معركة السلطة والصحافة في مصر.. إلى أين؟

قطب العربي
"واقعة مداهمة منصة متصدقش واعتقال محرريها الستة أحدثت ذعرا بين الصحفيين"
"واقعة مداهمة منصة متصدقش واعتقال محرريها الستة أحدثت ذعرا بين الصحفيين"
شارك الخبر
المعركة الحالية بين السلطات الأمنية والسياسية من جهة، والصحفيين ونقابتهم من جهة أخرى؛ ليست الأولى مع هذه السلطة الحالية التي بدأت عهدها بغارات أمنية على مقار العديد من القنوات والصحف واعتقال من وجدته فيها يوم 3 تموز/يوليو 2013، وبعد ذلك وعلى مدى ست سنوات تالية داهمت العديد من المقار الإعلامية وإغلاقها واعتقال العاملين بها، وكان الاقتحام الأشهر لنقابة الصحفيين مطلع أيار/مايو 2016 لأول مرة منذ تأسيسها في العام 1941، ثم واصلت هجماتها على الصحافة عبر هيمنتها على معظم القنوات والصحف الخاصة، وتحويلها إلى منابر دعائية، وفرض سياسة الصوت الواحد واعتبار ذلك اصطفافا وطنيا خلفها!

منذ بداية العهد الجمهوري عام 1952 خاضت السلطة صدامات مستمرة مع الصحافة، بدأت بحل مجلس نقابة الصحفيين عام 1954، ثم تأميم الصحافة عام 1960 ضمن موجة تأميمات كبرى كجزء من توجهات ذلك العهد، وشملت تلك التأميمات الصحفية مؤسسات الأهرام، وأخبار اليوم، وروز اليوسف، ودار الهلال، وأغلقت بقية الصحف الخاصة وأشهرها صحيفة المصري التي كانت تمتلكها عائلة وفدية (عائلة أبو الفتح) والتي اضطرت للهرب خارج مصر، كما أغلقت صحف ومجلات الإخوان واليساريين.. الخ، ونقلت عددا من كبار الكتاب والصحفيين إلى وظائف إدارية في بعض المؤسسات التجارية والصناعية، منها شركة باتا، لكن النقابة رفضت إسقاط عضويتهم. وأسست السلطة في
أن دولا كانت السلطات المصرية تسخر منها وتخوف المصريين من مصيرها، مثل سوريا وليبيا والعراق، تسبق مصر على هذا المؤشر، بل إن دولا أخرى في حالة حرب تسبق مصر أيضا، مثل اليمن والنيجر ومالي وحتى إثيوبيا
المقابل التلفزيون العربي (ماسبيرو)، وفرضت على الصحافة والتلفزيون الصوت الواحد، والرواية الرسمية، وكان نتيجة ذلك بث بيانات كاذبة عن تطورات حرب يونيو 1967 التي انتهت بهزيمة كبرى عكس تلك البيانات، وفي العام 1968 خاضت النقابة ونقيبها أحمد بهاء الدين معركة مهمَّة ضد فرض الرقابة على الصحف عقب هزيمة يونيو حزيران.

ورغم أن الرئيس الأسبق أنور السادات بدأ حكمه بتخفيف القيود على الصحافة، إلا أنه ما لبث أن فصل مائة صحفي من عضوية الاتحاد الاشتراكي عام 1973 حتى تسقط عضويتهم تلقائيا من نقابة الصحفيين (كانت عضوية الاتحاد الاشتراكي شرطا لعضوية النقابة)، إلا أن النقابة رفضت إسقاط عضويتهم. ورغم أن السادات فتح المجال أمام صدور صحف حزبية بدءا من النصف الثاني من السبعينات لتكسر احتكار إعلام الدولة، إلا أنه لم يطق صبرا عليها، فأغلق العديد منها، ولم يطق صبرا كذلك على نقابة الصحفيين التي أراد تحويلها إلى ناد، انتقاما من موقف الصحفيين ونقابتهم الرافض لزيارته إلى إسرائيل وتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد، وصمدت النقابة في مواجهة مساعي السادات حتى وفاته.

وفي عهد مبارك كانت المعركة الأشهر حين أصدر مجلس الشعب قانونا جديدا لتنظيم الصحافة (93 لسنة 1995) تضمن الكثير من القيود، وكانت هبّة الصحفيين ضده عارمة، عبر جمعية عمومية غير عادية استمرت لأكثر من عام حتى تمكنت من إسقاط القانون، بعد أن أقره البرلمان وصدق عليه الرئيس ونشر في الجريدة الرسمية، وهو ما تحتفل به نقابة الصحفيين في العاشر من حزيران/يونيو كل عام باعتباره يوم الصحفي.

العهد الحالي هو الأكثر عدوانية ضد الصحافة ونقابة الصحفيين، حتى وصل به الأمر إلى اقتحام النقابة كما ذكرنا لأول مرة في تاريخها، ناهيك عن قتل العديد من الصحفيين، وحبس العشرات منهم، وآخرهم ستة من منصة متصدقش. وبسبب تصاعد الانتهاكات بحق الصحافة فقد ظلت مصر في تراجع على مؤشر حرية الصحافة العالمي كل سنة، حيث باتت تقبع الآن في المركز 169 عالميا من بين 180، وعلى الأرجح ستتراجع مركزا آخر وربما أكثر في مؤشر 2027.

ولك أن تعرف عزيزي القارئ وعزيزي الصحفي أن دولا كانت السلطات المصرية تسخر منها وتخوف المصريين من مصيرها، مثل سوريا وليبيا والعراق، تسبق مصر على هذا المؤشر، بل إن دولا أخرى في حالة حرب تسبق مصر أيضا، مثل اليمن والنيجر ومالي وحتى إثيوبيا.

واقعة مداهمة منصة متصدقش واعتقال محرريها الستة أحدثت ذعرا بين الصحفيين، ففي حالات الاعتقالات السابقة كانت السلطة تدعي أن الصحفيين المعتقلين هم إخوان رغم أن الكثيرين منهم لم يكونوا إخوانا، ومع ذلك كانت تلك الادعاءات تنطلي على الكثيرين، أما هذه المجموعة الأخيرة فقد رفضت نقابة الصحفيين وخلفها حشد كبير من الصحفيين قبول الاتهام لهم بأنهم إخوان، وتسود المخاوف الوسط الصحفي أن الجميع الآن مهدد بهذا الاتهام الذي سكتوا عنه من قبل بحق زملاء آخرين لهم، ولسان حالهم يقول: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض!".

دعم نقيب الصحفيين الذي يتعرض لحملات واسعة لتشويه صورته، ودعم النقابة بشكل عام في دفاعها عن الزملاء المعتقلين، يظل واجبا مهنيا وأخلاقيا، لا يستحق من يخالفه شرف عضوية تلك النقابة

ولنا هنا وقفة مع نقابة الصحفيين ومن يسارعون بنفي صفة الإخوان عن بعض المعتقلين، وكأن اعتقال الصحفيين أو السياسيين الإخوان أمر مشروع ومباح ومرحب به، بينما الآخرون ينبغي أن يكونوا محصنين من تلك الاعتقالات لأنهم ليسوا إخوانا! والحقيقة أن من يتبنون هذه الرؤية مخطئون، ويدفعون الآن ثمن خطئهم وتمييزهم، فالسلطة لا تفرق بين صحفي إخواني ويساري وليبرالي ومستفل إذا مارس أحدهم الصحافة الجادة، التي تستهدف نقل الحقيقة وتفضح أكاذيب السلطة، كما فعلت منصة متصدقش وغيرها من منصات التدقيق الصحفي، ساعتها فإن تهمة الأخونة جاهزة ضد الجميع. وقد وُجهت التهمة بالفعل لعدد من الصحفيين والساسة اليسارين، ومنهم وكيلة نقابة الصحفيين إيمان عوف، كما يُتهم بالتهمة ذاتها نقيب الصحفيين نفسه خالد البلشي، وغيره من أعضاء المجلس المعروفين بمواقفهم النقابية المستقلة.

في الأزمة الأخيرة حرصت السلطة من خلال أدواتها (وزارة الداخلية والنيابة العامة) على التصعيد مع نقابة الصحفيين والوسط الصحفي، الذي انقسم بدوره بين مؤيد للسلطة وروايتها، وداعم للنقابة وموقفها. ومن الواضح أن هذا التصعيد سيستمر لبعض الوقت، حيث قررت النيابة حبس الصحفيين الستة، وغالبا سيتم تجديد حبسهم في الموعد اللاحق بهدف إرسال رسالة للنقابة وللصحفيين أنهم لا يمكنهم لي ذراع السلطة، ولكن الصحفيين الذين دافعوا عن حقوقهم من قبل في كل العهود السابقة ونجحوا في فرض إرادتهم؛ قادرون على تكرار تجاربهم السابقة، فلم يعد لديهم (أو لدى أكثرهم على الأقل) ما يخسرونه في ظل تراجع بل انهيار سوق الصحافة، وتراجع بل وانهيار الرواتب التي لم تعد تكفي للحد الأدنى من احتياجاتهم، وفي ظل حالة الانسداد والقمع التي لم يسبق لها مثيل. وفي هكذا ظروف فإن دعم نقيب الصحفيين الذي يتعرض لحملات واسعة لتشويه صورته، ودعم النقابة بشكل عام في دفاعها عن الزملاء المعتقلين، يظل واجبا مهنيا وأخلاقيا، لا يستحق من يخالفه شرف عضوية تلك النقابة.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)