محنة الصحافة المصرية ليست في الاعتقالات فقط!

قطب العربي
"المخاوف دفعت الصحفيين للانتفاض دفاعا عن زملائهم المعتقلين، وإن شئنا الدقة دفاعا عن أنفسهم، وتصديا لمصير ينتظرهم"- التواصل الاجتماعي (أرشيفية)
"المخاوف دفعت الصحفيين للانتفاض دفاعا عن زملائهم المعتقلين، وإن شئنا الدقة دفاعا عن أنفسهم، وتصديا لمصير ينتظرهم"- التواصل الاجتماعي (أرشيفية)
شارك الخبر
اعتقال غرفة تحرير كاملة تضم 6 صحفيين في مصر مؤخرا مثّل صدمة كبرى للوسط الصحفي والسياسي في مصر، ولم تقتصر أصداؤه على الداخل المصري بل عبرت الحدود لتصدر العديد من المنظمات الحقوقية والإعلامية الدولية بيانات تنديد بهذه الجريمة، وليصبح هو الخبر المصري الأول عالميا قبل أي أحداث مصرية أخرى.

ليست المرة الأولى التي تداهم فيها أجهزة الأمن مقار إعلامية وتعتقل من فيها، حدث ذلك يوم 3 تموز/يوليو 2013 حين داهمت عددا من القنوات التلفزيونية الداعمة للرئيس محمد مرسي، واعتقلت من وجدته داخلها من مذيعين ومحريين وموظفين وحتى ضيوف، وحدث أيضا بمداهمة قناة الجزيرة في القاهرة، وقطع البث عنها، وكذا في مداهمة مكتب وكالة الأناضول في القاهرة، وفي مداهمة مقر جريدة الحرية والعدالة وإغلاقه قبل أن تعلن حل الحزب. وقد نفى ضياء رشوان في حينه إغلاق المقر، زاعما أنها دعاية إخوانية كاذبة، فدعوتُه للحضور بنفسه لمعاينة المكان، ويبدو أنه كان واثقا من المعلومات التي قدمتها له وزارة الداخلية فحضر مصطحبا خالد البلشي، رئيس لجنة الحريات في
اقتحام مقر منصة "متصدقش" قبل أيام، واعتقال 6 من صحفييها مرة واحدة كان شيئا مختلفا، ومثّل صدمة كبيرة للوسط الصحفي لأننا في هذه المرة أمام واقعة تتعلق بالمهنة مباشرة، وأمام اعتقال لصحفيين عاديين مثل غالبية الصحفيين، ليست لديهم انتماءات معارضة للسلطة
ذلك الوقت، وعددا من الصحفيين لتأكيد كذب الرواية الإخوانية!! وقد اصحبتهم جميعا إلى مقر الجريدة فإذا هو مغلق بالشمع الأحمر. دعوْتُه أن يزيل هذا الشمع ويفتح المقر أمام الصحفيين لكنه لم يفعل طبعا، لكن تلك المداهمات تمت في أجواء الاستقطاب السياسي الحاد، وبالتالي انقسم الوسط الصحفي عليها كما هو الحال في الوسط السياسي حينذاك.

كان اقتحام نقابة الصحفيين يوم 2 أيار/مايو 2016 (قبل يوم واحد من اليوم العالمي لحرية الصحافة) حدثا مفصليا في تاريخ الصحافة المصرية، فتلك هي المرة الأولى التي تتعرض فيها النقابة للاقتحام، حيث كانت الشرطة طيلة كل العهود السابقة تحرص على عدم الاقتراب من الرصيف المواجه لها، وقد تم خلال تلك المداهمة اعتقال صحفيين لاذا بالنقابة بعد مظاهرة رافضة لتسليم تيران وصنافير للسعودية. كانت تلك المداهمة بداية الشرخ بين الوسط الصحفي والسلطة، لكن اقتحام مقر منصة "متصدقش" قبل أيام، واعتقال 6 من صحفييها مرة واحدة كان شيئا مختلفا، ومثّل صدمة كبيرة للوسط الصحفي لأننا في هذه المرة أمام واقعة تتعلق بالمهنة مباشرة، وأمام اعتقال لصحفيين عاديين مثل غالبية الصحفيين، ليست لديهم انتماءات معارضة للسلطة، معروفون جيدا في الوسط الصحفي خصوصا بين الشباب، ولا يمكن أن يصدق هذا الوسط اتهامات الأخونة بحقهم، ومن هنا انتابت الصحفيين مخاوف حقيقية على أنفسهم أن يلحقوا بزملائهم إلى السجون تباعا تحت أي تهمة وهمية، حتى لو كانوا يلعنون الإخوان صباحا ومساء.

هذه المخاوف دفعت الصحفيين للانتفاض دفاعا عن زملائهم المعتقلين، وإن شئنا الدقة دفاعا عن أنفسهم، وتصديا لمصير ينتظرهم. لقد سكتوا عن المداهمات والاعتقالات السابقة بدعوى أنها تقتصر على الإخوان وحلفائهم، فتجرأت السلطة عليهم، وداهمت نقابتهم، وها هي تعتقل غرفة تحرير كاملة، ثم تخفي المعتقلين فلا تحيلهم للنيابة، ولا تبلغ نقابة الصحفيين بمكانهم حتى كتابة هذا المقال (أكثر من 5 أيام متصلة، بالمخالفة للدستور الذي يفرض إحالة المعتقل إلى النيابة خلال 24 ساعة فقط).

تداعى الصحفيون إلى نقابتهم فورا، ونظموا حملة لجمع توقيعات للتنديد بهذا الاعتقال، ودعوة النقابة لعقد جمعية عمومية طارئة لمواجهة هذا التغول الأمني، وتحرك نقيب الصحفيين لمتابعة الأمر مع الجهات الرسمية، لكن من الواضح حتى الآن أن الجهاز الأمني حريص على التصعيد مع الصحفيين، ودفع بعناصره في الوسط الصحفي نفسه لخوض المعركة إلى جانبه، وتبني الرواية الأمنية التي تتهم الصحفيين المعتقلين وإدارة الموقع بالتبعية للإخوان.

مداهمة مقر المنصة الصحفية، واعتقال صحفييها جاء قبل أيام قليلة من انطلاق مؤتمر تستعد الحكومة لعقده لعرض إنجازاتها خلال السنوات الماضية، ولأن هذه المنصة (متصدقش) تخصصت مع منصات أخرى في تدقيق والتحقق من صحة الأخبار، وسبق لها تفنيد العديد من الأكاذيب التي وردت في تصريحات رسمية ( وحتى معارضة)، فإن الحكومة تخشى بالتأكيد من تصدي هذه المنصات لتفنيد الأرقام والبيانات التي ستذكرها خلال ندواتها، وبالتالي فقد أرادت من خلال هذه الضربة توجيه رسالة لغيرها من المنصات، وتقديم منصة "متصدقش" باعتبارها رأس الذئب الطائر.

من المفارقات أيضا أن هذه الجريمة تمت في ظل استعدادات وزارة الدولة للإعلام لعقد المؤتمر الأول لمراجعة أوضاع الإعلام ومناقشة ما يتعرض له من تحديات يوم 3 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، والذي دعا له ضياء رشوان يوم 20 آب/أغسطس الماضي تنفيذا لتوجيهات السيسي بـ"فتح المجال أمام حوار الإعلام الموضوعي، الذي يشمل الرأي والرأي الآخر!!!".

لن تنتهي محنة الصحافة المصرية إلا بانتهاء الحكم السلطوي، وعودة الحرية والتنافسية الحقيقية التي تعيد للصحافة المصرية ألقها، وجاذبيتها، ولن يحدث هذا إلا في ظل حكم مدني ديمقراطي حقيقي، ومن واجب الصحفيين أن يناضلوا من أجل ذلك دفاعا عن مهنتهم ولقمة عيشهم

محنة الإعلام المصري ليست في الاعتقالات فقط وإن بلغ عدد المعتقلين الإعلاميين (من صحف وقنوات ومواقع) 47 صحفيا بعد ضم المجموعة الجديدة، لكن المحنة الأكبر هي في تأميم الإعلام مجددا بطريقة مبتكرة، وتحويله إلى إعلام الصوت الواحد، وهو الشكل الذي حلم به السيسي، وحسد عليه الرئيس عبد الناصر. نحن الآن أمام منظومة إعلامية مهيمنة تضم عشرات القنوات والصحف والمواقع والشركات، والكتائب الالكترونية، تحت مظلة شركة أمنية هي الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وقد كوّنت إمبراطوريتها الإعلامية من خلال الاستيلاء على قنوات وصحف ومواقع لرجال أعمال، وعبر إنشاء قنوات ومواقع وشراكات إنتاج إعلامي وفني جديدة. ورغم أنها تأسست من أموال عامة إلا أنها لا تخضع لرقابة برلمانية أو محاسبية.. الخ، وهي التي تتحكم في تدفق الأخبار، وتسويق الرواية الرسمية، وبالتالي فإن وجود بعض المنصات الصحفية المستقلة الصغيرة خارج سيطرتها يمثل إزعاجا لها، ويفسد عليها بضاعتها.

لا تقتصر محنة الصحافة على الاعتقالات أو فرض سياسة الصوت الواحد، وهو ما هبط بمصر إلى أدنى المستويات في مؤشر حرية الصحافة (169 عالميا، والمؤكد أنها ستتراجع خلال العام الجديد نقاطا أخرى)، ولكن المحنة تطال الجانب الاقتصادي أيضا، فرواتب الصحفيين التي يتقاضونها من أكثر من وظيفة لم تعد تكفيهم في الحد الأدنى، واضطر الكثيرون منهم لمغادرة المهنة، أو امتهان مهن أخرى إلى جانب العمل الصحفي، والسبب في ذلك غياب الحرية والمهنية عن الصحافة (بفعل السياسات السلطوية) الذي صرف الجمهور عنها، وبالتالي صرف المعلنين والذي كانوا يمثلون رافدا ماليا مهما لتلك الصحف والقنوات.

لن تنتهي محنة الصحافة المصرية إلا بانتهاء الحكم السلطوي، وعودة الحرية والتنافسية الحقيقية التي تعيد للصحافة المصرية ألقها، وجاذبيتها، ولن يحدث هذا إلا في ظل حكم مدني ديمقراطي حقيقي، ومن واجب الصحفيين أن يناضلوا من أجل ذلك دفاعا عن مهنتهم ولقمة عيشهم.

x.com/kotbelaraby


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)