نحو انتقال سياسي حقيقي في مصر

قطب العربي
"بالنسبة للنظام الحاكم، ولأن جديته على المحك، فإن عليه العديد من الخطوات لإزالة هواجس المصريين"- الأناضول
"بالنسبة للنظام الحاكم، ولأن جديته على المحك، فإن عليه العديد من الخطوات لإزالة هواجس المصريين"- الأناضول
شارك الخبر
حين أعلن السيسي عن انتهاء فترة حكمه في 2030، مع تعهد بعدم تعديل الدستور، أو توريث أي من أسرته، كانت الشكوك هي القاسم المشترك لغالبية المصريين في جدية هذه التعهدات، استنادا إلى تجارب متكررة ومريرة حول تعهدات سابقة لم يف بها، بل إنه في أحاديثه الأخيرة أنكر الكثير منها، ويتساءل المتشككون لماذا نثق في تعهداته الجديدة وحبر تعهداته القديمة التي نسفها لم يجف بعد، وما الذي يمنعه لتكرار هذا الأمر مجددا؟

لنكن عمليين، فالسياسة لا تبنى على العواطف أو التكهنات فقط، فما قاله السيسي أمام جموع غفيرة من كل مكونات ومفاصل الدولة وعلى مدى 3 أيام يقبل أن يكون أكاذيب مثل ما سبقه، فيظل في الحكم بعد 2030 سواء بتعديل دستوري، أو حتى عبر انتخابات مبكرة، ويقبل أن يكون صحيحا في ضوء معطيات جديدة يراها الرجل وقد لا نراها نحن، وبما أن السيناريو أو الاحتمال الأول هو الذي تعمل وفقا له المعارضة في الداخل والخارج، فقد وجب عليها أن تبني خططا احتياطية للسيناريو الثاني وهو ترك السلطة فعلا، وهو احتمال لم يكن قائما من قبل بأي نسبة.

السيسي شخصيا دعا خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية في الرابع من تموز/يوليو الماضي إلى فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، وكذا تنشيط الحياة الحزبية، إذن فإن المطلوب خطوات عملية لتحقيق ذلك، وأولها الإفراج عن الساسة، والنواب والصحفيين السجناء، وليس حبس أو مطاردة المزيد، وإنهاء سياسة الصوت الواحد في الإعلام

ضمن هكذا احتمال ينبغي على المعارضة أن تعيد ترتيب صفوفها، وتحالفاتها، وتتوافق على مرشح رئاسي ببرنامج إنقاذ حقيقي (وهذا هو الخيار المثالي) أو حتى مرشحَين؛ أحدهما يمثل القوى الليبرالية والثاني يمثل القوى اليسارية (خيار احتياطي)، ومع كل مرشح فريق رئاسي مساعد يتوزع على القوى الرئيسية ضمن هذا التحالف، أو ذاك، وحتى لا يقع العبء على حزب أو كيان واحد. وليبدأ هذا الفريق في تأهيل نفسه لهذه المهمة، وتكون لديه القدرة على مواجهة حملات القمع من أطراف معلنة أو خفية في السلطة الحالية لا يروقها أن يترشح أحد من المعارضة المدنية؛ حتى يظل المجال مقصورا على مرشحي الدولة العميقة الذين سيتم تدريبهم في الأكاديمية العسكرية.

ومما يسهل على المعارضة التوافق على مرشح واحد، أو في الحد الأقصى مرشحين، هو غياب الإخوان وحلفائهم من التيار الإسلامي عن هذه المنافسة المفترضة، فقد أعلنوا منذ العام 2021 قرارهم بعدم التنافس على الرئاسة، ناهيك عن أن الأمر لم يكن حتى بحاجة إلى هكذا إعلان، فهم يعانون مشاكل تنظيمية وأمنية وسياسية ومعيشية تمنعهم من التفكير في هذه الخطوة بالأساس، حيث الأولوية بالنسبة لهم ستكون التعافي الاجتماعي والمعيشي والأمني.. الخ.

أما بالنسبة للنظام الحاكم، ولأن جديته على المحك، فإن عليه العديد من الخطوات لإزالة هواجس المصريين، ولإثبات جديته في وعوده الجديدة، ولعل أولى الخطوات هي الالتزام بما قطعه على نفسه من تعهد بعدم المس بالدستور (رغم أنه مس به كثيرا من قبل). وعدم المس بالدستور يعني احترام نصوصه، وعدم تعطيلها، او إفراغها من مضمونها عبر القوانين واللوائح، أو حتى الممارسات الفعلية.

هناك العديد من النصوص الدستورية المعطلة بفعل فاعل، والبدء بتنفيذ هذه النصوص وإصدار التشريعات المكملة للدستور بخصوصها هو علامة جدية مقنعة، وسأذكر هنا بعض النماذج، وسأتجاوز النصوص الخاصة بالنسب المقررة لميزانيتي التعليم (4 في المئة) والصحة (3 في المئة) في المواد 18 و19 و238 تقديرا للظرف المالي الذي تمر به مصر.

وبما أن الوقت المتبقي على نهاية عهدة السيسي أكثر من 40 شهرا، فهي مدة معقولة لاعتبارها فترة انتقالية من الحكم الشمولي العسكري إلى الحكم المدني الديمقراطي، وبما أن السيسي شخصيا دعا خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية في الرابع من تموز/يوليو الماضي إلى فتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يشمل الرأي والرأي الآخر، وكذا تنشيط الحياة الحزبية، إذن فإن المطلوب خطوات عملية لتحقيق ذلك، وأولها الإفراج عن الساسة، والنواب والصحفيين السجناء، وليس حبس أو مطاردة المزيد، وإنهاء سياسة الصوت الواحد في الإعلام بفتحه أمام الأصوات المعارضة والمستقلة. لقد كانت السنوات الثلاث عشرة الماضية خانقة تماما للمجالين السياسي والإعلامي، وآن لها أن تتحرر، وتنفض غبار الماضي البئيس.

إن التعهد بعدم المساس بالدستور يقضي بتفعيل باب الحريات والحقوق في هذا الدستور، وهو باب عظيم، مجمد حاليا، ولو تم تفعيل نصوصه لأصبحت مصر في اليوم التالي دولة ديمقراطية نباهي بها الأمم. ففي هذا الباب ما يحمي الحريات، والكرامة حتى للسجناء، ويصون الملكية الخاصة ويمنع المصادرة، والتأميم، والحراسات، ويحظر التهجير القسري (فاكرين سيناء؟!)، كما يحمي حرية الصحافة واستقلالها، ويمنح تراخيص الصحف بمجرد الإخطار، ويمنع الحبس في قضايا النشر، ويمنع إغلاق أو وقف أو حجب الصحف، وإن من احترام الدستور إصدار قانون حرية تداول المعلومات تطبيقا للمادة 68.

التعهد بعدم المساس بالدستور يقضي بتفعيل باب الحريات والحقوق في هذا الدستور، وهو باب عظيم، مجمد حاليا، ولو تم تفعيل نصوصه لأصبحت مصر في اليوم التالي دولة ديمقراطية نباهي بها الأمم

العدالة الانتقالية من القضايا التي تضمنها الدستور في مادته 241 لكنها لا تزال غائبة بفعل فاعل: "يلتزم مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد نفاذ هذا الدستور (2014) بإصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا، وذلك وفقاً للمعايير الدولية". ورغم مرور 12 عاما على هذه المادة الدستورية إلا أنها ظلت حبيسة الأدراج، فلم يصدر البرلمان قانونا لها بناء على توجيهات عليا، ورفضت السلطة كل نداءات المصالحة الوطنية، بل حبست بعض من طالبوا بها، وآن لها الآن إثباتا لجديتها في الانتقال السياسي أن تبدأ تطبيق العدالة الانتقالية لتغلق تلك الصفحة المؤلمة.

مسألة اجتماعية اقتصادية أخرى ضمنها الدستور، وجمدها القائمون على تنفيذه، وهي تنمية المناطق الحدودية والصعيد، وإعادة توطين أهالي النوبة فالمادة 236 تنص على "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية، والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون.. وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات". لقد مر اثنا عشر عاما على تلك المادة، ولم تضع الدولة أو تنفذ خطة التنمية تلك، كما لم تبن مساكن بديلة لأهالي النوبة تمكنهم من العودة إلى موطنهم الأصلي، وهكذا هي نصوص الدستور تشكو تجميدها وتعطيلها وليس فقط مجرد المس بها..

إذا كنتم جادين في الانتقال السياسي الحقيقي فلتعطوا الشعب أمارة.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)