عقب
هزيمة السادس من حزيران/يونيو 1967 خرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم 9 حزيران/يونيو
عبر الإذاعة
المصرية معلنا تحمله المسئولية السياسية، وتنحيه تماما عن السلطة،
وعلى الفور خرجت مظاهرات حاشدة ترفض هذا التنحي وتطالب ببقائه. لسنا بصدد إثارة
جدل جديد حول ما إذا كانت تلك المظاهرات عفوية أم مخططة، فالمهم أنها حدثت وبناء
عليها تراجع عبد الناصر عن قرار التنحي.
يستحضر
الصحفي والبرلماني الناصري "الدولجي" مصطفى بكري هذا النموذج، ملوحا به
كطريق لإثناء عبد الفتاح
السيسي عن قراره بترك السلطة مع نهاية مدته في 2030. أفصح
بكري عن فكرته في لحظة حماس، واندفاع خلال لقاء تلفزيوني مع الإعلامي عمرو أديب،
وربما يدفع بكري ثمن كشفه عن خطة كانت ترتبها بعض الأجهزة كبديل شعبي عن فكرة
تعديل
الدستور التي أعلن السيسي بشكل مفاجئ رفضها أيضا، وأربك بهذا الإعلان
الأوساط الداعمة له وبعض أجهزته الأمنية.
شعرت شبكات
المصالح سواء الإعلامية أو المالية أو الأمنية.. الخ بخطر حقيقي على مصالحها في حال
غياب السيسي عن المشهد، وارتبكت لبعض الوقت عقب تلك التصريحات مباشرة، حتى أن بكري
نفسه دافع في البداية عنها، فقد كان ثاني اثنين من الإعلاميين تحدثا مباشرة مع
السيسي عقب صدور تصريحاته يوم 17 تشرين/الأول أكتوبر الماضي. وحسب تصريحات بكري
التي ذكرها في برنامجه وفي أكثر من لقاء تلفزيوني فإن السيسي كان حازما معهما في
عدم التراجع عن قراره، لكن بكري وإعلاميين آخرين (أحمد موسى- نشأت الديهي- محمد
الباز) يتحركون بتعليمات أحد الأجهزة الأمنية، هم الذي يقودون الآن الدعوة لتحرك
شعبي لثني السيسي عن قراره، استلهاما لتجربة عبد الناصر.
شعرت شبكات المصالح سواء الإعلامية أو المالية أو الأمنية.. الخ بخطر حقيقي على مصالحها في حال غياب السيسي عن المشهد
يُظهر
موقف هؤلاء الإعلاميين تباينا جديدا في مواقف الأجهزة الأمنية، وتحديدا جهازي
المخابرات العامة والأمن الوطني، في التعامل مع ملف حساس جديد، لقد تباينا من قبل
في ملفات أخرى، مثل الحوار الوطني الذي وقفت خلفه المخابرات العامة، فيما تحرك
الأمن الوطني لإفساده، وهو ما تكرر مع لجنة العفو الرئاسي، والاستراتيجية الوطنية
لحقوق الانسان، والسماح ببعض المنصات الإعلامية المستقلة.. الخ.
لا
يختلف الجهازان أو غيرهما من الأجهزة الأمنية الأخرى على دعم النظام، وفعل كل ما
من شأنه تثبيت أركانه، وإطالة عمره، لكنهما يختلفان في الطريق إلى ذلك. فالمخابرات
تتبنى نظرية التنفيس الذي يحول دون الانفجار، بينما يرفض الأمن الوطني أي تنفيس
بزعم أنه سيفتح الباب للانفجار. وبخصوص إعلان السيسي عدم المساس بالدستور لتمديد
ولايته، وانتهاء تلك الولاية في 2030 تبدو مواقف الجهازين متباينة مجددا، وإذا لم
يكن من الواضح أن المخابرات هي التي أوصت السيسي بهذه الخطوة، فإن من الواضح أن
الأمن الوطني هو الذي يحرك رجاله الآن للانقلاب على موقف السيسي، ودفعه للتراجع.
سيناريو
مظاهرات رفض التنحي ليس هو الوحيد لثني السيسي عن موقفه، فبالتوازي معه هناك
تحركات أخرى لتعديل الدستور رغم إعلان السيسي عدم المساس به، تقودها شبكة المصالح
ذاتها، ومعها بعض أساتذة القانون الدستوري القريبين من السلطة، ويتكئون فيها على
مادة دستورية (226) تتيح لرئيس الدولة أو 20 في المئة من أعضاء مجلس النواب التقدم
بهذا الطلب، ويصير مقبولا بموافقة ثلثي البرلمان، ثم يعرض على الاستفتاء الشعبي
العام. هنا سنراقب حملة جمع التوقيعات من النواب لهذا المطلب، فليس منطقيا أن يدعو
السيسي بنفسه للتعديل وهو الذي تعهد عدم المس بالدستور. وخُمس النواب ليس عددا
كبيرا في ظل سيطرة حزبين تابعين للأمن الوطني، هما مستقبل وطن والشعب الجمهوري،
يحوزان معا أكثر من 250 نائب، بينما الخُمس المطلوب 120 نائبا فقط، وفي حال التحرك
لجمع هذه التوقيعات من النواب فسنكون بصدد تحرك بمباركة السلطة بطريقة غير معلنة،
أما إن كان السيسي جادا في قراره فإنه سيوجه بوقف هذه الحملة فورا.
المحاولات يمكن أن تبوء بالفشل حال تصدى لها السيسي نفسه، وحال تحركت القوى الراغبة في التغيير. ولا أقصد هنا القوى الحزبية فقط بل قوى أخرى داخل دولاب الدولة أو خارجه، ترى أن التغيير سيكون لصالح الدولة نفسها، وتجنيبها لاضطرابات غير مأمونة العواقب
ضمن
تحركات شبكة المصالح وفي القلب منها ذاك الجهاز الأمني جرت مذبحة جديدة لحرية
الصحافة، تمثلت في مداهمة مقر منصة متصدقش، واعتقال غرفة التحرير المكونة من 6
صحفيين مرة واحدة، وكذا إغلاق موقع مدى مصر الذي يعمل منذ العام 2013 بحجة عدم
امتلاكه رخصة قانونية، رغم طلبه أكثر من مرة لتلك الرخصة. الهدف في الحالتين هو
ضرب صوتين داعمين لمسار الانتقال السياسي تنفيذا لوعود السيسي، ومن خلال ضرب هذين
الصوتين هناك رسالة تخويف لغيرهما من الأصوات التي تتبنى هذا الانتقال السياسي.
هي
حالة من الحراك أنتجتها تصريحات السيسي المفاجئة، ورغم المحاولات الحالية من شبكات
المصالح للتمسك ببقاء السيسي رئيسا بعد 2030 إلا أن هذه المحاولات يمكن أن تبوء
بالفشل حال تصدى لها السيسي نفسه، وحال تحركت القوى الراغبة في التغيير. ولا أقصد
هنا القوى الحزبية فقط بل قوى أخرى داخل دولاب الدولة أو خارجه، ترى أن التغيير
سيكون لصالح الدولة نفسها، وتجنيبها لاضطرابات غير مأمونة العواقب.
على
الأحزاب والنقابات المهنية والعمالية، ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى، الجهر برفض
أي تعديلات دستورية، والتمسك بفرصة الانتقال السياسي السلمي. ويبقى أن القوة
السياسية الأكبر حتى الآن رغم كل مشاكلها وانقساماتها هي جماعة الإخوان المسلمين،
وهذه القوة يمكن أن يكون لها دور كبير في دعم الانتقال السياسي إذا أعلنت موقفا
موحدا بتخليها طواعية عن التنافس السياسي خلال الفترة المقبلة لطمأنة القوى
الخائفة من التغيير، ولنتذكر هنا أن إعلان الجماعة يوم 3 شباط/فبراير 2011، والذي
تم تأكيده بتصريحات لاحقة بعدم التنافس على
الرئاسة (بغض النظر عما حدث من تطورات
لاحقة) ساهم بقوة في الوصول إلى مشهد تنحي مبارك يوم 11 شباط/فبراير 2011.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.