وجه وزير
الدولة
المصري للإعلام ضياء رشوان، يوم الخميس الماضي، رسالة مفتوحة إلى زملائه
الصحفيين والإعلاميين، وصفها بأنها "فضفضة ضرورية" من زميل لهم قبل أن
يكون وزيرا، تضمنت تلك الفضفضة عدة رسائل أو توجيهات منه لزملائه للنهوض بالمهنة،
وإعادة وضعها في المكانة التي تليق بها كما زعم.
فضفضة
ضياء رشوان التي ركزت على ضرورة الاستجابة لدعوة السيسي لفتح المجال الإعلامي أمام
الرأي والرأي الآخر وأشياء أخرى كانت مثار سخرية الوسط الإعلامي والسياسي، وصلت حد
اعتبارها كمينا جديدا لاعتقال كل من يستجيب لها، ويفكر في التعبير عن رأيه بحرية،
أو غلق أو حجب الصحف والقنوات التي تفتح مساحات للرؤى المختلفة، فالمسموح به في
مصر منذ 2013 هو الصوت الواحد، والاصطفاف خلف النظام في كل جرائمه وأخطائه،
والاكتفاء بالرواية الرسمية للأحداث تجنبا لعقوبات يفرضها القانون على الروايات
المخالفة.
"كيف
أصدقك وهذا أثر فأسك"؛ مثل معروف يجسد رد فعل الوسط الإعلامي تجاه فضفضة ضياء
رشوان، فقد جرب المئات من الصحفيين والإعلاميين الحبس لفترات متباينة بسبب تعبيرهم
عن آرائهم، بل قُتل بعضهم أثناء تغطياتهم الصحفية الميدانية، ولا يزال العشرات منهم
يقبعون في السجون حتى الآن،
جرب المئات من الصحفيين والإعلاميين الحبس لفترات متباينة بسبب تعبيرهم عن آرائهم، بل قُتل بعضهم أثناء تغطياتهم الصحفية الميدانية، ولا يزال العشرات منهم يقبعون في السجون حتى الآن
سواء بأحكام صورية، أو بقرارات حبس احتياطي تجاوزت
الحد الأقصى الذي يحدده القانون، كما تابعوا إغلاق العديد من الصحف والقنوات، وحجب
المئات من المواقع حتى الآن، ناهيك عن صدور تعليمات بعدم استضافة أي أصوات معارضة أو
مستقلة.
يعلم
وزير الدولة للإعلام جيدا كيف يمكن إعادة الثقة والاعتبار للإعلام، ولن يتأتى ذلك
عبر رسائل فضفضة بل عبر ممارسات فعلية، وليس عبر مؤتمر دعا له السيسي في كانون الأول/
ديسمبر المقبل، على غرار مؤتمر الحوار الوطني الذي دعا له من قبل، وكان ضياء نفسه
هو منسقه العام، وولد بعد تمخضه فأرا، وهو ما تكرر أيضا في مؤتمر الحوار
الاقتصادي، وسيتكرر مع كل دعوة لحوار عام غير جاد.
لسان
حال الصحفيين يقول "أعطني أمارة"، أي دليلا على صدق كلامك، و"الأمارة"
التي يطلبونها هي الإفراج عن عشرات الصحفيين والإعلاميين المعتقلين، أو رفع الحجب عن
المواقع المحجوبة، أو منح تراخيص للصحف والمواقع التي تقدمت بطلبات للترخيص منذ
سنوات، واستوفت كل الشروط المطلوبة، أو عودة بعض المذيعين والصحفيين الممنوعين من
الظهور أو الكتابة مثلا؛ هذا هو الفعل الذي يمكن أن يعطي مصداقية لفضفضة السيد
ضياء ومن معه، غير ذلك أصبح مجرد فضفضة فارغة المضمون، وفاقدة للمصداقية.
تحرير
أو إصلاح الإعلام، واستعادة مصداقيته هو فرع عن أصل، والأصل هنا هو حالة الغلق
التام للمجال العام، فلا يمكن أن نصدق أن السلطة ستسمح بإعلام حر يحتضن الرأي والرأي
الآخر في ظل غياب أصحاب الرأي الآخر في غياهب السجون، أو محاصرين داخل مقار أحزابهم
وجمعياتهم ونقاباتهم، لا يُسمح لهم بسهولة بعقد مؤتمر، أو تجمع للتعبير عن الرأي،
ولا يمكن أن نصدق دعاوى إصلاح الإعلام في ظل تأميم السياسة، وهندسة الانتخابات
البرلمانية والرئاسية، وقريبا المحلية التي دعا ضياء أيضا زملاءه الإعلاميين لفتح
مساحات واسعة للحديث عنها، والمشاركة في تهيئة الشعب لها، وكأننا سنكون أمام
انتخابات حقيقية تختلف عما سبقها!!
مصر تحتاج حقا إلى تغييرات أو إصلاحات جذرية تغلق هذه الصفحة السوداء التي امتدت 13 عاما، هذا التغيير أو الإصلاح لن يكون ببناء ناطحات سحاب، أو مونوريل، أو قصور وطائرات رئاسية بالمليارات، أو مؤتمرات "مكلمات فضفضة" تضيع وقتا ولا تنتج أثرا، وإنما يكون بتحقيق العدل
الدعوة
لإصلاح الإعلام تشبه دعوة السيسي أيضا إلى تنشيط الحياة الحزبية بما يرسخ المشاركة
الشعبية التي دعا لها في نفس الجلسة خلال افتتاح الأوكتاجون، وهي دعوة أثارت
السخرية أيضا، ورآها البعض استهزاء بالعقول، فالسيسي هو الذي دمر الحياة السياسية
التي انتعشت بعد ثورة يناير، وكانت في طريقها للنضج، وتصويب أخطائها، وهو الذي حرم
غالبية المصريين من التمثيل الحزبي الحقيقي عبر إغلاق أو محاصرة الأحزاب المعبرة
عنهم، مستعيضا عن ذلك بأحزاب مصنعة في أقبية الأجهزة الأمنية، مثل مستقبل وطن،
وحماة وطن، والجبهة الوطنية، والشعب الجمهوري، والتي هي فقاقيع حزبية مهما انتفشت،
وهي النسخة الأردأ للحزب الوطني الذي تبخر عقب ثورة يناير لأنه لم يكن حزبا حقيقيا
بل كان تجمعا لأصحاب المصالح والمتسلقين للسلطة. ولم يكتف بذلك، بل وزع على أحزابه
والأحزاب الحليفة لها مقاعد البرلمان عبر عملية هندسية سابقة التجهيز، وليس عبر
تصويت حقيقي.
مصر
تحتاج حقا إلى تغييرات أو إصلاحات جذرية تغلق هذه الصفحة السوداء التي امتدت 13
عاما، هذا التغيير أو الإصلاح لن يكون ببناء ناطحات سحاب، أو مونوريل، أو قصور
وطائرات رئاسية بالمليارات، أو مؤتمرات "مكلمات فضفضة" تضيع وقتا ولا
تنتج أثرا، وإنما يكون بتحقيق العدل كما قال الخليفة عمر بن عبد العزيز "حصّنها
بالعدل، ونقّ طرقها من الظلم، فإنه مرمتها".
إغلاق
تلك الصفحة ليس مطلبا استثنائيا، بل استحقاق دستوري تضمنته المادة 241 من الدستور التي
تنص على عدالة انتقالية تكفل كشف الحقيقة، والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة
الوطنية، وتعويض الضحايا، ووفقاً للمعايير الدولية.
حين
يتحقق ذلك ستستعيد مصر عافيتها، وستستعيد السياسة عافيتها، وسيستعيد الإعلام
عافيته، بل سيستعيد المجتمع كله عافيته، ستلتئم الجراح، وسيتجه الجميع نحو التنمية
والإعمار لبلدهم بنفس الروح التي ظهرت عقب ثورة 25 يناير، والتي دفعت الكثيرين ممن
استقرت حياتهم خارج مصر إلى العودة إلى وطنهم لتوظيف خبراتهم في تنميته وتطويره،
والتي دفعت المصريين للازدحام في طوابير الانتخابات للتعبير عن رأيهم واختيار
ممثليهم بحرية كاملة، والتي دفعت رئيسا مدنيا ليقول إنه أجير عند الشعب، ويقيم في
شقة مؤجرة؛ تاركا قصور الرئاسة القديم منها والجديد.
x.com/kotbelaraby
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.