الصورة من المريخ والصوت من الزهرة

أحمد عمر
"المتابعة لا تعني الموافقة، والولاء، فأنا أتابع أقواما أبغضهم، فضولاً مني لا حباً لهم، لكني أزيد في شهرتهم وأموالهم"- جيتي
"المتابعة لا تعني الموافقة، والولاء، فأنا أتابع أقواما أبغضهم، فضولاً مني لا حباً لهم، لكني أزيد في شهرتهم وأموالهم"- جيتي
شارك الخبر
تنتشر فيديوهات بالآلاف لناشطين درج التصنيف المعاصر على وصف صانعها بوصف: صانع محتوى، وهي مهنة جديدة، غير مهنة امرئ القيس الذي كان صانع محتوى أيضا. قد يكسب صانع المحتوى من حاويته الفارغة، إلا من بعض الحركات أو التهريفات، ما لم يكسبه الوليد بن المغيرة من تجارتي الشتاء والصيف أو هاينريش شليمان من كنوز طروادة.

وقد ظهرت صانعة محتوى تركية وهي تلهو بالآلاف من الليرات التركية، ساخرة من متابعيها الحمقى الذين جعلوها ثريّة، فسخطوا عليها، وكثرت المتابعات أيضا، وزاد تدفق المال من جديد!

لأولئك القوم تصنيفات في الويكيبيديا لم يحظَ بها علماء إلا بعد اختراعات، ومؤلفون إلا بعد تأليف، ومجاهدون إلا بعد مسافات قطعت فيها أكباد الإبل. قوام المقاطع أداء تمثيلي لأصوات وحوارات مأخوذة من أفلام أو مسلسلات، أو مشاهد محدثة من الشارع، يصدق فيها عنوان كتاب جون غراي: "الصورة من المريخ والصوت من الزهرة". وهو عنوان مجازي، شعري، عن الفروق بين الرجل والمرأة. وصارت عندي في المقال فروقا بين الخيال والواقع.

هي مهنة جديدة لا تقتضي شهادة علمية أو دربة فنيّة. فالذكاء الاصطناعي سند من لا سند له، ومؤلف من لا تأليف له، وقلم من لا قلم له، ومطيّة من لا مطيّة له.

الذكاء الاصطناعي عون المستضعفين، وملاذ الناشطين، على توزيع الكلام على حركة الشفتين. وهي غير مهنة اليوتيوبير، الذي تقتضي مهنته معرفة بفن أو علم، مثل قراءة الكتاب، وفتح أقفال، أو تحليل سياسة، أو فن طبخ، أو تعليم سباحة في ماء البحر أو في ماء ثاني أوكسيد الشهرة.

يكفي صانع المحتوى جهدا أن يحرّك شفتيه أو يديه أو قدميّه موافقا للصورة، أو من غير موافقة، فعلوم الذكاء الاصطناعي ستقسم ميراث الحركة على نبضات الصوت، أو أحمال الصوت على خلجات الحركة.

لم تثب الصورة هذه الوثبة التي تسمى بالطفرة في علم الصبغيات، علم الوراثة، وثْبتها دفعة واحدة، بعكاز آلات الفوتوشوب قديما، أو الذكاء الاصطناعي حديثا، فقد مهّد صناع الأغنيات للصورة غير الموافقة للصوت بأغنيات الفيديو كليب، والتي أثارت سخط المطرب ذا الصوت القوي الموصوف بالجبلي، فهد بلان، فوصفها هجواً بـ"الفيديو كلاب". وهي أغنيات مصحوبة بصور كثيرة، مثيرة، متناقضة، متخالفة، مبهرة، سريالية، باستعارة من اسم فن من فنون التشكيل، فنّ الساعات السائلة والبحار القماشية.

كانت الصورة في ملّة فقهاء الصوت وجمال العقيرة صرفاً عن جمال الصوت، ووداعا لعصر الإذاعة. إن مقولة "الصورة تعادل ألف كلمة" مقولة شهيرة في عصر الطرب البصري، لكنها تحتاج إلى تعليق وحاشية. حتى صحيفة "بيلد" الألمانية تعلق على الصور بكلمات قليلة، وهي مقولة إعلانية شاعت سنة 1921. وإلا فلماذا يجتهد المذيعون في شرح بعض الصور؟ حتى إنهم أكثروا من قراءة لغة الجسد في عصر الصورة، حتى باتت لغة الجسد شهيرة مثل لغة برايل للعميان، والجسد صورة، وسبب ذلك أنَّ العين مغرفة الكلام، والعيون كلام الوجوه، والعينان في العربية الحبيبتان.

في رواية "زوبك" للكاتب التركي الشهير عزيز نسين، صوّر المحتال زوبك صوراً صنعها له المصور بالمقص، وقد دسّ نفسه بين وزيرين لإيهام الناظر أنه التقط صوراً معهما، وأنه يصاحب الحكومة.

لقد بات تزوير الصور سهلا بآلات الذكاء الاصطناعي، حتى إن الفوتوشوب صار علماً قديماً، وصار كشف التزوير علماً وله آلات، مثل آلة كشف تزييف النقود، ولا بد من فحص الصور المصنوعة بإتقان لمعرفة الحق فيها من الباطل.

سنعود إلى كوكبي الزهرة والمريخ. فنقول إنّ مقاطع الفيديو المنشورة لا تأبه بالمنطق ما دامت الصورة جميلة والمحتوى طريفاً. فقد قضى عصر التقليد الفني نَحْبه، الفنُّ الذي كان فيه المقلّد يقلّد أصوات الفنانين وحركاتهم، وهي موهبة لا تؤتى إلا للقلة، وبعد تدريب شاق وتمرس، مثل سيد الملاّح وشفيق جلال وسمير غانم وإسماعيل ياسين.

أما فنُّ التقليد المعاصر فيجيده كل أحد: طفل يحاكي شيخاً، شيخ يحاكي طفلا، نساء يقلّدن الرجال، ورجال يقلّدون النساء بالحركة، والصوت المصاحب هو الصوت الأصل.

إنّ جميع مقلدي الفيديو المعاصر يظهرون بالصورة ويحركون أيديهم وشفاهم كما يفعل مطربو الأفلام الهندية: الصوت من الزهرة والحركة من "البطيخ".

يستطيع الآن أي مواطن من سكان المعمورة التواصلية أن يكون مثل شامي كابور، أو شاروخان، فيؤدي حركات توهم الناظر أنّه يغني أغنية للمطرب كيشور كومار أو محمد رفيع، موهما أنَّ الصوت صوته، فلا حاجة لعلم تحضير الأرواح.

لكن ثمة أمر آخر يجدر التنبيه له، وهو أنَّ أعيان عصر الصورة يقدرون الصوت، ولهم ذوق في اختيار الكلمات الألفاظ. فممثلو الحركات ومقلّدو النغمات هم أرهف الناس سماعا وأصغاهم آذانا للأصوات والكلمات اللطيفة الطارئة التي تتسير مثلاً وترنداً. وكان الناس إلى عهد قريب يقتبسون عبارات مسرحيات عادل إمام أو سمير غانم، لكنهم الآن ينتخبون من أصوات الشارع الغريبة أو الطريفة.

يقول تيكتوكر معروف إنَّ أمه تدعو الجارة "أم الطبيب الجراح"، إلى مشاهدة ابنها، "صاحب الخطوة"، في عرضه الجديد، لتباهي بموهبة ابنها الذي حفظ أربعين نكتة، وبلغ المجد. فتجلس أم الطبيب الجراح الذي ينقذ الناس من الموت، والذي درس ست سنوات في كلية الطب، ورأى كثيراً من الدماء والموتى على منصة التشريح، مضافاً إليها سنوات التخصص، مذهولة بموهبة ابن مضيفتها المضحك الخارقة.

يقول الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين": "وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه. ألا ترى العامة أنَّ ابن القريّة عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. وعبيد الله بن الحرّ، أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، وعتيبة بن الحارث وهم يضربون المثل بعمرو بن معد يكرب، ولا يعرفون بسطام بن قيس".

لم يفسر الجاحظ سبب شهرة عنترة مثلا، لعل قصة حبّه وسعيه للحرية أشهراه. أما تفسير علو شهرة صانع محتوى معاصر على شهرة ياسر العظمة، فليس له تفسير سوى أنَّ خروجنا من الجنة كان عوضها القصة، وكانت قصة مؤسية، فصارت قصة مضحكة.

لم يذكر الرواة وأصحاب السِيَر الفضول سببا لاقتراب أبينا آدم من الشجرة؛ الفضول يسبب الكوارث ويجلب النقم لقوم والنعم لآخرين. المتابعة لا تعني الموافقة، والولاء، فأنا أتابع أقواما أبغضهم، فضولاً مني لا حباً لهم، لكني أزيد في شهرتهم وأموالهم!

x.com/OmarImaromar


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)