بعد
الثورة، يمكن لأي معارض لليسار
التونسي بشقيه الماركسي والقومي أن يصمه بأنه
"صفرٌ فاصل" من جهة العمق الشعبي والميزان الانتخابي، وأن قوته لا
تُستمد من "الإرادة الشعبية" بقدر ما ترجع إلى علاقة التعامد الوظيفي أو
التخادم بينه وبين النواة الصلبة لمنظومة الاستعمار الجديد. فهذه حقيقة أثبتتها
"عشرية الانتقال الديمقراطي" ومِن قبلها "الديمقراطية
الصورية" في عهد المخلوع ونظامه الجهوي-الريعي-الزبوني. كما يمكن لمن يعارض
اليسار أن يتهم أغلب فصائله بـ"الوظيفية" قبل الثورة وبعدها، والتذيل
للسلطة والقبول بدور "ممتص الصدمات" أو القاعدة المتقدمة للدفاع عن
منظومة الاستعمار الجديد وواجهاتها السياسية المختلفة وآخرها النظام الحالي. فهذه
أيضا حقيقة أكدتها مواقف أغلب القوى اليسارية من الكيانات التجمعية الجديدة بقيادة
نداء تونس، ومواقفها بعد ذلك من إجراءات 25 تموز/يوليو 2021 وما تلاها من تحويل لحالة الاستثناء المؤقتة
إلى "تأسيس ثوري جديد"؛ لا محصول له إلا غلق "الفاصلة الديمقراطية"
وقتل السياسة بمعناها المستقر في الديمقراطيات التمثيلية.
لكنّ
هذه "الاعتراضات" المشروعة لا يمكن أن تختزل اليسار وتاريخه المعقّد
سواء في علاقته بالسلطة أو بباقي مكوّنات المعارضة، خاصّة المكوّن الإسلامي وبصورة
أقل المكوّن "الدستوري". كما أن هذه الاعتراضات لا يمكن أن تنفيَ قيمة
ما يدافع عنه اليسار من عدالة اجتماعية وتحرر وطني وغير ذلك من "القضايا
الكبرى"، ولا أن تنفيَ دور اليسار باعتباره "قوة نوعية" سواء من
جهة الأطروحات النظرية أو الممارسة السياسية والمدنية والنقابية وغيرها، وتأثيره
غير المنازع فيه قبل "الثورة" وبعدها، أي خلال "عهد صانع
التغيير" وفي "عشرية الانتقال الديمقراطي" وفي
"الخُماسية" الحالية التي بدأت يوم 25 يوليو 2021، وما زالت تحتكر السلطة بمنطق البديل المطلق
لا الشريك حتى لأقرب الكيانات إليها في "الموالاة النقدية".
"قابلية الوعي اليساري" لأي انقلاب على صناديق الاقتراع، بل هو ما يفسر صدور أغلب الدعوات إلى "البيان رقم 1" من عناصر محسوبة على اليسار منذ المرحلة التأسيسية، ويفسر كذلك دور اليسار في غلق الفاصلة الديمقراطية والدعم النشط لـ"تصحيح المسار"
لا
يعنينا في هذا المقال أن نقوم بـ"جرد حساب" لدور اليسار في المنظومة
القديمة ولا لطبيعة دوره في عشرية الانتقال الديمقراطي" التي صارت أغلب القوى
اليسارية تسميها بـ"العشرية السوداء"، ولا يعنينا أيضا أن نحدد دوره في
التمهيد للنظام الحالي أو في خدمته من مواقع فردية أو جماعية. فكل ما يعنينا هو
محاولة الإجابة عن السؤال التالي: هل إن اليسار التونسي -بشقية الماركسي والقومي-
يمتلك في أدبياته (أيديولوجيته الصلبة) وتاريخه ومواقفه وتحالفاته الداخلية
والإقليمية قبل الثورة وبعدها، ما يجعله "مرجع المعنى" المواطني، أي ما
يجعله مؤهلا لأن يطرح نفسه حكما بين الفاعلين الجماعيين فيوزّع "صكوك"
الديمقراطية والوطنية على من يشاء ويحرم منها من يشاء؟
إذا
ما كان "الإسلامي" قبل ما أسميناه بـ"الاستضعاف الحداثي"
-خاصة في فترة البحث عن توافقات هشة ومؤقتة مع المنظومة القديمة- مسكونا بمقولة
"الاستعلاء الإيماني" -أي بالنظرة الفوقية لمخالفيه باعتباره "على
المحجة البيضاء" وغيره في ضلال تختلف أحكامه الشرعية- فإن اليساري هو الآخر
مسكون بـ"الاستعلاء المعرفي" من الناحية النظرية، وبالاستعلاء النضالي
من الناحية السياسية أو المدنية أو النقابية.. الخ. فرغم الجوهر اليميني واللا
وطني لمنظومة الحكم الدستورية-التجمعية، فإن الخيارات "التحديثية"
الكبرى لهذه المنظومة -بالإضافة إلى فلسفتها السياسية اللائكية- قد دفعت بفصائل
اليسار إلى اعتبار التناقض معها تناقضا ثانويا -يمكن تأجيل حسمه- مقارنة بالتناقض
الرئيس مع "الرجعية الدينية" الممثلة أساسا بفصائل "الإسلام
السياسي" التي ينبغي أن يكون استئصالها -أو تجفيف منابعها- أولوية قصوى.
من
الناحية الواقعية، فإن ثنائية التناقض الرئيس والتناقض الثانوي قد جعلت فصائل
اليسار إما ملحقا وظيفيا بالسلطة وجزءا من "الديكور الديمقراطي" زمن
المخلوع، وإما جزءا من المعارضة الراديكالية للنظام "نظريا" وحليفا
موضوعيا له ضد الإسلاميين. ولا نحتاج هنا إلى التذكير بمواقف أغلب اليساريين من
"المجزرة" التي تعرض لها الإسلاميون في أوائل تسعينات القرن الماضي، كما
لا نحتاج إلى التذكير بدور رساميلهم البشرية و"ماكيناتهم" النقابية
والمدنية والإعلامية في إنضاج الشروط النفسية والموضوعية لعودة ورثة التجمع عبر
بوابة "نداء تونس"، ولنجاح "تصحيح المسار" باعتباره الواجهة
الأخيرة لمنظومة الاستعمار الداخلي (الرجعية البرجوازية) ورعاتها الإقليميين، خاصة
الرجعيات العربية في محور الثورات المضادة والتطبيع.
رغم
عدم حضور ثنائية التناقض الرئيس والتناقض الثانوي في السرديات اليسارية بعد
الثورة، ورغم إصرار أغلب مكونات اليسار على اتخاذ مسافة نقدية جذرية من
"الدساترة والخوانجية" في مستوى الشعارات والبيانات الرسمية، فإن
الوقائع تؤكد أن تناقض اليسار مع "الدساترة" (أي التجمعيين) كان تناقضا
ثانويا لم يمنع الالتقاء الموضوعي بين الطرفين في أكثر من مناسبة، كما أن الوقائع
تؤكد أن التناقض اليساري مع الإسلاميين ظل بعد الثورة "تناقضا رئيسا"
منذ المرحلة التأسيسية إلى وقتنا الحالي. ونحن لا يعنينا هذا التناقض إلا من جهة
انعكاساته على مبدأ سيادة الإرادة الشعبية وحدود الاعتراف بها أو الانقلاب عليها.
إن
غلبة هذا المنطق على البنية العميقة للسرديات اليسارية هو ما يفسر عندنا
"قابلية الوعي اليساري" لأي انقلاب على صناديق الاقتراع، بل هو ما يفسر
صدور أغلب الدعوات إلى "البيان رقم 1" من عناصر محسوبة على اليسار منذ
المرحلة التأسيسية، ويفسر كذلك دور اليسار في غلق الفاصلة الديمقراطية والدعم
النشط لـ"تصحيح المسار".
ولعل
الخطر الأعظم في هذا المنطق هو أنه يجعل من ظهور "كتلة تاريخية" تجمع
بين "ضحايا المنظومة" من اليساريين والإسلاميين من أمحل المحال على
الأقل في المدى المنظور، وهو ما يعني واقعيا قدرة "منظومة الاستعمار
الداخلي" على توظيف هذه الصراعات البينية داخل صفوف المعارضة -أو حتى داخل
السلطة كما حصل زمن "التوافق"- لإضعاف الجميع وإلجائهم إلى التحالف معهان
أو على الأقل عدم طرح أي مشروع مواطني قد يهدد بصورة جدية مصالحَها المادية والبنى
الرمزية التي تُشرعنها.
لا
تنحصر خطورة ثنائية التناقض الرئيس والتناقض الثانوي في المستوى المحلي، فهذا
المنطق هو ما يحدد موقف القوى اليسارية من القضايا الإقليمية والدولية. وهو تحديد
جعل اليسار -باعتباره أقلية أيديولوجية- ينحاز إلى سائر الأقليات الطائفية
والعسكرية ما دام خصمها/ضحيتها هو الإسلاميون (الانقلاب العسكري في مصر) أو
الأكثرية المسلمة (الحكم العلوي في سوريا)، بل جعل بعض فصائله لا تتحرج من
الالتقاء الموضوعي مع "الصهاينة" و"المتصهينين العرب" بالدعوة
إلى تصنيف "الإخوان" حركة إرهابية.
ولا
شك عندنا في أنّ اليسار -بحكم وعيه بغياب أي قاعدة شعبية واسعة له- لا يمكن أن
يكون ديمقراطيا، بل لا يمكن أن يقطع "الحبل السري" الذي يربطه بمنظومة
الاستعمار الداخلي وبكل القوى الإقليمية المتضررة من أي من أي مشروع ديمقراطي في
تونس.
إذا
كان أي مشروع مواطني غير قابل للتحقق بمنطق "الفرقة الناجية" وبالفقه
السلطاني التراثي وبمشروع "التمكين" الطائفي في جوهره، فإن المواطنة لا
يمكن أن تتأسس أيضا على منطق الاستئصال سواء في صيغته الناعمة (منع الإسلاميين من
الحكم الحقيقي وإفشال أي تحالف بين العلمانيين وبينهم، والاكتفاء بإخراجهم من مركز
السلطة) أو في صيغته الصلبة (تحويل الإسلاميين إلى ملف أمني-قضائي وإخراجهم من
العمل السياسي القانوني). وهو ما يعني أن "المسلم الديمقراطي" باعتباره
تجاوزا جدليا -وإن كان هشا ومحتاجا لتراكمات معرفية وخيارات استراتيجية صلبة- لم
يجد يساريا ديمقراطيا يحاوره، بل وجد يساريا يجلده ويسفّه أقواله ويحلج نواياه
ويحرّض عليه داخليا وخارجيا، ويجعل من نفسه مرجعا أعلى للوطنية والديمقراطية رغم
فقدانه لما يشهد لهذه الدعوى سواء من الناحية النظرية أو من الناحية الواقعية.
سواء
تحدثنا عن اليسار الماركسي أو اليسار القومي فإننا سنجد أنفسنا أمام سرديات ليس في
أدبياتها وتواريخها ما يجعل منها "مصداقا" للفكر الديمقراطي بالمعنى
المعروف في الديمقراطيات التمثيلية. فالماركسي "الديمقراطي" بالمعنى
الذي نتحدث عنه في الديمقراطية التمثيلية هو ماركسي "تحريفي" ومرتد عن
المقولات الصلبة في الماركسية، أما القومي "الوطني" في الدولة-الأمة
البورقيبية فهو قومي مرتد عن المقولات الصلبة للناصرية أو للبعث. ولذلك فإن عدم
إقرارهما بإمكانية أن يكون
كيف يمكن للأقليات الأيديولوجية التي تعي جيدا أنها ستخسر من أي احتكام شفاف للإرادة الشعبية أن تكون ظهيرا حقيقيا لأي مشروع ديمقراطي، لا طابورا خامسا لأي مغامرة انقلابية؟
"الإسلامي" وطنيا وديمقراطيا -انطلاقا من
الاحتكام اللاواعي أو الواعي لمقولة "الاستثناء الإسلامي"- لا يمكن أن
يثبت ديمقراطيتهما ولا وطنيتهما، ولا يمكن أن يفسر أيضا كيف يمكن لمن يؤمن
بالديمقراطية الشعبية أو بالحزب الطليعي أو بالأمة العربية أو بالأممية أن يكون يحتكر
معاني الديمقراطية والوطنية؛ دون أن يفقد هويته الأصلية ودون أن يقع في تناقضات
على مستوى "النظرية" وتطبيقاتها العملية (البراكسيس).
لعل
الأهم مما تقدم كله هو الإجابة الموضوعية عن الإشكال التالي: كيف يمكن للأقليات
الأيديولوجية التي تعي جيدا أنها ستخسر من أي احتكام شفاف للإرادة الشعبية أن تكون
ظهيرا حقيقيا لأي مشروع ديمقراطي، لا طابورا خامسا لأي مغامرة انقلابية؟ وإن شئنا
صياغة الإشكال بصورة أخرى لقلنا: هل يقبل اليساري أن يخاطر بالدفاع عن مشروع
ديمقراطي سيكون هو -على الأقل في المدى المنظور- أكبر خاسر فيه؟ أي هل يقبل
اليساري بالتخلص من "الدولة الراعية" (بالمعنى السياسي لا الاقتصادي)
وبالتعويل على الشرعية الشعبية وإن بعد حين؟
مهما
كان موقفنا من اليسار التونسي ومن أدواره المختلفة منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا،
فإننا لا يمكن أن نتخيل أي مشروع مواطني دون اليسار وما يحمله من قيم أو مطالب
مشروعة، خاصة في المستوى الاقتصادي. أما اليسار الوظيفي كما وصفه باقتدار الدكتور
عبد اللطيف الهرماسي في مقال له بعنوان "تفاعلا مع مانفستو اليسار التونسي:
أي يسار؟ أية سردية"- المفكرة القانونية، هذا اليسار الذي تحوّل منذ عهد
المخلوع "إلى تيار حداثوي وبالتالي متطرف في مناهضة التقاليد المجتمعية
والموروث الإسلامي"، فإنه لا يمكن أبدا أن يكون جزءا من أي مشروع مواطني تحرري
جامع، وذلك بحكم جوهره "الوظيفي" في خدمة منظومة الاستعمار، وبحكم
تسفيهه النسقي لأي إرادة شعبية تتحرك ضد الأساطير/الخيارات التأسيسية لدولة
"الاستعمار الجديد"، وتهدد المكانة الاعتبارية والمصالح المادية
للأقليات الأيديولوجية المرتبطة عضويا بتلك الدولة مهما ادعت مناهضتها.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.