تواترت
الأنباء عن قرب تسلّم
قوة الاستقرار الدولية مهام عملها في قطاع
غزة، وهو ما يدفع
إلى التأكيد على ضرورة الإسراع في توليها المهام المنصوص عليها في بنود الاتفاق،
وفي مقدمتها مراقبة الالتزام بوقف إطلاق النار، ومتابعة انسحاب
الاحتلال
الإسرائيلي نحو حدود القطاع، وتهيئة الظروف المناسبة لمرحلة التعافي وإعادة
الإعمار.
هذه
المهام الثلاث ليست تفاصيل إجرائية، وإنما تمثل جوهر الدور الذي يفترض أن تضطلع به
القوة الدولية، وأساساً لاختبار قدرتها على الإسهام في تجاوز المأساة الإنسانية
المتفاقمة في قطاع غزة المحاصر، بعد ما يزيد على ألف يوم من المعاناة والدمار.
لكن
الحديث عن دور القوة الدولية لا يمكن أن ينفصل عن
المخاطر المحتملة التي قد ترافق
انتشارها، وفي مقدمتها محاولات الاحتلال الإسرائيلي تفريغ الاتفاق من مضمونه،
وتوظيف القوة الدولية لتنفيذ ما عجز عن تحقيقه خلال الحرب، ولا سيما في ما يتعلق
بسلاح الفصائل الفلسطينية. وهنا تبرز مسؤولية الجهات الراعية والوسطاء في ضمان
التزام الاحتلال الإسرائيلي بما تم الاتفاق عليه، ومنع تحويل القوة الدولية من
أداة لتنفيذ الاتفاق إلى وسيلة لإعادة صياغته وفقاً لمصالح الاحتلال.
وتزداد
أهمية هذه المخاوف في ظل ما تنقله وسائل إعلام الاحتلال عن أفكار وسيناريوهات
يطرحها عدد من أبرز قادة الائتلاف الحاكم، منذ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار
وحتى اليوم، بشأن طبيعة عمل قوة الاستقرار وانتشارها في قطاع غزة. وهي أفكار
تنطلق، في جانب منها، من اعتبارات أمنية ومشاريع سياسية تستهدف الإبقاء على واقع
جغرافي وديمغرافي جديد في القطاع.
ومن بين
السيناريوهات التي يجري تداولها محاولة الدفع باتجاه انتشار القوة الدولية من دون
انسحاب كامل لجنود الاحتلال، والإبقاء على المواقع العسكرية داخل القطاع، إلى جانب
إقامة ما يشبه المعازل أو الكانتونات المحاطة بالأسوار، بما قد يكرس واقعاً
جغرافياً مجزّأً ويقوض إمكانية استعادة وحدة القطاع وإدارة شؤونه ضمن مسؤولية
وطنية فلسطينية واحدة، خصوصاً في ظل استمرار القيود المفروضة على وصول لجنة إدارة
غزة إلى القطاع وممارسة مهامها.
ومن هنا،
فإن نجاح قوة الاستقرار الدولية يجب ألا يُقاس بمجرد وصولها وانتشارها، وإنما
بقدرتها على تحقيق ثلاثة اختبارات أساسية:
أول هذه
الاختبارات هو الانسحاب: أن يتزامن انتشار القوة الدولية مع انسحاب الاحتلال
الإسرائيلي من المواقع التي يفترض أن يغادرها، وألا تتحول القوة إلى غطاء لبقاء
قوات الاحتلال أو تثبيت وجودها العسكري في القطاع.
وثانيها
اختبار الحماية: أن تسهم القوة في تثبيت وقف إطلاق النار بصورة كاملة، وأن تعمل
على وقف الخروقات والاستهدافات، بما يوفر الحد الأدنى من الأمن والطمأنينة للسكان
الذين أنهكتهم الحرب.
أما
الاختبار الثالث فهو اختبار التعافي والإعمار: أن تهيئ القوة الظروف اللازمة
للانتقال من مرحلة وقف الحرب إلى مرحلة التعافي، وأن تدعم مسار إعادة الإعمار
وعودة الحياة إلى القطاع، بدلاً من أن تتحول مهمتها إلى إدارة أمنية طويلة الأمد
للواقع الذي خلفته الحرب.
ودون تحقق
هذه الشروط، سيبقى وجود قوة الاستقرار الدولية دون مستوى المأمول، ولن يحقق
الحماية المطلوبة للشعب الفلسطيني، بل قد يتحول، في أسوأ الاحتمالات، إلى جزء من
واقع جديد يجري فرضه على غزة تحت عناوين أمنية وإنسانية.
لذلك، فإن
المطلوب من القوة الدولية ليس فقط أن تكون حاضرة في غزة، وإنما أن تكون واضحة في
حدود صلاحياتها وأهدافها، وأن تلتزم بالدور الذي جاءت من أجله، وألا تنخرط في
تنفيذ مشاريع تتجاوز طبيعة مهمتها أو تخدم ترتيبات يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى
فرضها على القطاع.
إن وجود
قوة الاستقرار الدولية يفترض أن يكون عامل استقرار وطمأنة لمجتمع أثقلته سنوات
الحرب والحصار، وأن يشكل ضمانة حقيقية لفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار،
باعتبارهما شريان حياة لغزة الجريحة.
وفي
النهاية، فإن السؤال الحقيقي لن يكون: هل وصلت قوة الاستقرار الدولية إلى غزة؟ بل:
هل جاءت لتنفيذ الاتفاق أم لإعادة صياغته؟ فنجاحها سيُقاس بقدرتها على حماية وقف
إطلاق النار، وضمان الانسحاب، وتهيئة الطريق أمام إعادة الإعمار، لا بمدى قدرتها
على تحقيق مشاريع الاحتلال ومخططاته. وغزة التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات
الحرب تحتاج إلى قوة تحمي الاستقرار وتفتح الطريق أمام الحياة، لا إلى قوة تُستخدم
لتثبيت واقع جديد أو إعادة إنتاج المعاناة بأدوات مختلفة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.