ثمانية تقارير عربية أمام الأمم المتحدة.. ولم ينتبه أحد

عماد الدايمي
الاستعراض الوطني الطوعي، المعروف اختصارًا بـ"VNR"، هو تقرير دوري تعدّه الدولة لتقييم تقدمها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ثم تعرضه أمام المنتدى السياسي الرفيع المستوى..
الاستعراض الوطني الطوعي، المعروف اختصارًا بـ"VNR"، هو تقرير دوري تعدّه الدولة لتقييم تقدمها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ثم تعرضه أمام المنتدى السياسي الرفيع المستوى..
شارك الخبر
انتهت دورة المنتدى السياسي الرفيع المستوى للأمم المتحدة، وعادت الوفود العربية إلى بلدانها بعد تقديم ثمانية استعراضات وطنية طوعية. عرضت السعودية وتونس والإمارات والصومال والأردن والبحرين والجزائر ومصر حصيلة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، وقدمت بياناتها وتقديراتها للمسار المتبقي قبل حلول عام 2030.

والاستعراض الوطني الطوعي، المعروف اختصارًا بـ"VNR"، هو تقرير دوري تعدّه الدولة لتقييم تقدمها في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة، ثم تعرضه أمام المنتدى السياسي الرفيع المستوى، وهو المحفل السنوي الذي تتابع فيه الأمم المتحدة تنفيذ أجندة 2030.

كان ذلك أكبر حضور عربي في دورة واحدة منذ سنة 2018، ومع ذلك مر الحدث بهدوء يكاد يخفيه تماما. صدرت بيانات حكومية، ونقلت وسائل الإعلام تصريحات الوفود، ونشرت بعض المنصات ملخصات احتفالية للإنجازات. ثم أُغلق الملف. لم تُفتح مناقشات واسعة حول الأرقام والمعطيات، وغابت القراءات المقارنة، ولم تتحول الوثائق إلى مادة برلمانية أو موضوع عام في البلدان المعنية.

قدمت ثماني دول عربية آلاف الصفحات والأرقام أمام الأمم المتحدة، ثم انتهى المنتدى من دون نقاش عربي يختبر ما ورد فيها. فالوثيقة التي لا يقرأها أحد، ولا يراجع بياناتها، لا تساعد المجتمع على معرفة موقعه أو الحكم على سياساته.
يثير هذا الصمت الاستغراب، لأن الاستعراض الوطني الطوعي يتيح للدولة أن تقدم تقييمها الرسمي لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والمؤسسية. ويغطي التقرير قضايا الفقر والتعليم والصحة والمياه والطاقة والعمل والمساواة والتحول الرقمي والحوكمة. وتعتمد عليه وكالات الأمم المتحدة وشركاء التنمية والباحثون والمؤسسات المالية في فهم واقع البلد وأولوياته. كما يفترض أن يساعد على قياس النتائج، وكشف الفجوات، ومراجعة السياسات، وتبادل الخبرات. وهي وظائف تمنحه أهمية تستحق نقاشًا أوسع داخل الدولة والمجتمع.

تجمع الحكومات البيانات، وتختار المؤشرات، وتصوغ تفسير النتائج، وتقدم النسخة النهائية باسم الدولة. وهذا أمر مفهوم بحكم مسؤوليتها عن تنفيذ السياسات. لكنه يمنح الرواية الرسمية مكانة شبه حصرية عندما تغيب المراجعة المستقلة. فقد يكون التقرير دقيقا ومتوازنا، وقد يحمل أرقاما قديمة أو مؤشرات منتقاة أو تقديرات شديدة التفاؤل. تكشف القراءة المهنية الفارق عبر مقارنة المعلومات بالمصادر الوطنية والدولية.

قدّمت التغطيات المحدودة لهذه التقارير في وسائل الإعلام العربية استعراضًا للمنجزات، واكتفت في الغالب بنقل الرسائل الرسمية وتصريحات الوفود. ولم يرافقها جهد يُذكر للتحقق من حداثة البيانات والفترات التي تغطيها، أو اكتمال المؤشرات، أو مدى عناية التقارير بأوضاع الفئات الأكثر هشاشة، أو نتائج البرامج التي أخفقت في بلوغ أهدافها. وتحرص الحكومات بطبيعتها على إبراز نجاحاتها، فيما يحتاج الجمهور إلى مؤسسات مستقلة تختبر الأرقام، وتقارنها بالمصادر الأخرى، وتضع النتائج في سياقها حتى تكتمل الصورة.

ويصعب فصل نبرة الاحتفاء التي غلبت على العروض الرسمية والتغطيات المصاحبة لها عن الصورة العالمية والإقليمية الأوسع. فتقرير الأمين العام عن التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، الصادر في يونيو 2026، يبيّن أن 15% فقط من الغايات القابلة للتقييم تسير على المسار الصحيح، و21% تحقق تقدمًا متوسطًا، بينما تسجل 49% تقدمًا هامشيًا أو شبه جمود، وتراجعت 15% عن مستوياتها المسجّلة سنة 2015. وكانت الإسكوا قد قدّرت سنة 2024 أن المنطقة العربية، إذا حافظت على وتيرتها الحالية، ستحتاج إلى نحو ستين سنة إضافية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. وتفرض هذه الأرقام قراءة أكثر تحفظًا للمنجزات المعلنة، واهتمامًا أكبر بالفجوات التي تكشفها التقارير أو تغفلها.

 تكشف محدودية الاهتمام بهذه التقارير ضعفًا قديمًا في علاقتنا بوثائق السياسات العامة. نتابع الخلافات السياسية بتفاصيلها اليومية، ونمنح التصريحات والمواقف مساحة واسعة، بينما تحظى التقارير التي تقيس أثر السياسات باهتمام محدود. ويدور النقاش غالبًا حول الأشخاص والسلطة والتحالفات، ويبتعد عن جودة الإنفاق العام، وقدرة الإدارة على التنفيذ، وأثر البرامج في حياة المواطنين.

تحتاج الدولة إلى مراجعة تأتي من خارج جهازها التنفيذي. تستطيع الجامعات فحص المنهجيات، ومراكز الدراسات مقارنة المؤشرات، والصحافة اختبار الأرقام، والمجتمع المدني نقل صوت الفئات المتأثرة بالسياسات. كما يستطيع البرلمان مناقشة التقرير قبل عرضه دوليا أو بعده. تساند هذه الوظائف الدولة حين تكشف مواطن الضعف مبكرا وتمنع انتقال الأخطاء إلى التقارير وقواعد البيانات اللاحقة.

قدم التقرير التونسي لهذه الدورة مثالا واضحا. فقد أورد نسبة تمثيل النساء في البرلمان في حدود 29.2%، بينما لا تتجاوز النسبة الفعلية في المجلس الحالي نحو 16% (25 نائبة من جملة 154). والرقم المعلن لا يطابق أي تركيبة حقيقية للبرلمان، لا الحالي ولا السابق عليه. فقد تراجع تمثيل النساء من نحو 26% سنة 2019 إلى نحو 16% بعد انتخابات 2023، إثر إلغاء شرط التناصف بموجب المرسوم عدد 55 لسنة 2022. وتمس هذه الفجوة أحد المؤشرات المركزية في قياس التقدم نحو المساواة بين الجنسين والمشاركة السياسية للمرأة.

تتجاوز أهمية المثال حجم الخطأ. فهو يبين كيف تستطيع معلومة قابلة للتحقق عبور مراحل الإعداد والمراجعة من غير تصحيح. وربما كان مصدرها بيانات غير محينة، أو خلطا بين مؤسسات مختلفة. وتصبح المخاطر أكبر في المؤشرات المركبة، والقطاعات التي تفتقر إلى بيانات منتظمة، والموضوعات الصعبة القياس مثل العدالة بين الجهات واستقلال المؤسسات.

ورغم هذا الخطأ، يظل التقرير التونسي وثيقة غنية، تكشف عن جهد منهجي واضح وتتضمن اعترافًا بعدد من الفجوات. ويؤكد اكتشاف الخطأ أهمية المراجعة الخارجية في تحسين جودة التقرير، وتوثيق مصادره، وتصحيح بياناته قبل إدراجها في السجل الأممي.

تنطبق الملاحظة نفسها على المشاورات التي تسبق إعداد الاستعراضات. فالتقارير تذكر عادة عدد الاجتماعات والجهات المشاركة، لكنها نادرًا ما توضح المقترحات التي قُدمت، وما اعتمد منها، وما استُبعد، وكيف انعكس ذلك على التشخيص والنتائج. وفي الحالة التونسية، يدرج التقرير الاتحاد العام التونسي للشغل ضمن الجهات المشاركة، في وقت يشكو فيه الاتحاد من التضييق على العمل النقابي وتعطّل الحوار الاجتماعي مع الحكومة. وتدعو هذه المفارقة إلى التمييز بين حضور المنظمة في مسار التشاور وبين حضور مواقفها في الوثيقة النهائية.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع مبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب"، أحد أسس أجندة 2030. يتطلب تقييم أوضاع النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة وسكان المناطق المهمشة والمهاجرين والعاملين في الاقتصاد غير المنظم الاستماع إلى تجاربهم المباشرة. فالمؤشر يظل ناقصا عندما ينفصل عن الحياة التي يفترض أن يصفها.

كان حضور ثماني دول عربية في دورة واحدة مناسبًا لإطلاق نقاش إقليمي. فالبلدان المشاركة تواجه قضايا مشتركة تشمل ندرة المياه، والبطالة، وهشاشة الفئات الضعيفة، والتفاوت بين المناطق، وصعوبات التمويل، والأمن الغذائي، والتحول الطاقي، وجودة البيانات.
كان حضور ثماني دول عربية في دورة واحدة مناسبًا لإطلاق نقاش إقليمي. فالبلدان المشاركة تواجه قضايا مشتركة تشمل ندرة المياه، والبطالة، وهشاشة الفئات الضعيفة، والتفاوت بين المناطق، وصعوبات التمويل، والأمن الغذائي، والتحول الطاقي، وجودة البيانات. وكان يمكن مقارنة أساليب القياس واستخراج الدروس ومناقشة البرامج التي أثبتت فاعليتها. لكن العروض بقيت وطنية ومتجاورة، ولم تنتج عنها قراءة عربية مشتركة.

قد يرتبط هذا الغياب بضعف التنسيق الإقليمي، أو بحساسية التقييم المقارن، أو بانشغال المجال العام بأزمات أكثر إلحاحا. غير أن اقتراب عام 2030 يجعل استمرار هذا النمط مكلفا. فحضور الدول في المنظومة الأممية لا يغني عن معرفة المجتمعات لموقعها الحقيقي، وعن قياس التغير الذي أحدثته السياسات في حياة الناس، وعن تحديد ما يحتاج إلى مراجعة خلال السنوات المتبقية.

يبدأ تدارك هذا الفراغ بإتاحة البيانات والمسودات للنقاش، ومراجعة المؤشرات خارج الدوائر التي أعدتها، ثم عرض النتائج على البرلمانات والرأي العام. وتستطيع الجامعات ومراكز البحوث أن تنتج قراءات موازية ومقارنات إقليمية تمنح المجتمعات العربية معرفة أكثر دقة بواقعها.

قدمت ثماني دول عربية آلاف الصفحات والأرقام أمام الأمم المتحدة، ثم انتهى المنتدى من دون نقاش عربي يختبر ما ورد فيها. فالوثيقة التي لا يقرأها أحد، ولا يراجع بياناتها، لا تساعد المجتمع على معرفة موقعه أو الحكم على سياساته.

ثمانية تقارير عربية وصلت إلى نيويورك. ويبقى أن تصل إلى مجتمعاتها.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)