من الطبيعي أن تتابع الدول الشقيقة ما يجري
في
تونس باهتمام. فالعلاقات التي تجمعها ببلادنا تتجاوز الجوار الجغرافي إلى
المصالح الاقتصادية والروابط الإنسانية والتحديات الأمنية المشتركة. كما أن
الذاكرة العربية ما زالت تستحضر ما رافق التحولات التي بدأت عام 2011 من اضطرابات
وتداعيات امتدت آثارها إلى أكثر من بلد. ولذلك يثير أي حديث عن
تغيير جديد في تونس
أسئلة مشروعة لدى كثيرين.
لكن قراءة تونس اليوم بالعدسة نفسها لم تعد
كافية. فالبلاد التي عرفها العرب قبل خمسة عشر عاما لم تعد هي تونس اليوم. فقد
بدلت التجربة المجتمع، وأعادت تشكيل النخب، وغيّرت طبيعة الأسئلة التي تشغل الرأي
العام. وما يبحث عنه التونسيون الآن لا ينفصل عن تطلعهم إلى الحرية والكرامة في ظل
دولة ديمقراطية، لكنه يستند إلى خبرة جعلتهم أكثر إدراكا للشروط التي تجعل هذا
التطلع قابلا للحياة والاستمرار.
لقد كشفت سنوات الانتقال أن الوصول إلى الحكم يختلف عن إدارة الدولة. واكتشف الجميع أن الشرعية السياسية وحدها لا تكفي، وأن المؤسسات لا تعمل تلقائيا، وأن الاقتصاد لا يستجيب لحسن النيات، وأن الإصلاح يحتاج إلى إدارة قادرة بقدر حاجته إلى الإرادة. وكانت كلفة هذا التعلم مرتفعة، فلم يخرج منها طرف منتصرا، بل خرجت منها البلاد كلها وهي أكثر وعيا بتعقيدات الدولة الحديثة.
لقد كشفت سنوات الانتقال أن الوصول إلى
الحكم يختلف عن إدارة الدولة. واكتشف الجميع أن الشرعية السياسية وحدها لا تكفي،
وأن المؤسسات لا تعمل تلقائيا، وأن الاقتصاد لا يستجيب لحسن النيات، وأن الإصلاح
يحتاج إلى إدارة قادرة بقدر حاجته إلى الإرادة. وكانت كلفة هذا التعلم مرتفعة، فلم
يخرج منها طرف منتصرا، بل خرجت منها البلاد كلها وهي أكثر وعيا بتعقيدات الدولة
الحديثة.
لهذا لم تعد المراجعات التي ظهرت داخل أجزاء
واسعة من النخبة مجرد مراجعات حزبية أو استراتيجيات تواصلية، بل أصبحت مراجعات في
فهم الدولة نفسها، وفي معنى الحكم، وفي حدود العمل السياسي. وقد تبقى الخلافات
قائمة، وهذا أمر طبيعي، لكن مساحة الاتفاق على الأخطاء التي ينبغي عدم تكرارها
أصبحت أوسع بكثير مما كانت عليه في السنوات الأولى بعد الثورة.
ومن أهم ما أنتجته هذه التجربة أنها خلقت
نوعا من الردع السياسي المتبادل. فقد أصبح معظم الفاعلين أكثر إدراكا للكلفة التي
يفرضها الاستقطاب الحاد، وللأثمان التي تدفعها الدولة عندما تتحول المنافسة
السياسية إلى صراع صفري. ولا يعني ذلك أن الحياة السياسية ستصبح بلا خلافات، وإنما
أن خبرة الماضي تدفع الجميع إلى قدر أكبر من الحذر، وتجعل كل طرف أكثر استعدادا
لمنع الانزلاق إلى المسارات التي أوصلت البلاد إلى الانسداد. ولا يقتصر هذا الأثر
على الفاعلين السياسيين وحدهم، بل يمتد إلى مجتمع أنهكته الأزمات، وأصبح أكثر يقظة
تجاه أي مسار يعيد إنتاج الفوضى أو الانسداد.
وتحت ضغط الأزمة الاقتصادية والاجتماعية،
تغيرت أولويات التونسيين. فقد تراجع الاهتمام بالسجالات حول الهوية والشرعية التي
استهلكت جزءا كبيرا من الحياة العامة، بينما تقدمت الأسئلة المرتبطة بقدرة الدولة
على تحسين حياة الناس، واستعادة النمو، وإصلاح الإدارة حتى تصبح جزءا من الحل لا
جزءا من المشكل. وكلما تقدم هذا المنطق، أصبح الإنجاز هو المعيار الحقيقي للحكم
على الأداء، وتراجع الوزن النسبي للاستقطابات الأيديولوجية التي طبعت المرحلة
السابقة.
ولهذا السبب أيضا، تتغير نظرة تونس إلى
محيطها العربي. فالبلاد تحتاج إلى الاستقرار، وإلى شركاء اقتصاديين، وإلى
استثمارات، وإلى تعاون يسرّع التعافي ويعزز فرص النمو. ومن الصعب تصور أي مشروع
وطني جاد يبدد طاقته في توترات مع جواره، بينما تتطلب إعادة بناء الدولة تعبئة كل
الإمكانات المتاحة في الداخل والخارج.
ولعل أحد أهم آثار هذا التحول أنه سيغير
طبيعة النخب التي تتقدم إلى المجال العام. فعندما يصبح النجاح في
السياسة مرتبطا
بمعيار الكفاءة، وبالقدرة على إصلاح الدولة وتحقيق النتائج، لا بإدارة الاستقطاب،
سيكون ذلك دافعا لكفاءات كثيرة، داخل تونس وخارجها، آثرت الابتعاد عن الشأن العام،
إلى المشاركة وتحمل المسؤولية. وهكذا تتهيأ الظروف لدخول كفاءات جديدة إلى المجال
العام، ولانتقال تدريجي للمشعل نحو أجيال راكمت خبرات مهنية وعلمية واسعة، ويمكن
أن تمنح الدولة رصيدا جديدا من الكفاءة والابتكار.
ولهذه الأسباب يصبح من الصعب النظر إلى
التغيير الذي يحتاجه التونسيون باعتباره مصدر قلق لجوارهم. فالبلاد ستكون منشغلة،
خلال السنوات المقبلة، بإعادة بناء قدرتها على العمل ومعالجة ما تراكم من اختلالات
اقتصادية ومؤسساتية. وهي مهمة تستوعب جهدا سياسيا وإداريا جبّارا، ولا تترك مجالا
لمشروعات تتجاوز أولويات الداخل.
وفي المقابل، تمتلك الدول الشقيقة مصلحة
مباشرة في نجاح هذا المسار. فتعافي تونس يوسّع فرص التعاون الاقتصادي، ويمنح
المنطقة شريكا أكثر قدرة على الإسهام في استقرارها، كما يخفف الضغوط التي تفرضها
الأزمات الممتدة.
وليس من مصلحة أحد الحفاظ على الوضع القائم،
لأن هذا الوضع نفسه يفقد مقومات استمراره بشكل متسارع مع مرور الوقت. فالأزمة
الاقتصادية تتعمق، وتتآكل قدرة الدولة على الاستجابة، بينما تتسع الهوة بين
انتظارات المجتمع وما تستطيع المؤسسات تقديمه. وكل تأخير في الإصلاح يرفع كلفة
الإصلاح اللاحق، ويضيق هامش التحكم في مساره.
إن التغيير الذي يعيد للدولة قدرتها على العمل لا يمثل مصدر قلق، بل أفضل ضمانة لحماية تونس وتجنيب المنطقة أزمة أشد كلفة. ومن هذه الزاوية، يصبح نجاح تونس مصلحة مشتركة لا تخص التونسيين وحدهم.
إن التعويل على استمرار الأمر الواقع يحمل
مخاطر أكبر بكثير من إدارة انتقال هادئ ومسؤول. لأن ذلك يعني فقط تأجيل الأزمات،
في حين يقتضي إنهاء الأزمات معالجة أسبابها قبل أن تتحول إلى وقائع تفرض إيقاعها
على الجميع. وإذا بلغ الاحتقان مرحلة يصعب احتواؤها، فلن تبقى تداعياته داخل
الحدود التونسية، بل ستمتد بحكم الجغرافيا وتشابك المصالح إلى محيطها الإقليمي.
ولهذا، فإن التغيير الذي يعيد للدولة قدرتها
على العمل لا يمثل مصدر قلق، بل أفضل ضمانة لحماية تونس وتجنيب المنطقة أزمة أشد
كلفة. ومن هذه الزاوية، يصبح نجاح تونس مصلحة مشتركة لا تخص التونسيين وحدهم.
لقد تعلم التونسيون الكثير منذ عام 2011.
ولم تضعف التجربة إيمانهم بحقهم في الحرية والدولة الديمقراطية، لكنها جعلتهم أكثر
اقتناعا بأن الديمقراطية لا تزدهر في دولة عاجزة، وأن الاستقرار يتدهور إذا افتقد
الحرية، وأن التنمية لا تتحقق إلا بمؤسسات قادرة على الإنجاز. وهذا هو التغيير
الذي يتشكل اليوم في وعيهم الجماعي. تغيير ينطلق من حاجات تونس نفسها، ويسعى إلى
أن تستعيد الدولة قدرتها على النجاح، من دون أن يقدم نفسه نموذجا لأحد أو يطالب
الآخرين بأن يسلكوا طريقه. وعندما تستعيد تونس قدرتها على النجاح، لن يكون ذلك
مكسبا للتونسيين وحدهم، بل رصيدا جديدا لاستقرار المنطقة بأسرها.
*سياسي تونسي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.