جدري الماء والأوبئة: الوجه الآخر للحرب في غزة

عزات جمال
"انهيار المنظومة الصحية التي تأثرت بشكل مباشر على مدار عامين من حرب الإبادة والتجويع"- عربي21
"انهيار المنظومة الصحية التي تأثرت بشكل مباشر على مدار عامين من حرب الإبادة والتجويع"- عربي21
شارك الخبر
جدري الماء (أو الحماق) وهو عدوى فيروسية سريعة الانتشار، بحيث ينتقل عبر الرذاذ التنفسي والاحتكاك المباشر. قد يبدو للوهلة الأولى، مرضاً عابراً يمكن التعامل معه طبياً، خصوصاً وأن الأطفال هم الفئة الأكثر تعرضاً له بحسب منظمة الصحة العالمية، لكن ظهوره بهذا الاتساع في قطاع غزة لا يمكن قراءته بوصفه شأناً صحياً منفصلاً عن المشهد العام، فقد سجلت 58 ألف إصابة منذ مطلع عام 2026 بحسب وزارة الصحة في غزة؛ فالمرض هنا يكشف، بصورة أكثر وضوحاً، حجم الاختلال الذي أصاب شروط الحياة الأساسية في القطاع المحاصر، وهو نتيجة مباشرة لحالة انهيار المنظومة الصحية التي تأثرت بشكل مباشر على مدار عامين من حرب الإبادة والتجويع.

وتفيد المعطيات بأن الإصابات الموثقة بالمرض المذكور خلال أسبوعين فقط، بلغت نحو 9,300 حالة مشتبه بها في أكثر من 130 منشأة صحية في قطاع غزة، فيما تركز أكثر من نصف الحالات في مدينة خان يونس التي تعرضت لدمار واسع ويعيش غالبية سكانها في الخيام. وقد عزت وزارة الصحية هذا الارتفاع لعدة عوامل أبرزها، الاكتظاظ وتدهور الظروف البيئية وتعطل خدمات الصرف الصحي نتيجة تدمير الشوارع والبنى التحتية، وتدني مستويات النظافة، وشح المياه الصالحة للاستخدام الشخصي والنظافة، وانتشار أكوام الركام وعدم سماح الاحتلال الإسرائيلي بترحيل النفايات، وانتشار القوارض والحشرات، إلى جانب ظروف الصيف وارتفاع حرارة الخيام غير المهيئة لأبسط مقومات الحياة الإنسانية.

الأرقام، مهما كانت قاسية، لا تستطيع وحدها أن تنقل لنا حجم المعاناة التي يعيشها الناس في الشريط المتبقي من القطاع بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على ما يقرب من 60 في المئة من أراضي قطاع غزة وفصلها بما يعرف بالخط الأصفر

لكن الأرقام، مهما كانت قاسية، لا تستطيع وحدها أن تنقل لنا حجم المعاناة التي يعيشها الناس في الشريط المتبقي من القطاع بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على ما يقرب من 60 في المئة من أراضي قطاع غزة وفصلها بما يعرف بالخط الأصفر.

ولمحاولة معرفة الآثار المباشرة للمرض اللعين الذي أكثر ما يفتك بالأطفال، فقد سألت علياً، من مدينة غزة والذي أصيب ولده أحمد ذو السبع سنوات بجدري الماء، وقد كان الأمر بالنسبة له صدمة قاسية، حيث لم يدر ما يفعله لصغيره المتألم، ويقول علي في شهادته: بدأت الحكاية بظهور طفح جلدي وارتفاع في الحرارة، ثم أخذت الأعراض تتزايد حتى أصبح النوم نفسه مهمة شاقة على ولده الصغير أحمد.

وقد توجه بالصغير لمستشفى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي للأطفال، وقد طلب منه الأطباء مباشرة إدخال الصغير للمستشفى لكي لا تتفاقم حالته، وبقي لأيام تحت الفحص والمتابعة. لم تكن رحلة العلاج مجرد انتقال من الخيمة التي يسكنها إلى مركز صحي؛ فقد كانت رحلة بين الازدحام وتدني الخدمات، فقد صُدم من عدد الحالات ونقص الإمكانيات وصعوبة توفير ما يحتاجه الطفل المريض.

يقول علي، في هذه اللحظة الإنسانية المركبة المستوحاة من واقع الأسر في غزة، إنه لم يكن يخشى المرض وحده، بل كان يخشى العجز عن فعل شيء لابنه المتألم من المرض أمام عينيه.

وهذه ربما هي الجملة الأكثر اختصاراً لمعاناة المرضى في غزة: أن يكون لديك طفل مريض أو رجل كبير أو امرأة، لكن قدرتك على حمايته مرتبطة بإمكانيات لا تملكها بسبب الحصار المفروض على غزة، وسط تعمد الاحتلال الإسرائيلي في عدم السماح للمستلزمات الطبية بالوصول لمستحقيها إلا بكميات محدودة جداً، رغم اعتراض عدد من المنظمات الدولية العاملة في القطاع.

ففي الظروف الطبيعية، يمكن التعامل مع كثير من حالات جدري الماء من خلال الرعاية المنزلية، ومتابعة الحرارة والأعراض، وتوفير الأدوية اللازمة عند الحاجة، مع عزل المصاب قدر الإمكان. أما في غزة، فإن العزل نفسه قد يصبح رفاهية عندما تعيش الأسرة في مساحة ضيقة أو في خيمة مكتظة بالنازحين.

ولهذا، فإن قصة أحمد، حتى بوصفها نموذجاً مركباً لعشرات وربما مئات القصص المشابهة، تضعنا أمام السؤال الأوسع: هل يمكن أن نطلب من المرضى الالتزام بالوقاية والعزل بينما حُرمت الأسر أصلاً من البيئة التي تجعل الوقاية ممكنة؟

إن جدري الماء مرض شديد العدوى، لكن سرعة انتشاره في بيئة منهكة لا ترتبط بالفيروس وحده. فالاكتظاظ، ومحدودية المياه، وتراجع خدمات النظافة والصرف الصحي، وضعف قدرة النظام الصحي، كلها عوامل تجعل السيطرة على الأمراض أكثر صعوبة. وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه العوامل مجتمعة تهيئ بيئة مثالية لانتشار جدري الماء وغيره من الأمراض المعدية في قطاع غزة.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الطب والرعاية الصحية، فالمرض يصبح في قطاع غزة المحاصر مؤشراً على مستوى الحياة التي يعيشها الناس. وكلما تراجعت قدرة الأسرة على الحصول على الماء النظيف، ومستلزمات النظافة، والدواء، والرعاية الطبية، اتسعت المسافة بين الإنسان وحقه الأساسي والمكفول في الصحة.

معالجة البيئة التي سمحت لهذا المرض بالانتشار بهذا الشكل الخطير والمرتفع: مياه نظيفة، صرف صحي، نظافة، تخفيف الاكتظاظ، دعم للمراكز الصحية، وتوفير منتظم للأدوية والمستلزمات الطبية

إن أخطر ما في الأوبئة داخل منطقة كقطاع غزة المحاصر أنها لا تحتاج دائماً إلى حدث استثنائي كي تنتشر؛ يكفي أن تنهار شروط الوقاية وتضعف منظومة الاستجابة، وتعلو نسب التلوث.

ولهذا، فإن مواجهة جدري الماء في غزة لا ينبغي أن تُختزل في توزيع الأدوية أو علاج الحالات الموجودة فقط، رغم أهمية ذلك، بل يجب أن تتجه إلى معالجة البيئة التي سمحت لهذا المرض بالانتشار بهذا الشكل الخطير والمرتفع: مياه نظيفة، صرف صحي، نظافة، تخفيف الاكتظاظ، دعم للمراكز الصحية، وتوفير منتظم للأدوية والمستلزمات الطبية.

فخلف كل رقم طفلٌ مصاب أب وأم وعائلة ينتظرون أن يتحسن ويشفى، وخلف كل حالة مرضية أسرة تعيش امتحاناً جديداً من امتحانات تداعيات الحرب المستمرة. وربما لهذا السبب تحديداً، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: كم عدد المصابين بجدري الماء في غزة؟ بل: متى سيتم تهيئة الظروف التي يفترض أن تحمي هؤلاء الأطفال وتبعد عنهم شبح المعاناة؟ فحين يصل المرض إلى الأطفال الرضع والصغار، يجد الآباء أنفسهم عاجزين عن توفير أبسط شروط العلاج والحماية.

وهنا يمكن القول بأن القضية لم تعد قضية مرض فحسب؛ بل هي قضية حياة كاملة تراجعت فيها شروط الأمان إلى الحد الأدنى بفعل سياسات الاحتلال الإسرائيلي العدوانية. لذلك، لا تبدو معركة الناس في قطاع غزة المحاصر مع المرض منفصلة، عن المعركة من أجل استعادة شروط الحياة نفسها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)