فيلم "نازا".. هل تتغير وجهة النظر الإسرائيلية؟

عبد الرحمن مجدي الحداد
مطالبات بسحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين- جيتي
مطالبات بسحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين- جيتي
شارك الخبر
في الأيام القليلة الماضية، وخلال مهرجان البندقية السينمائي، ظهر فيلم "نازا" الذي أثار ضجة واسعة في العالم كله، ولكن الجدل كله كان نابع من إسرائيل، دولة ميلاد مخرجي الفيلم، بعدما فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة. لكن قبل الحديث عن ردة الفعل الإسرائيلية عليه، يجب الرد على سؤال: عن ماذا يتحدث الفيلم؟

فيلم "نازا"، وكلمة "نازا" هي مصطلح عسكري إسرائيلي يعني عدد المدنيين الذي من المحتمل قتلهم في الغارة الجوية لسلاح الجو الإسرائيلي كأضرار جانبية. الفيلم يتحدث عن شهادات 24 جنديا من جنود الجيش الإسرائيلي والاستخبارات الاسرائيلية، يتحدثون عن ارتكاب الجيش الإسرائيلي لإبادة جماعية في غزة. الفيلم مقسم إلى عدة محاور سنتحدث عنها؛ المحور الأول هو كيف كانت تتم عملية اختيار الأهداف؟

24 جنديا مجهولين رفضوا الإفصاح عن هويتهم تحدثوا عن منظومة الاستهداف التي كانوا يعملون بها في حرب غزة. يقول الفيلم حسب روايات الجنود، إن الاستهدافات لم تكن بالضرورة قائمة على معلومات بشرية فقط، بل يستخدم الجيش الإسرائيلي أنظمة ذكاء اصطناعي تحلل كميات كبيرة من بيانات الهواتف لتحديد أشخاص أو أماكن باعتبارها أهدافاً محتملة.

إذا كان النظام يتوقع عدد المدنيين الذين سيُقتلون في الضربة، فهل وجودهم سيلغي الضربة أم أنه مجرد رقم يتم اتخاذه في الاعتبار أثناء الموافقة على تنفيذ الضربة؟

وبحسب إحدى روايات الجنود في الفيلم، النظام يحلل أنماط استخدام الهواتف، ثم يساعد على في تحديد مبان يعتقد أن أشخاصاً خطيرين موجودون فيها. وشاهدة أخرى تقول إن الاستهدافات تتم حتى مع علم الجيش الإسرائيلي بوجود أفراد من عائلة المستهدف داخل المنزل الذي سيتم قصفه.

ومن هنا نعود مرة أخرى لأسم الفيلم " نازا "، ويوجد سؤال مهم جداً: إذا كان النظام يتوقع عدد المدنيين الذين سيُقتلون في الضربة، فهل وجودهم سيلغي الضربة أم أنه مجرد رقم يتم اتخاذه في الاعتبار أثناء الموافقة على تنفيذ الضربة؟

الفيلم يحاول أن يوثق أن القضية ليست أخطاء فردية، بل منظومة كاملة، فعندما يُقتل المدنيون في غزة فتلك ليست أخطاء فردية من جندي أو اثنين، بل منظومة عمل يسير بها الجيش الإسرائيلي، ولو كانت أخطاء فردية ما كنا لنرى أكثر من 70 ألف شهيد في غزة.

المحور الثاني الذي يتحدث عنه الفيلم هو محور الذكاء الاصطناعي. الفيلم يتحدث عن أن الجيش الإسرائيلي يستخدم أنظمة وتقنيات ذكاء اصطناعي في معالجة كميات ضخمة من المعلومات وتحديد أهداف محتملة، عبر تحليل بيانات هواتف واتصالات للمساعدة في تحديد أماكن وجود أشخاص يعتقد أنهم أهداف عسكرية.

لكن يجب التفريق بين شيئين؛ الذكاء الاصطناعي من الممكن أن يساعد في اكتشاف الأهداف أو ترشيحهم، لكنه ليس صاحب الكلمة الأخيرة ولا يضغط على زر تنفيذ العملية، والجيش يقول إن من يتخذ قرار الاستهداف هم جنود وقادة، أي بشر بمعنى أصح.

ويصبح لدينا سؤال مهم في هذه النقطة التي تخص الذكاء الاصطناعي: إلى أي مدى أثرت مخرجات الذكاء الاصطناعي في القرارات التي يتخذها البشر؟ أي أنه بالفعل بدأ الجيش الإسرائيلي استعمال الذكاء الاصطناعي، لكن إلى أي مدى يؤثر هذا الاستعمال على القرارات البشرية؟

هذه أسئلة لا يجيب عليها القارئ أو السياسي أو حتى الشخص المتابع الحرب، وهو ليست لديه إجابة، الشخص أو الجهة الوحيدة التي تمتلك إجابة لهذه الأسئلة هي مؤسسة الجيش الإسرائيلي، الجهة التي تستعمل هذه الأنظمة ولديها معرفة بها.

الفيلم أثار جدلا كبيرا في العالم كله، وانقسم الرأي العام إلى فريقين؛ فريق عالمي يرى أن الفيلم يكشف ارتكاب اسرائيل إبادة جماعية على مدار ثلاث سنوات في قطاع غزة، وفريق يقول إن الفيلم يحرّض على إسرائيل وأن اسرائيل لا ترتكب أي شيء مما ذكره الفيلم، وهذا الفريق هو السياسيين الإسرائيليين وفئة من الشعب الإسرائيلي.

الفيلم يعبر عن حالة من التغيير الواضح في التفكير الإسرائيلي والعالمي بشكل عام، أنه أصبح لدينا أشخاص من داخل إسرائيل ينتقدون ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، ويصنعون أفلاما لذلك، وهذا التغيير يعتبر نتيجة من نتائج معركة طوفان الأقصى

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هاجم الفيلم وقال إنه مجرد تحريض على دولة إسرائيل، ورفض ما جاء فيه من اتهامات. والجيش الإسرائيلي انتقد الفيلم، ورفض الرواية التي يقدمها، وقال إن عمليات الاستهدافات في غزة تخضع لإجراءات ومراجعات بشرية. ووزير الثقافة الإسرائيلي أعلن أنه سيحاول سحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين.

ويمكننا الإجابة على سؤال مهم؛ لماذا حدثت كل هذه الضجة حول الفيلم الذي مدته 80 دقيقة؟ الإجابة هي أن الفيلم فيه شهادات جنود من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وأنه يكشف سياسة يتبعها الجيش الإسرائيلي حاول طوال الفترة الماضية نفيها، والآن خرجت إلى العلن.

وفي رأيي، أن الفيلم يعبر عن حالة من التغيير الواضح في التفكير الإسرائيلي والعالمي بشكل عام، أنه أصبح لدينا أشخاص من داخل إسرائيل ينتقدون ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، ويصنعون أفلاما لذلك، وهذا التغيير يعتبر نتيجة من نتائج معركة طوفان الأقصى.

هذا الفيلم مهم، وسيُحدث هو الآخر تغييرا في تفكير عدد كبير من الأشخاص. وعندما رأيت حجم الانتقادات التي وُجهت للفيلم، عرفت أن الفيلم حقق أهدافه بنجاح، وأهمها تعريف العالم كله بأن إسرائيل ترتكب إبادة، وهذا بأدلة من داخل المؤسسة المسؤولة عن هذا، وهي المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)