تصدير:
"خلص رئيس الدولة إلى أن الصراع اليوم هو بين النظام والمنظومة التي تحاول
استرداد أنفاسها بكل السبل والوسائل" (الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية
التونسية على الفيسبوك)
عندما
أعلن الرئيس
قيس سعيد إجراءات 25 تموز/يوليو 2021،
فإنه من الناحية "النظرية" قد فعّل الفصل 80 من الدستور لإدارة البلاد بصورة استثنائية هدفها مواجهة "الخطر الداهم"
وضمان عودة السير الطبيعي لدواليب الدولة. أما من الناحية الدستورية فإن تفعيل تلك
الإجراءات لم يلتزم بأغلب الضوابط أو القيود التي وضعها المشرّع مثل عدم حل مجلس
النواب أو تقديم لائحة لوم ضد الحكومة، وكذلك عدم تجاوز حالة الاستثناء مدة ثلاثين
يوما واشتراط التمديد برأي المحكمة الدستورية. ولم يكن غياب "المحكمة
الدستورية" التي فشلت "التوافقات" و"التسويات" في
إرسائها خلال عشرية الانتقال الديمقراطي هو العائق الأوحد أمام تفعيل دستوري غير
متنازع فيه لحالة الاستثناء. فقد أقال الرئيس سعيد رئيس الحكومة هشام المشيشي
وجمّد البرلمان، ثم جاء الأمر الرئاسي عدد 117 لعام 2021 ليؤكد أننا لسنا أمام إجراءات هدفها إدارة
حالة الاستثناء، بل أمام مشروع سياسي هدفه تحويل تلك الحالة إلى مرحلة انتقالية
تؤسس لجمهورية جديدة وتُنهي "الفاصلة
الديمقراطية"، في ظل سردية
"تصحيح المسار" والديمقراطية القاعدية والنظام الرئاسوي.
لم
يُخف الرئيس قيس سعيد منذ أن كان "خبيرا دستوريا" ثم مرشحا لرئاسة
الدولة؛ نقدَه الجذري للنظام السياسي وللمنظومة الحزبية في الديمقراطية التمثيلية
بحكومتها ومعارضتها. كما لم يُخف أنه يحمل مشروعا سياسي سماه "التأسيس الثوري
الجديد"، وهو مشروع يتحرك تحت سقف الديمقراطية المباشرة أو المجالسية، ويُنهي
الحاجة للأحزاب ويعيد هندسة العلاقة بالأجسام الوسيطة كلها على أساس احتكار
"تصحيح المسار" للشرعية والتمثيل الشعبيَّين.
هل فعلا هذا "النظام" عدوٌ للمنظومة أم هو مجرد واجهة سياسية جديدة للمنظومة ذاتها؟ ولماذا يتجنب الرئيس تسمية المنظومة باسمها الحقيقي -أي منظومة الاستعمار الداخلي- بينما نجده لا يقتصد في وصفها بكل مذموم مثل الفساد والعمالة واللا وطنية؟ وما هي حقيقة العلاقة العميقة بين "النظام" و"المنظومة" بعيدا عن مزايدات السردية الرسمية والسرديات المعارضة؟
دستوريا
-أي بعد صدور دستور 2022- تأسست سلطة الرئيس على "التفويض
الشعبي" الكامل والمطلق والنهائي، وذلك على عكس باقي مكونات
"النظام" الجديد من أفراد ومؤسسات. فكل من يتولى "وظيفة" (أي
سلطة بالمصطلح السياسي التقليدي) يقبل الإقالة (الوظيفة القضائية أو التنفيذية) أو
سحب الوكالة (الوظيفة التشريعية)، أما الرئيس فإنه محصّن دستوريا من المساءلة
والمحاسبة بحكم ارتباط شرعيته بتفويض شعبي لا يقبل واقعيا منطق "سحب
الوكالة" أو التراجع عن التفويض المطلق والنهائي والكامل الذي كان -حسب
السردية الرسمية وسرديات الموالاة النقدية- وراء إجراءات
25 يوليو 2021.
كان
هذا المشروع السياسي من الناحية "النظرية" يكتسب شرعيته من أنه يؤسس
"نظاما سياسيا" يتحرك ضد "المنظومة" ومختلف مكوناتها التي
اعتبرها الرئيس "خطرا جاثما" أعظم من "الخطر الداهم". فـ"الخطر
الجاثم" وحده هو ما يشرعن بناء نظام سياسي جديد أو جمهورية جديدة، وهو ما
يشرعن أيضا تهميش الأجسام الوسيطة وإدخال الأحزاب في "حالة موت سريري"
نتيجة النظام الانتخابي القائم على الأفراد. ولكن هل فعلا هذا "النظام"
عدوٌ للمنظومة أم هو مجرد واجهة سياسية جديدة للمنظومة ذاتها؟ ولماذا يتجنب الرئيس
تسمية المنظومة باسمها الحقيقي -أي منظومة الاستعمار الداخلي- بينما نجده لا يقتصد
في وصفها بكل مذموم مثل الفساد والعمالة واللا وطنية؟ وما هي حقيقة العلاقة
العميقة بين "النظام" و"المنظومة" بعيدا عن مزايدات السردية
الرسمية والسرديات المعارضة؟
إن
غياب "النخب البديلة" وعدم وجود قاطرة حزبية للمشروع السياسي للرئيس،
فضلا عن العلاقات المتميزة بمحور التطبيع والثورات المضادة، كل ذلك يجعل من الحديث
عن التقابل بين "النظام" و"المنظومة" وكذلك الحديث عن
"حرب تحرير وطني" وعن معاداة "الصهيونية" و"الإمبريالية"؛
مجرد حديث مرسل لا مصداق له واقعيا. فغياب النخب البديلة عن مواقع القرار -أي
النخب المؤمنة بمشروع الرئيس منذ بداياته- يجعل من القرار السيادي موكولا لأفراد
ينتمون في الأغلب الأعم إلى المنظومة القديمة وأذرعها الوظيفية.
أما
غياب "الحزب الحاكم" فإنه -من جهة أولى- يجعل "النظام" يحوّل
الإدارة إلى حزب الدولة، ويجعله -من جهة ثانية- محوجا إلى خدمات الأحزاب الوظيفية،
خاصة أحزاب اليسار الوظيفي بشقيها الماركسي والقومي، وهي أحزاب أبعد ما تكون عن
معاداة "المنظومة" بصرف النظر عن مزايداتها وادعاءاتها الذاتية. وأما
العلاقة المميزة بمحور التطبيع والثورات المضادة فإنها تجعل الحديث عن القرار
السيادي وعن محاربة الصهيونية والإمبريالية مجرد خطاب موجه للاستهلاك المحلي، كما
تجعل "حرب التحرير" خارج مدارها الحقيقي، بل يجعلها تتحرك ضده سواء أكان
ذلك بصورة قصدية أم غير قصدية.
من
الناحية النظرية، فإن تسمية الرئيس قيس سعيد للمنظومة التي تعمل ضده باسمها
الحقيقي (منظومة الاستعمار الداخلي) سيكون أنفع له وأجدى أمام الرأي العام الداخلي،
ولكننا نذهب إلى أن الرئيس يتجنب هذه الاستراتيجية التواصلية لأنها ذات كلفة
سياسية مرتفعة. فالإقرار بأن "النظام السياسي" يشتغل تحت سقف
"منظومة الاستعمار الداخلي" يعني الدخول في مواجهة مفتوحة ضد "الأساطير
المؤسسة للدولة-الأمة" أو "الدولة الوطنية" وأيديولوجيتها
البورقيبية. فالرئيس الذي لم يكن يوما بورقيبيا، والذي لام خصومه على التمسح بقبر
بورقيبة طلبا للشرعية في "رفات الأموات" وجد نفسه مدفوعا إلى زيارة قبر
الرئيس كأولئك الذين انتقدهم من موقع "المعارض" وأعاد إنتاج سلوكهم عندما
وصل إلى موقع القرار.
إنّ
البورقيبية ليست فقط "أيديولوجيا منظومة الاستعمار الداخلي"
و"الخطاب الكبير" المعترَف به عند أذرعها الوظيفية التي تدعم
"تصحيح المسار"، بل هي أيضا الأيديولوجيا التي توفر الدعم الخارجي، خاصة
دعم الغرب ومحور الثورات المضادة. ولذلك فإن وصف "المنظومة" بأنها
"منظومة استعمار داخلي" أو استعمار جديد هو خسارة لكل الدعم السياسي
داخليا وخارجيا، وإذا ما تذكرنا بأن "تصحيح المسار" يفتقد نخبه البديلة،
فإن انتقاد البورقيبية أو منظومة الاستعمار الداخلي سيجعل الرئيس في مواجهة مفتوحة
-بل مواجهة خاسرة- مع حزامه الإداري والسياسي، وكذلك مع النواة الصلبة لمنظومة
الاستعمار الداخلي ورعاتها الأجانب. ولكن هل يعني ذلك أن تصحيح المسار هو مجرد
واجهة جديدة للمنظومة القديمة، أم هو في جوهره مشروع إصلاحي طموح ولكنه منذور
للفشل بحكم علاقته اللامتكافئة مع "المنظومة"؟
منطقيا
فإن الالتقاء الموضوعي أو علاقة التعامد الوظيفي بين طرفين تكتيكيا وبصورة مؤقتة
لا يعني أنهما متماهيان أو يحملان مشروعا واحدا من الناحية الاستراتيجية، وهو ما
يعني "نظريا" أن الالتقاء بين "تصحيح المسار" وبين منظومة
الاستعمار الداخلي أو محور الثورات المضادة ليس بالضرورة دليلا يقينيا على تبعية
الرئيس لحليفيه أو عدم وجود تناقض جوهري بين مختلف الأطراف المهيمنة على المشهد
التونسي. فأن يستفيد الرئيس من المنظومة أو من حلفائها الأجانب لا يعني أنه
"صنيعة" هذه الأطراف بالضرورة، ولكنه يطرح الإشكال التالي: ما هي مصادر
القوة أو أوراق التفاوض التي يملكها الرئيس للتحرك ضد مصالح حلفائه؟ وإن شئنا
صياغة السؤال بطريقة مختلفة فإننا سنصوغه على النحو التالي: هل يملك
"النظام" أو مشروع "تصحيح المسار" من القوة ما يجعله عدوا
حقيقيا "للمنظومة" وخطرا وجوديا عليها؟
الحديث عن الصراع بين "النظام" و"المنظومة" يصبح مجرد مجاز في سردية رسمية تنكر حقيقة علاقتها بالمنظومة، ويصبح حضور هذه العداوة مجرد شمّاعة يعلق عليها النظام فشله في تحقيق "مشروعية الإنجاز" وفي عدم وفائه بالأغلب الأعم من وعوده التي شرعنت إجراءات 25 يوليو 2021
عندما
يكون "النظام" عالة في مستوى رساميله المادية والبشرية والرمزية على
"المنظومة"، فإن الحديث عن الصراع بين "النظام"
و"المنظومة" يصبح مجرد مجاز في سردية رسمية تنكر حقيقة علاقتها
بالمنظومة، ويصبح حضور هذه العداوة مجرد شمّاعة يعلق عليها النظام فشله في تحقيق
"مشروعية الإنجاز" وفي عدم وفائه بالأغلب الأعم من وعوده التي شرعنت
إجراءات 25 يوليو 2021.
فالمنظومة تحضر في خطاب الرئيس باعتبارها كائنا هلاميا "شريرا" لا
يتمظهر في التشريعات والمؤسسات ولا في تلك الأنظمة المترابطة التي تعمل معا لتأبيد
سيادة منظومة الاستعمار الداخلي -النظام التربوي، النظام الاقتصادي، النظام
الثقافي أو الرمزي.. الخ- بل تتمظهر في بعض الشخصيات التي تعارض النظام أو تفشل
بعد اختيار الرئيس لها على أساس الولاء لا الكفاءة، أو تتمظهر أساسا في شخصيات
وكيانات "خفية" يجب على الرأي العام أن يؤمن بوجودها دون أن يطلب الدليل
على ذلك الوجود. إنها "موضوع إيمان" يفصل التصديق بها بين
"الوطنيين الصادقين" وبين سواهم من "الفاسدين والخونة
العملاء" الذين يُزين لهم شيطان "اللاوطنية" التشكيك في السردية
الرسمية.
إن
إصرار الرئيس ومسانديه على المقابلة بين "النظام" الصالح وبين
"المنظومة" الفاسدة هو عنصر أساسي من عناصر السردية الرسمية، ولكنه عنصر
يحتاج في تصديقه إلى أكثر من التكرار ومنابر الدمغجة المرتبطة بالنظام، فهو يحتاج
إلى أدلة موضوعية أو حجج مستقلة عن السردية الرسمية ذاتها. فأن تكون
"نخب" تصحيح المسار هي أساسا النخب الوظيفية التي خدمت
"المنظومة" قبل الثورة وبعدها، وأن تكون قاعدة تصحيح المسار الصلبة هي
قواعد اليسار الوظيفي وبقايا التجمع -الحزب الحاكم زمن المخلوع بن علي- وأن يكون
حلفاء "تصحيح المسار" هم أساسا من محور التطبيع والثورات المضادة، وأن يكون
"النظام" عاجزا عن إدخال أي تعديلات جوهرية على "المنظومة"
وآليات اشتغالها رمزيا وماديا؛ كل ذلك يجعل النظام يشتغل بالضرورة في إطار علاقة
تعامد وظيفي/ تخادم مع "المنظومة"، ويجعل الإقرار بوجود عداوة بين
"النظام" و"المنظومة" مجرد دعوى لا يمكن أن يُسلّم بها إلا أولئك
"الوطنيون الصادقون" الذين لا تحكمهم الأفكار بل مصفوفات المشاعر وشبكات
المصالح، ولا يربط بينهم إلا معاداة "الديمقراطية التمثيلية" -خاصة
المكوّن الإسلامي فيها- والحنين إلى زمن الشُّعب الترابية والمهنية.
x.com/adel_arabi21
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.