جيلٌ نسي شكل الميدان.. عن الذاكرة التي تُترَك تموت وحدها

أدهم حسانين
"من يمحو هذه الذاكرة؟"- ويكيميديا كومنز
"من يمحو هذه الذاكرة؟"- ويكيميديا كومنز
شارك الخبر
يعيش في بيتٍ قريبٍ مني صبيٌّ في 13 من عمره، وُلد عام 2013؛ أصغر من انقلاب يوليو ببضعة أشهرٍ فقط، أصغر من الجمهوريَّة الجديدة التي يعيش المصريون تحت ظلِّها اليوم. سألته مرَّةً، بلا مقدِّمات، بلا اختبار، مجرَّد فضولٍ عابر: ماذا تعرف ثورة يناير؟ أجاب ببساطةٍ، دون تردُّدٍ ودون شعورٍ بأنَّه يفوِّت شيئاً: "ثورةٌ قديمة، ضدَّ مبارك، أليس كذلك؟".

ليس خطأً تماماً، لكنَّه كلُّ ما يعرفه. لا اسم ميدان التحرير يعني له شيئاً محدَّداً، لا صوت الناس وهم يهتفون له صدى في ذهنه، لا يعرف أنَّ أهله أنفسهم الذين يراهم كلَّ يوم يقولون "الحمد لله على الاستقرار"، الذين يحذِّرونه من "الفوضى" كلَّما مرَّ خبرٌ سياسيٌّ على الشاشة، كانوا في لحظةٍ ما، قبل أن يولد بسنتين، ينزلون إلى الشارع، يراهنون بحياتهم كلِّها على احتمال أن يتغيَّر شيء.

هذه السطور ليست عن السياسة، إنَّها عن الذاكرة، وعمَّن يُقرِّر ما يُروى وما يُترَك ليموت صامتاً.

أوَّلاً: من يمحو الصورة؟

السؤال الأوَّل الذي يتبادر إلى الذهن هو الأسهل والأكثر خداعاً: من يمحو هذه الذاكرة؟ ومن أين نبدأ في محاسبته؟

لكنَّ الحقيقة أعقد من أن تُختزَل في فاعلٍ واحد أو شخص واحد، لا يوجد أحدٌ يمحو الذاكرة فعلياً، بالمعنى الحرفيِّ للفعل، لا توجد وزارةٌ اسمها "وزارة النسيان"، ولا مرسومٌ رئاسيٌّ يأمر بحذف يناير من الوجدان الجمعيِّ. ما يحدث أبسط من ذلك وأخطر في آنٍ واحد: الموضوع ببساطةٍ لا يُروى.

إذا كان المحو يعمل بلا مركزيَّةٍ، فإنَّ مقاومته يجب أن تكون لا مركزيَّةً أيضاً. لا ينتظر أحدٌ قراراً حكومياً يعيد يناير إلى المناهج، ولا برنامجاً تلفزيونياً يستعيد الشهادات. المقاومة هنا فرديَّةٌ بالضرورة، تحدث في التفاصيل الصغيرة، في المحادثات العابرة، في القرار البسيط أن تحكي بدل أن تصمت

المدرسة لا تقول شيئاً، الكتاب المدرسيُّ يقفز من فترةٍ إلى أخرى دون أن يتوقَّف عند يناير أكثر من سطرين باهتين، مصوغين بحياديَّةٍ مقصودة، خاليين من أيِّ تفصيلٍ يجعل الحدث حياً في ذهن قارئه الصغير.

لم يعد التلفزيون له داعٍ ليعود إليها؛ فالبرامج التي كانت تستضيف شهوداً وناشطين توقَّفت منذ سنوات، واستُبدلت بخطابٍ رسميٍّ يذكر يناير عرضاً، كمقدِّمةٍ سيِّئةٍ لما جاء بعدها من "استقرارٍ" مزعوم.

والبيت، وهذا الأخطر بين كلِّ هذه الحلقات، أصبح خائفاً من الكلام. صار الكلام له ثمنٌ، وقرَّر كثيرٌ من الأهالي، بوعيٍ أو بغريزة البقاء، أنَّ الصمت أكثر أماناً من الحكاية.

الأب الذي شارك في المسيرات يخشى أن يورِّث لابنه فضولاً قد يقوده يوماً إلى متاعب لا طاقة للعائلة بها. الأمُّ التي فقدت قريب لها في الأحداث تُفضِّل ألَّا تفتح الجرح أمام طفلٍ لا يفهم بعد ثقل الفقد.

وهكذا، جيلٌ بعد جيل، تتقلَّص دائرة من يعرفون، وتتَّسع دائرة من لا يسألون لأنَّهم لا يعرفون أنَّ هناك ما يستحقُّ السؤال. لم يقرِّر أحدٌ محو الذاكرة بقرارٍ صريح، تُركت الذاكرة تموت وحدها، دون أن يرعاها أحد.

وهذا الغياب اللامركزيِّ للمسؤوليَّة هو ما يجعل هذا النوع من المحو أخطر من أيِّ حظرٍ رسميٍّ مباشر: لا يوجد قرارٌ واحدٌ يمكن الطعن فيه، ولا جهةٌ واحدةٌ يمكن مساءلتها. المسؤوليَّة موزَّعةٌ على آلاف القرارات الصغيرة التي اتَّخذها آلاف الأفراد، كلٌّ في سياقه الخاصِّ، وكلٌّ منها يبدو معقولاً حين يُنظَر إليه منفرداً.

ثانياً: لماذا هذا أخطر من القمع المباشر

قد يعترض معترضٌ: أليس القمع المباشر الاعتقال، والحبس، ومنع النشر، أشدَّ فتكاً من مجرَّد نسيانٍ تدريجيٍّ؟

الجواب معقَّدٌ، ويستحقُّ تفكيكاً هادئاً. القمع المباشر يمكن رؤيته، يمكن توثيقه، ويمكن للضحيَّة أن تعرف أنَّها ضحيَّة، وأن تروي قصَّتها، وأن يتحوَّل ألمها إلى شهادةٍ تُضاف إلى الذاكرة الجماعيَّة، حتَّى وإن لم تصل إلى العدالة. المعتقل السياسيُّ يعرف أنَّه مُعتقَلٌ سياسيٌّ، الصحفيُّ الممنوع من الكتابة يعرف أنَّه ممنوعٌ، ويمكنه أن يقول للعالم إنَّه ممنوع.

القمع المباشر، على قسوته، يترك أثراً يمكن تتبُّعه. لكنَّ جيلاً نسي أنَّ شيئاً حدث أصلاً لا يملك حتَّى نقطة بدايةٍ يسأل منها. هذا الصبيُّ ذو الـ13 عاماً في المنفي لن يسأل يوماً "لماذا قُمعنا؟"، لأنَّه لا يعرف أنَّ هناك ما يستحقُّ هذا السؤال من الأساس، لا يشعر بغيابٍ، لأنَّه لا يعرف أنَّ هناك شيئاً غائباً. هو ببساطةٍ يعيش في نسخةٍ من الواقع خاليةٍ من فصلٍ كاملٍ من تاريخ بلده، ولا يشكُّ للحظةٍ أنَّ هذا الفراغ فراغٌ أصلاً.

هذا هو جوهر الخطورة: القمع المباشر يخلق ضحايا يعرفون أنَّهم ضحايا، أمَّا محو الذاكرة، حين ينجح، فإنَّه يخلق جيلاً لا يعرف حتَّى أنَّه محرومٌ من شيء. والحرمان الذي لا يُشعَر به لا يُقاوَم، لأنَّ المقاومة تبدأ دائماً من الوعي بالفقد.

النظام العسكري الذي حكم مصر بعد انقلاب 52 فعل أيضا كما فعل امتداده الذي جاء بعد انقلاب 2013 فهو لا يحتاج إلى إقناع الجيل الجديد بأنَّ يناير كانت خطأً، تلك مهمَّةٌ شاقَّةٌ ومكلفة، تستلزم دعايةً مستمرَّةً ومجهوداً متواصلاً لإقناع كلِّ فردٍ على حدة. أسهل من ذلك بكثير، وأكثر كفاءةً من الناحية الاستراتيجيَّة، أن يجعله لا يعرف أنَّها كانت شيئاً من الأساس. الفراغ لا يحتاج إلى دفاعٍ؛ فقط يحتاج إلى صمتٍ، والصمت مجَّانيٌّ ومتاحٌ دائماً.

ثالثاً: آليَّات المحو الأربع

يمكننا رصد أربع آليَّاتٍ متكاملة تعمل معاً لإنتاج هذا الفراغ الجمعيِّ، لا بوصفها مؤامرةً منظَّمة، بل بوصفها منظومة حوافز تدفع كلَّ طرفٍ إلى المساهمة، بوعيٍ أو بغيره، في العمليَّة نفسها.

الآليَّة الأولى: التعليم الرسميُّ. المناهج الدراسيَّة، بتصميمها الحاليِّ، تتعامل مع يناير كحاشيةٍ عابرة، لا كحدثٍ تأسيسيٍّ يستحقُّ التفصيل والتحليل. الطالب يحفظ تاريخين بداية الثورة ونهايتها المفترضة دون أن يفهم لماذا نزل الناس، ولا ماذا كانوا يطلبون، ولا كيف شعروا في تلك اللحظة الفارقة.

الآليَّة الثانية: الإعلام المرئيُّ. القنوات التي كانت تستضيف نقاشاتٍ حيَّةً حول يناير، بمختلف وجهات النظر، اختفت تدريجياً، أو تحوَّلت خطابها بالكامل. الصورة المتلفزة اليوم إمَّا تتجاهل الذكرى تماماً، أو تستحضرها فقط لتؤطِّرها كمقدِّمةٍ لفوضى وجب تجنُّبها.

الآليَّة الثالثة: صمت البيوت. وهذه الأخطر لأنَّها الأكثر إنسانيَّةً وفهماً. الآباء الذين عاشوا التجربة يحمونها بالصمت، لا كراهيةً في الحكاية، بل خوفاً من ثمنها. هذا الصمت، رغم دوافعه المشروعة، يحقِّق نفس أثر الرقابة الرسميَّة تماماً: يمنع انتقال المعرفة من جيلٍ إلى جيل.

الآليَّة الرابعة: غياب المساحات البديلة. حتَّى من أراد أن يعرف من الجيل الجديد، لا يجد بسهولةٍ أماكن يبحث فيها. الأرشيفات تم حذف أكثرها، المواقع الموثوقة محجوبةٌ أو تحتاج جهداً للوصول إليها، والشهادات الشخصيَّة مبعثرةٌ في زوايا الإنترنت لا يصل إليها طالبٌ عاديٌّ في مدرسةٍ عاديَّة.

هذه الآليَّات الأربع لا تحتاج تنسيقاً مركزياً لتعمل معاً، كلٌّ منها يخدم الأخرى بشكلٍ طبيعيٍّ، وكلُّها تصبُّ في نتيجةٍ واحدة: فراغٌ متزايدٌ في وعي كلِّ جيلٍ جديد.

رابعاً: الذاكرة كفعل مقاومة

إذا كان المحو يعمل بلا مركزيَّةٍ، فإنَّ مقاومته يجب أن تكون لا مركزيَّةً أيضاً. لا ينتظر أحدٌ قراراً حكومياً يعيد يناير إلى المناهج، ولا برنامجاً تلفزيونياً يستعيد الشهادات. المقاومة هنا فرديَّةٌ بالضرورة، تحدث في التفاصيل الصغيرة، في المحادثات العابرة، في القرار البسيط أن تحكي بدل أن تصمت.

هذا بالضبط ما أحاول فعله، دون ادِّعاء بطولةٍ ودون رسالةٍ كبرى. أحاول، كلَّما استطعت، أن أروي للصبيِّ ذي 13 عاماً وأمثاله تفاصيل لا تُكتب في التقارير الرسميَّة ولا في الكتب المدرسيَّة: كيف كان صوت الناس في الميدان، كيف شعر أحدهم حين أدرك للمرَّة الأولى أنَّ التغيير ممكنٌ، كيف كانت لحظة الأمل تلك قبل أن تتبدَّل الأمور.

ليس الهدف إعادة الماضي؛ فالماضي لا يُعاد، الهدف أن يجد هذا الصبيُّ، حين يكبر ويسأل مجدَّداً وسيسأل، لأنَّ الأسئلة تعود دائماً في لحظةٍ ما، من يروي له الحكاية كاملةً، لا سطرين باهتين في كتابٍ مدرسيٍّ. أن يعرف أنَّ الاستقرار الذي يُقال له إنَّه ثمرة "الحكمة"، له تاريخٌ سابقٌ، وأنَّ هذا التاريخ كان يحمل احتمالاتٍ أخرى، وأنَّ أناساً حقيقيِّين راهنوا بحياتهم على تلك الاحتمالات.

خامساً: لماذا يهمُّ هذا الآن؟

قد يبدو الحديث عن ذاكرة جيلٍ لم يعِ بعدُ ترفاً فكرياً أمام قضايا أكثر إلحاحاً: اعتقالات، اقتصادٌ منهار، حروبٌ إقليميَّة. لكنَّ الحقيقة أنَّ هذه القضيَّة هي الأساس الذي تُبنى عليه كلُّ القضايا الأخرى.

فالشعب الذي لا يعرف أنَّه ثار يوماً لن يفهم لماذا يجب أن يفكِّر في الثورة مجدَّداً، والجيل الذي نشأ يظنُّ أنَّ "الاستقرار" هو الحالة الطبيعيَّة الوحيدة الممكنة، لن يسأل نفسه ما الذي دفع أهله، قبل أن يولد بقليل، إلى المخاطرة بكلِّ شيءٍ من أجل بديلٍ لم يكن مضموناً.

الذاكرة ليست ترفاً؛ إنَّها المرجعيَّة التي يقيس بها كلُّ جيلٍ حاضره، ويحدِّد من خلالها ما هو ممكنٌ وما هو مستحيل. ومن يفهم هذا، يفهم لماذا كان محو الذاكرة، لا القمع المباشر وحده، أحد أهمِّ أدوات كلِّ نظامٍ يريد أن يضمن بقاءه إلى الأبد: لأنَّ الشعب الذي نسي أنَّه كان حراً يوماً، لن يعرف أصلاً أنَّه يفتقد الحرِّيَّة.

الذاكرة، مثل أيِّ شيءٍ حيٍّ، تحتاج من يرويها كي تبقى. وحين يتوقَّف الرواة، لا تموت الذاكرة فجأةً؛ بل تذبل ببطءٍ، جيلاً بعد جيل، حتَّى يأتي يومٌ يسأل فيه صبيٌّ سؤالاً بريئاً، فلا يجد من يجيبه إلَّا سطرين باهتين في كتابٍ مدرسيٍّ.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)