طريق الخروج (10)

حمزة زوبع
"النقابات المهنية والعمالية تعد قوة تغيير اجتماعية هائلة"
"النقابات المهنية والعمالية تعد قوة تغيير اجتماعية هائلة"
شارك الخبر
 لقد شكلت النقابات المهنية حائط صد دفاعي ضد سلطة مبارك المستبدة، وكانت النقابات تمارس حقها في الدفاع عن الوطن في الوقت الذي تقدم فيه خدماتها لأعضائها، وإن كان الدور السياسي أكثر بروزا لأسباب نعرفها جميعا وعلى رأسها انسداد الأفق السياسي في الشارع بشكل عام. وقد تبلور الدور الوطني للنقابات في زمن المخلوع مبارك في الدفاع عن الحريات والوقوف ضد التوريث، تماما كما كان الوقوف ضد التطبيع وضد قانون الطوارئ، والمطالبة بنزاهة الانتخابات والمطالب الديمقراطية المشتركة بين جميع شرائح المجتمع، مثل المطالبة باستقالة مبارك من رئاسة الحزب الوطني والاكتفاء برئاسة الدولة ليكون رئيسا للجميع، ووقوفها ضد القوانين والتشريعات سيئة السمعة. وهذا الدور هو الذي شجع بقية شرائح المجتمع على التصدي لمبارك وولده ونظامه، وانتهى الأمر بثورة 25 يناير 2011.

في البحث عن طريق الخروج دائما ما يتم التركيز على القوى السياسية وخصوصا الحزبية والجماعات، ويتم إغفال قوى حيوية ومؤثرة في حياة الشعب المصري، وهي النقابات المهنية والعمالية إضافة الى مؤسسات المجتمع المدني، صحيح أن البعض يعتبر النقابات جزءا من من مؤسسات المجتمع المدني، ولكن الحقيقة أن المجتمع المهني (النقابات) ليس جزءا من المجتمع المدني؛ لا من حيث التوصيف ولا الوظيفة ولا من حيث التأثير في المجتمع.

النقابات عموما معنية بشؤون منتسبيها من أبناء المهنة الواحدة، من معلمين ومهندسين وأطباء وصحافيين ومحامين وممثلين وعمال، بينما منظمات المجتمع المدني معنية بالمجتمع بشرائحه المختلفة. وسنتعرض لدور مؤسسات المجتمع المدني في مقال قادم بإذن الله.

لدينا في مصر نقابات يبلغ عدد منتسبيها أضعاف أضعاف منتسبي الأحزاب المصرية في الوقت الراهن رغم كثرة عدد تلك الأحزاب، بل إن تاريخ إنشاء بعض هذه النقابات يسبق تاريخ دولة الضباط التي أنشئت في يوليو 1952 ولا تزال قائمةن مثل نقابة المحامين التي أنشئت في عام 1912، وتلتها نقابة الصحافيين في عام 1941، وتلتها المهندسين في 1946، والأطباء البشريين والأسنان والصيادلة والبيطريين والزراعيين في عام 1951. وبالتالي فإن وجود هذه النقابات أقدم تاريخيا وأكثر تجذرا من الأحزاب التي كانت تحكم مصر بالتناوب في عصر الملكية أو التنظيم الذي حكم مصر في عصر الضباط، وهذا ما يجب الالتفات إليه والتعويل عليه كجزء من طريق الخروج نحو مستقبل أفضل.

لدينا قرابة 25 نقابة مهنية ينتسب إليها ما يزيد عن ثمانية ملايين عضو، كما لدينا 31 نقابة عمالية تحت مظلة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر؛ الذي يضم وحده ما بين 3 و5 ملايين عامل تحت مظلته. وهذه الأرقام أكبر بكثير من منتسبي الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في زمن مبارك، إذ لم يتجاوز عدد أعضائه المليونين عضو بحد أقصى، وهي أكبر عشرات إن لم يكن بمئات المرات من عدد أعضاء الأحزاب المائة الموجودة في مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013.

 من المقارنة السابقة نجد أن النقابات المهنية والعمالية تعد قوة تغيير اجتماعية هائلة، وهي قوة ضغط سياسية يمكنها إحداث الفارق خصوصا في زمن الاستبداد والانسداد السياسي كما فعلت من قبل، وقد نجحت في التصدي لنظام مبارك على النحو الذي ذكرته في هذا المقال، لذا فمن المهم أن نفكر في دورها في طريق الخروج من هذا المستنقع والمأزق الذي وضعنا فيه نظام 3 يوليو 2013 واقترح ما يلي:

1- ألا تتحول هذه النقابات إلى أكشاك أو دكاكين بقالة تموينية لدعم وإعاشة أسر الأعضاء فقط لا غير، لذا يجب تنوير الأعضاء وتعريفهم بالحقوق والواجبات والدور الوطني الأكبر لهذه النقابات.

2- تأهيل جيل جديد غير محسوب على الأجهزة الأمنية والسيادية، التي لا تكل ولا تمل ومنذ زمن بعيد عن محاولات الاختراق والسيطرة والهيمنة وتقليص دور النقابات العام في مصر.

3- تفعيل أدوات التغيير المعيشي المتاحة في نطاق عمل النقابات المهنية، وأعني هنا تحسين أوضاع المهنيين بطريقة محترمة ومتحضرة، كما فعلت نقابات المهندسين والأطباء في زمن الإخوان، حيث أقيمت معارض دائمة للسلع المعمرة، إضافة الى التأمين الصحي لأعضاء النقابات، والمشاريع الاقتصادية كمشروع صناعة الدواء.

4- الدفاع عن منتسبي النقابات ولو اضطرت هذه النقابات إلى رفع قضايا أمام المحاكم لتحصين النقابات وحماية أعضائها وأموالها من المصادرة أو وضع يد الدولة عليها، كما حدث في التسعينيات من القرن الماضي. ولعل قانون الحد من نشاط النقابات ومجالس إدارتها المعروف بالقانون رقم 100 أبرز مثال على محاولات النظام المتكررة للحد من نفوذ وقدرة مجالس إدارات هذه النقابات.

5- المشاركة بفعالية في أنشطة العمل العام وخصوصا ما يتعلق بحياة الناس وشؤونهم العامة في مواجهة الفساد الحكومي والسياسات الاقتصادية الفاشلة، والتي يتضرر منها المنتسبون للنقابات بوصفهم جزءا لا يتجزأ من المجتمع.

6- تأهيل مجالس الإدارات قانونيا لمقاومة أي محاولات للسيطرة على النقابات والحد من أنشطتها أو تحجيم دور مجالس إدارتها، وذلك بالتوحد خلف مجالس الادارات المنتخبة.

7- رفع مستوى الوعي الانتخابي لدى منتسبي هذه النقابات، بحيث لا يكون اختيار المجالس بناء على مصالح قصيرة المدى، بل على استراتيجيات طويلة المدى للتغيير وتحسين الظروف المعيشية والتعامل الإنساني في المقام الأول.

8- تفعيل الأدوات الجماهيرية في مواجهة محاولات السلطة التوغل والسيطرة، من اعتصامات ووقفات احتجاجية محترمة.

9- الضغط المستمر من أجل زيادة حصة الوزرات الخدمية في الموازنة العامة بدلا من خفضها كما يجري حاليا ومنذ سنوات، في مخالفة واضحة ووقحة للدستور الذي كتبه النظام بكلتا يديه.

10- التنسيق والتعاون مع بقية النقابات على مستوى الجمهورية وتشكيل ما يمكن تسميته بالمجلس الأعلى للنقابات المهنية في مصر، على غرار الاتحاد العام لنقابات عمال مصر. وهذا المجلس يمكنه أن يساعد في تعزيز وقوة مكانة النقابات اجتماعيا وسياسيا بل واقتصاديا، إذ أن هناك وفرة مالية لدى بعض النقابات ذات الأعداد الكبيرة مثل المعلمين (حوالي مليونين) والزراعيين (حوالي مليون) المهندسين (حوالي 900 ألف).

11- نشر وتعزيز ثقافة التشاركية الحقيقية لا الأغلبية، وإن كانت فلتكن أكثرية وليست أغلبية من اتجاه واحد أو لون سياسي واجتماعي واحد، حتى لا يمنح السلطات المستبدة التحجج بسيطرة تيار أو فريق على النقابة.

12- الإصرار على دور النقابات المهنية في الحوارات المجتمعية ذات البعد الوطني والمتعلق بمستقبل البلاد أو في مواجهات الأزمات والكوارث، والتمسك بحق النقابيين في وجود مقاعد لهم في أي حوارات سياسية تخص الوطن. فالأمر لا يجب أن يكون مقصورا على الأحزاب الورقية أو حتى الفاعلة وعددها قليل وقليل جدا (12-15) إذا ما قورن بأعداد النقابات وعدد منتسبيها.

13- الحرص على نشر التقارير السنوية وخصوصا التقرير المالي والمحاسبي لكل نقابة، وذلك إشراكا للمجتمع وتوعيته تجاه دور هذه النقابات وحرصها على الشفافية.

14- فتح هذه النقابات أبوابها أم حديثي التخرج للتدريب والتأهيل بحيث تصبح هذه النقابات وبالتعاون مع وزارة القوى العاملة مستقبلا هي بوابة التوظيف الحقيقية في سوق العمل سواء داخليا أو خارجيا.

وختاما، فالبحث عن طريق للخروج لا يعني فقط الأحزاب والتيارات السياسية والجماعات الدينية، بل يعني المهنيين والعمال في بلد تعاني معظم مرافقه الحيوية من سوء الخدمات وقلة الميزانيات وشكوى المواطنين. وهذا الجانب الخدماتي هو في رأيي قمة السياسة (أسميه بالسياسة القاعدية)، فالنقابات يجب أن تعنى بارتقاء مستوى منتسبيها، وبالتالي سينعكس هذا على الأداء الخدمي بشكل كبير. وهنا لا بد من التذكير بأن المهنيين لن يستطيعوا فعل ذلك وحده، بل لا بد من توفير ميزانيات لهذه المرافق مع تحسين أداء العاملين، وبالتالي يمكن أن يشعر المواطن بالفرق الكبير في مستوى الخدمة.

إن أي تفكير في الخروج دون إشراك النقابات جنبا إلى جنب مع الأطراف السياسية الفاعلة يعني ترك المهنيين نهبا لإغواءات وإغراءات السلطة والتحكم في القوى المهنية، وجعلها خصما لتيارات التغيير في الوطن.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل