات الجاهزة"- التواصل الاجتماعي
شارك الخبر
مخاطرة عالية وجريئة أقدم عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي وأمنه في منطقة غرب مدينة غزة بإرسال قوات خاصة لاختطاف ضابط فلسطيني واقتياده حياً، وهي عملية تستهدف الوصول إلى قلب منظومة العمل الأمني في غزة كون؛ المختطف ضابطاً في جهاز الأمن الداخلي المسؤول عن ضبط وتأمين الجبهة الداخلية، وعلى وجه الخصوص ملاحقة المتخابرين مع العدو وتتبعهم، وإسناد أمن المقاومة وحماية ظهرها.

هذه المنظومة حققت نجاحات مهمة في كشف متخابرين مثّلوا أدوات متقدمة للعدو، وانتزعت اعترافات منهم ونفذت أحكاماً بالضبط والإعدام، كما شكلت عامل كبح لتمدد نفوذ المليشيات المتعاونة مع العدو وضرب شبكاتهم، وإفشال العديد من مخططات العبث بالجبهة الداخلية وحماية تماسكها، وكل ذلك يجري في ظل مسلسل اغتيالات لا يتوقف، وفي ظروف أمنية مستحيلة.

السيناريو الذي رجحته أجهزة أمن العدو لغزة بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية والتدمير الهائل، كان سيطرة الفوضى وانهيار البنى والهياكل الأمنية التي شكلت أحد أهم دعائم عمل المقاومة
أراد العدو مواصلة تفكيك هذه المنظومة؛ عبر الدخول أكثر في تفاصيل عملها وملاحقة كوادرها ومنع تكرار الخطأ الذي بدأ منذ عام 2005
وتناميها في قطاع غزة، ودفع العدو بتشكيلات من المليشيات المسلحة لإكمال وتسريع مخطط السقوط والتفكك، وخدمة الأجندة الأمنية للسياسة الإسرائيلية تجاه غزة ما بعد 7 أكتوبر.

منظومة الأمن في غزة تضررت بشكل بالغ، وتراجعت قدرتها أمام ضغط التهديدات الخطيرة والعمليات الموجهة والتغيير الجذري في بيئة ونظام العمل وأولويات إدارة الأخطار، ووقفت المؤسسة أمام تحدي منع فقدان السيطرة على بنيتها التحتية.

تعاملت غزة مع مهمة بقاء "الأمن" على أنها شكل آخر من أشكال المقاومة، لم يقيدها اتفاق وقف إطلاق النار، ولا مباحثات نزع السلاح، ولا عبء المرحلة، ولا غيرها مما لا تملك غزة المناورة فيه. لم تعد المهمة جمع المعلومات أو مواجهة التهديدات أو حماية شخصية أو مطاردة متخابر أو التحقيق مع مشتبه به، إنما حماية الهوية التي تختزل غزة، وتمكين الارتباط بالأرض والقيم.

لقد أصبح مفهوم الأمن في غزة بعد 7 أكتوبر يعادل البقاء. لذلك، فإن صمود "الأمن" كفكرة، والقدرة على إعادة التنظيم والترميم، ثم استمرار امتلاك القدرة والإرادة على التعامل مع التهديدات، واستمرار هياكل العمل وشبكات التتبع والملاحقة، بدا كتهديد أطل برأسه من جديد ويرفض رفع الراية البيضاء ويشكل مدخلاً لإعادة تشكل البيئة الأمنية التي تتداخل مع عمل المقاومة وحرية حركتها؛ لذلك أراد العدو مواصلة تفكيك هذه المنظومة؛ عبر الدخول أكثر في تفاصيل عملها وملاحقة كوادرها ومنع تكرار الخطأ الذي بدأ منذ عام 2005.

بالقدر نفسه الذي تحاول فيه غزة المحافظة على أمنها، يظهر أن أساليب عمل الجهاز الأمني الإسرائيلي في التعامل مع غزة قد تغيرت أيضاً

الوضع الذي نشأ بعد 7 أكتوبر لن يُبقي غزة ضمن نطاق مسؤولية جهاز الشاباك فقط، إنما ستنشأ مسؤولية أكبر تقع على عاتق رئيس وزراء العدو الذي سيوجه ويمنح الجميع صلاحية المشاركة في المطاردة والقتل، بالطريقة نفسها التي حشد وخاض بها الحرب ثلاث سنوات، وسينظر إلى كل قصاصة في مكتبه على أنها 7 أكتوبر.

وبالقدر نفسه الذي تحاول فيه غزة المحافظة على أمنها، يظهر أن أساليب عمل الجهاز الأمني الإسرائيلي في التعامل مع غزة قد تغيرت أيضاً. الشاباك سيقترب أكثر بعد اليوم، ولن يترك أي مسافة تفصله عن مطلوب أو معلومة، وستأخذ المواجهة الأمنية شكلاً آخر، أكثر جرأة ودموية. هناك حساب يجري إغلاقه مع الأمن في غزة، الذي كان ولا يزال متهماً ببتر أذرع أجهزة أمن العدو ومتخابريه، وكان البيئة التي تشكلت فيها القرارات الكبيرة للمقاومة.

الشاباك لا يُقدِم على هذا المستوى من المخاطرة لحماية متخابر أو مليشيات، وإنما ينتقل، بدافع الانتقام والرغبة في التغطية على الفشل الأكبر في تاريخه، إلى مستوى متقدم من العمل أصبح يبحث فيه عن الصناديق الكبيرة لأسئلته، وليس الإجابات الجاهزة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)