نسب المولود الناتج عن الاغتصاب للمغتصب بين الفقه والقانون

عصام تليمة
حالة الحكم التي حكمت فيها المحكمة المصرية، بإثبات بنوة طفلة لأبيها المغتصب، هي حالة تستحق الإشادة، سواء للقضاء، أو للأم المغتصبة التي ناضلت لأجل حق ابنتها.. غيتي
حالة الحكم التي حكمت فيها المحكمة المصرية، بإثبات بنوة طفلة لأبيها المغتصب، هي حالة تستحق الإشادة، سواء للقضاء، أو للأم المغتصبة التي ناضلت لأجل حق ابنتها.. غيتي
شارك الخبر
منذ أيام صدر حكم تاريخي عن محكمة مصرية، لصالح سيدة تم اغتصابها، وحملت من هذا الاغتصاب، وأنجبت طفلة، بلغت عامها الثامن، دون أن يكون لها أي أوراق ثبوتية، وخاضت معركة قانونية طويلة، انتهت مؤخرا بالحكم لصالحها بنسبة الطفلة التي كان حملها جراء اغتصاب الأم، ونقلت مواقع، وفضائية الـ "بي بي سي" العربية، مقابلة مع السيدة التي حكم لها، وأمها، وهو ما فتح بابا للنقاش حول الموضوع، وبخاصة أن محامي المغتصبة أعلن أنه استند لفتوى لهيئة كبار العلماء أجازت نسبة الطفلة للأب المغتصب.

نحن هنا نتحدث عن قضية معينة، تتعلق بمن تم اغتصابها، وحملت من هذا الاغتصاب، فلمن ينسب هذا الطفل الناتج عن عملية الاغتصاب؟! ونتكلم هنا كذلك عن حالة المرأة التي تم اغتصابها وليست ذات زوج، فإن المتزوجة، لها فراش وزوج، يمكن النسب إليه، أو يتم نفي النسب عن طريق الزوج في هذه الحالة، لكن الحالة التي نتناولها هنا، هي حالة: المغتصبة غير المتزوجة، واكتمل حملها، وولدت مولودا، لمن ينسب هذا المولود؟ وإذا أثبت تحليل البصمة الوراثية، أبوة المغتصب بيولوجيا للمولود، فهل يوجد ما يمنع شرعا وفقها من نسب المولود له، سواء كان بالزواج من المغتصبة، أو بعدم زواجه، وعدم إقراره بذلك؟

لا توجد سوابق قانونية

القانون والقضاء، لا توجد سابقة بالحكم في المسألة، والقوانين في جل الدول العربية لا تتعرض لهذا الموضوع، فباب النسب لديهم، مرهون بالعقد الشرعي القانوني، وكذلك في تراثنا الفقهي القديم، لا نجد تفاصيل، أو تناول للمسألة، سوى في باب الزنى، والحمل الناشيء عن الزنى، وجل هذه الآراء تدور حول نسبة ابن الزنى لأمه، لكن حالة الإثبات بالبصمة الوراثية، والاعتماد عليها، وأن تعطي علما متقدما في التيقن بمعرفة الأب الناشيء عنه الحمل، هو أمر حديث، ولذا سنجد النتاج الفقهي المعاصر مهتما إلى حد ما بالموضوع.

البداية من مغتصبات البوسنة

الفقه الإسلامي المعاصر، تعامل مع المسألة، منذ حدثت حرب البوسنة الهرسك، والتي نتج عنها كم كبير من الحمل الناشيء عن اغتصاب جنود الصرب للمسلمات هناك، وبعض حالات أخرى في بعض دول عربية احتلت، ولكن بنسبة أقل كثيرا من أحداث البوسنة، وكان من أوائل من وجهت لهم أسئلة تتعلق بأبناء المغتصبات، شيخنا العلامة المرحوم القرضاوي، واهتم بقضية حكم الإجهاض، لأنه السؤال الذي وجه له، وظلت القضية مثارة لسنوات، ولا تزال آثارها موجودة في المجتمع إلى حد ما.

بعد التطور الهائل للبحوث والتجارب للبصمة الوراثية، أصبح العلماء والفقهاء أمام واقع جديد، من حيث صحة النسب للأب البيولوجي، لكن ظلت النظرة الفقهية لأحكام النسب كما هي، لأنها ترجع للمسطور في كتب الفقه المذهبي، التي تعالج أزمات تختلف اختلافا هائلا عن الواقع الذي نعيشه.
لكن بعد التطور الهائل للبحوث والتجارب للبصمة الوراثية، أصبح العلماء والفقهاء أمام واقع جديد، من حيث صحة النسب للأب البيولوجي، لكن ظلت النظرة الفقهية لأحكام النسب كما هي، لأنها ترجع للمسطور في كتب الفقه المذهبي، التي تعالج أزمات تختلف اختلافا هائلا عن الواقع الذي نعيشه.

أطفال الزنى وأطفال الاغتصاب

فجل كلام الفقهاء قديما وحديثا، عن أن نسب الطفل الناشيء عن الاغتصاب للأب المغتصب، في ظل عدم وجود زواج بعد الاغتصاب، ممنوع، لأنه مكافأة للزاني، وهذا يمكن أن يصح في الزنى بالتراضي بين الزاني والزانية، لكن حالة الاغتصاب مختلفة تماما، وإن كان الكلام عن النسب بين الزانيين بالتراضي، أيضا لا يسلم به، بأنه كأننا نكافئ الزاني بنسبة الولد له، فغالبا من يزني ولا يعالج ذلك بالزواج ممن زنى بها، لينسب الطفل له، يتسم بالنذالة، والتهرب من المسؤولية، وتكون المرأة الزانية برضاها هنا مستهترة كذلك، والذي يضيع هنا هو الطفل الذي لا ذنب له.

لكن في حالة الاغتصاب، الأمر يختلف تماما، فالفقهاء المعاصرون الذين رفضوا أن ينسب إليه الطفل المولود، نظروا لجانب واحد وهو عقاب المغتصب، وحرمانه من شرف النسب، لكنهم هنا لم ينظروا لجهتين مظلومتين، الأولى: تلك المرأة المغتصبة، التي تحلت بكل شجاعة، ولم تقم بإجهاض الجنين، لتجني على جنين لا ذنب له، سوى أنه ثمرة لجريمة شخص يعتدي على الأعراض.

والجهة الثانية: جهة هذا الطفل، الذي سيأتي للحياة، ولا ذنب له، ويعاني هو وأمه، بينما المغتصب لا يتحمل مسؤوليته نحو الأم والطفل، وبرغم أن القانون يعاقب المغتصب في مصر بالإعدام، لكن هذه العقوبة تشفي غليل المغتصبة، ولكنها لا تحل مشكلة المولود.

المجيزون لنسبة المولود عن الاغتصاب للمغتصب

من الفقهاء المعاصرين الذين أجازوا نسبة المولود من الاغتصاب، إذا تزوج المغتصب المغتصبة، الشيخ جاد الحق رحمه الله، لكن القضية المتناولة هنا هي المغتصبة التي لم يتزوجها المغتصب، وإذا كان القانون ذهب لزواج المغتصب بالمغتصبة كحل حتى يرفع عنه العقوبة، لكنه هنا يكون في حالات عقابا مضاعفا للمغتصبة، فنجمع عليها بأنها اغتصبت، وأكرهت على هذا الفعل، وحرمناها من حق الاختيار لشريك الحياة.

والموضوع يحتاج لتناول من زوايا عدة، وليس فقط النظرة الفقهية التراثية وهي مهمة، لكن علم اجتماع الفتوى مهم، وهو ما يفتقده بعض من يتناول هذه المسائل، فهو يذهب فورا لكتب التراث، وهو توجه محمود، لكنه لا يكفي وحده، لأن الواقع يختلف، وهو ما يضع معطيات جديدة تجعل الفقيه والمفتي يخرج برأي آخر، ربما يبتعد قليلا عن رأي التراث، لكنه لا يبتعد عن روح ومقاصد الشرع الحنيف.

ومن الدراسات التي تناولت القضية بشكل مختصر، لكنه مفيد، ثلاث دراسات، الأولى بعنوان: إلحاق ولد الاغتصاب دون ولد الزنا وفقا للأحكام الفقهية والتطبيقات العلمية والقضائية، لخالدي صفاء هاجر، والدراسة الثانية بعنوان: نسب ولد الاغتصاب بين الفقه الإسلامي والاجتهاد القضائي الجزائري، للدكتور عيسى معيزة، والدراسة الثالثة كتاب للدكتور سعد الدين الهلالي بعنوان: الأبوة الضائعة.. إعادتها بالبصمة الوراثية وانصرافها بالإجهاض المبكر. وأهم هذه الدراسات من وجهة نظري الأولى، تليها الثانية، ودراسة سعد الدين الهلالي رغم الجهد المبذول فيها، لكنها كعادته كان منحازا في جلها لرأي مسبق، مراعيا بذلك توجهات، تجرح في نزاهة دراسته وتوجهه.

قواعد فقهية للمجيزين:

من أهم ما استدل به المجيزون، من أدلة فقهية معتبرة، قوله تعالى: (لا تزر وازرة وزر أخرى)، وأننا نحمل المولد عن الاغتصاب وزرا لم يقم به، واستدل بحديث العابد جريج والذي اتهم بامرأة ولدت من الزنى، فاستنطق الطفل الرضيع، وسأله: من أبوك؟ فأشار إلى الزاني الذي زنى بأمه، فالحديث اعتبر الزاني هنا أبا.

حالة الحكم التي حكمت فيها المحكمة المصرية، بإثبات بنوة طفلة لأبيها المغتصب، هي حالة تستحق الإشادة، سواء للقضاء، أو للأم المغتصبة التي ناضلت لأجل حق ابنتها، وأسرتها التي تعاملت مع الحالة بثبات، وتمسكت بالحق المشروع لابنتهم، ولم تقبل بأن تكون ضحية مجتمع يلقي بجل غضبه على الضحية، وإن صح أن هيئة كبار العلماء أصدرت فتوى تتضامن مع الضحية، فهي جديرة كذلك بالإشادة، وإن لم تشع فتواهم للأسف، لنطلع على أساسها الفقهي والأصولي.
ومن القواعد التي استدلها بها الدراسة الأولى، وهي مهمة في الاستدلال، قاعدتان، الأولى: إثبات النسب أولى من نفيه، والثانية: الغنم بالغرم. ونحن هنا أمام حالة إثبات للنسب بوسائل علمية حديثة ودقيقة، فكيف ننفيه بترك المولد في العراء، وعرضة للضياع، وأن الزاني غنم بإشباع شهوته بالاغتصاب، فهنا يغرم بإثبات نسب من نتج عن شهوته المحرمة.

وما أضيفه لأدلة الذين أجازوا نسبة المولد عن الاغتصاب للمغتصب، أن لدينا واقعا جديدا مختلفا، وهو أن العالم كله الآن لا يسير إلا بالأوراق، ولن يتم استخراج شهادة ميلاد لشخص، دون وجود أب يعترف بأبوته، وفي ظل عقد شرعي رسمي، وهو ما عانت منه صاحبة الحالة التي حكم لها القضاء المصري، فقد طلت طفلتها ثمان سنوات بلا أوراق، وضاع من عمرها عامان لم تتمكن من دخول المدارس، وكان ينتظرها عقبات أخرى أشد فيما بعد، كالزواج، والطلاق، والعمل، والحق السياسي في الانتخاب والترشح، إلى آخر هذه الحقوق التي تبنى على الأوراق الثبوتية.

نقاش الفقهاء لتحريم المصاهرة بالزنى

ومن النقاط المهمة في النقاش الفقهي هنا، في الرد على المانعين، الذين نظروا للزاني وآثار زناه، بأن ماءه مهدر، ولا يبنى عليه شيء معترف به شرعا وقانونا، نسي هؤلاء أن المدونات الفقهية تعاملت مع الزنى في سياق آخر، قدرت آثاره، وأعطته أحكاما.

فقد ناقش الفقهاء من زنى بامرأة، هل تحرم عليه ابنتها؟ أو لو زنى بالبنت هل تحرم عليه الأم؟ وهل يحرم عليه أصولها وفروعها؟ هذه قضية موجودة بتفاصيلها في كتب المذاهب الأربعة، فمن الفقهاء كالحنفية والحنابلة ـ مثلا ـ  يرون أن الزنى يحرم المصاهرة، فمن زنى بامرأة، يحرم عليه ابنتها، وأمها، وأصولها وفروعها، وهو حكم لا نجده إلا في المحرمات بالعلاقة الشرعية، كالأخوة في النسب، والأخوة في الرضاع، والمصاهرة الشرعية، التي تحرم الأم على زوج ابنتها، أو البنت على زوج أمها.

وهناك مذاهب نظرت للزنى على أن آثاره لا تعتبر، فالزنى ليس سببا لتحريم المصاهرة، وسواء كنا مع الرأي الذي حرم أو أجاز المصاهرة بالزنى، فهي دلالة على أن الفقهاء هنا تعاملوا معه على أنه ليس مهدر الآثار في كل الحالات، وهو ما يجعلنا ننظر من هذا الاتجاه، ولا نكون قد ابتعدنا عن النظر والتنظير الفقهي الجامع بين الأصالة والمعاصرة، ينظر بعين للتراث الفقهي من حيث روحه ومقاصده، ولا يغفل العصر بأحداثه ومستجداته، وتطوراته العلمية والتقنية، والتي هي في حقيقتها وسائل معينة للفقيه، وليست في حالة صدام معه.

حالة تستحق التقدير

حالة الحكم التي حكمت فيها المحكمة المصرية، بإثبات بنوة طفلة لأبيها المغتصب، هي حالة تستحق الإشادة، سواء للقضاء، أو للأم المغتصبة التي ناضلت لأجل حق ابنتها، وأسرتها التي تعاملت مع الحالة بثبات، وتمسكت بالحق المشروع لابنتهم، ولم تقبل بأن تكون ضحية مجتمع يلقي بجل غضبه على الضحية، وإن صح أن هيئة كبار العلماء أصدرت فتوى تتضامن مع الضحية، فهي جديرة كذلك بالإشادة، وإن لم تشع فتواهم للأسف، لنطلع على أساسها الفقهي والأصولي.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)