عن النخبة وأدوارها

امحمد مالكي
"المشكل يرتبط بمدى قدرة النخبة بحسبها فئة مميزة بما لها من وجاهة مادية ورمزية على ممارسة حد أدنى من الاستقلالية في التأثير في المجتمع المنتمية إليه"- Pixabay/Mohamed Hassan
"المشكل يرتبط بمدى قدرة النخبة بحسبها فئة مميزة بما لها من وجاهة مادية ورمزية على ممارسة حد أدنى من الاستقلالية في التأثير في المجتمع المنتمية إليه"- Pixabay/Mohamed Hassan
شارك الخبر
يُعتبر اصطلاح "نخبة" (Elite) أكثر الاصطلاحات تداولاً في التخاطب والكتابة، ليس مع ولوجه دائرة الاستعمال الأكاديمي والعلمي في العقد الثالث من القرن التاسع عشر (1823)، كما قدر ذلك "بوتومور" في قاموس أكسفورد، ولكن منذ نشوء الفلسفة السياسية وتشكل وعي الظواهر مناط اهتمامها. ففي القديم دافع أفلاطون عن ضرورة أن تقود المجتمع ثلة من النابهين، حددها في فئة الفلاسفة، وبعده بقرون كثيرة تحدث سان سيمون عن حكم العلماء ورجال الصناعة.

بيد أن أولَ استعمال للكلمة كان في القرن السابع عشر لوصف السلع ذات النوعية الممتازة، ثم ما لبث أن توسع ليشمل الجماعات العليا، كبعض الوحدات العسكرية، أو المراتب العليا من النبالة، قبل أن يتم تأصيله في متن البحث الاجتماعي والسياسي مع القرن التاسع عشر. وكان الفضل الأكبر في هذه النقلة العلمية لمفهوم النخبة لكوكبة من العلماء والمفكرين، من أمثال باريتو، وتوم بوتومور، ورايت ميلز، وروبرت دال.

والواقع أن ما ساعد على ازدياد منسوب استخدام اصطلاح النخبة عاملان اثنان، يتعلق أولهما بانكشاف حقيقة الوجه الخادع للديمقراطية السياسية مع منتهى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حين وعى الناس حدود المساواة التي تأسست على قاعدتها فكرة الديمقراطية، وشرعوا يلمسون الفوارق
ثمة علاقةً تلازميةً بين طبيعة النظام السياسي والوظائف المنوطة بالنخبة على صعيد الممارسة، وهي في الإجمال، إما شرعنة السلطة (Légitimation du Pouvoir)، أي الإسهام في إضفاء المشروعية على ما هو قائم، أو العمل على حماية الاستقرار والمحافظة عليه، أو القيام بوظيفة الوساطة وإشاعة قيم الزبونية والاستزلام (Clientélisme)، أو الإجهاد من أجل بث روح التوافق
الاقتصادية والاجتماعية التي تعوق قدراتهم في المشاركة الفعلية والمؤثرة في الشأن العام، والأهم تأكدهم أن ما يخفيه الخطاب الأيديولوجي للديمقراطية عنهم ويُضلل مدركاتِهم هو وجود أقلية، أي نخبة، متحكمة في السياسة (السلطة) والاقتصاد، ودواليب الإنتاج المادي والرمزي.

أما العامل الثاني، فيخص قصورَ بعض الاصطلاحات، مثل الصراع الطبقي، ونمط الإنتاج، وما يتفرغ عنهما، عن التعبير عن الواقع الاجتماعي كما يعيشه الناس ويلمسون وقعَه على حياتهم، حيث تظل الأقليةُ مستفرِدةً بالسلطة والثورة حتى في ظل تغير نمط الإنتاج، أو استبدال طبقة بأخرى. لذلك، استمر تعريف النخبة وتحديد معناها من الإشكاليات المعرفية الأكثر تعقيداً واختلافاً من زاوية النظر، ومع ذلك، يمكن إجمالاً مَحورَةُ تعريف الاصطلاح حول اتجاهين: يستند الأول في تحديد المفهوم إلى معيار الموقع الذي يحتله الفرد في سلم التراتبية الاجتماعية، إذ بموجبه يتم الربط بين النخبة والحقوق والمسؤوليات المترتبة على موقع معين في بنية اجتماعية محدده، في حين يعتمد الاتجاه الثاني المعيار السلوكي في تحديد معنى النخبة، حيث يصبح الفرد المنتمي إلى النخبة؛ ذلك الشخص القادر على التأثير بسلوكه في أفعال وسلوكيات أشخاص آخرين.

هكذا إذن، تسمح لنا التحديدات أعلاه بالقول إن النخبة إجمالاً هي أقلية محدودة كمياً، لكنها فعالة ومؤثرة نوعياً، وهي موجودة ومنتشرة في كل مفاصل الدولة وجسم المجتمع. لذلك، يؤهلها موقعها لأن تلعب أدواراً وتؤديَ وظائف على درجة بالغة الأهمية والخطورة. ونميل إلى الظن أن طبيعة تأثيراتها مرتبطة إلى حد بعيد بطبيعة السياقات السياسية والمجتمعية التي تتفاعل معها في الواقع، أي مرتهنة بثقافة المجال السياسي ودرجة انفتاحه أو انغلاقه.

فإذا نحن اعتمدنا النسق السياسي المغربي كعينة لفحص دور النخبة، وحدود تأثيرها إيجاباً أو سلباً في تطوراته، فسنلاحظ أن ثمة علاقةً تلازميةً بين طبيعة النظام السياسي والوظائف المنوطة بالنخبة على صعيد الممارسة، وهي في الإجمال، إما شرعنة السلطة (Légitimation du Pouvoir)، أي الإسهام في إضفاء المشروعية على ما هو قائم، أو العمل على حماية الاستقرار والمحافظة عليه، أو القيام بوظيفة الوساطة وإشاعة قيم الزبونية والاستزلام (Clientélisme)، أو الإجهاد من  أجل بث روح التوافق، أو ممارسة وظيفة التدبير والفعالية. وفي واقع الأمور تقوم النخبة في النسق السياسي المغربي بهذه الأدوار مجتمعةً، مع اختلاف في ترتيبها، بحسب الأولويات التي يفرضها وضع السلطة وميزان القوى بين الأطراف المتصارعة في داخلها.

بيد أن النسق السياسي المغربي لم يكن في مُكنِه المحافظة على النخبة قاعدةً داعِمة له، لو لم يعتمد استراتيجية قوامها استمالة النخبة المحلية (Elite Locale)، أي تلك الفئات المتنفذة مادياً ورمزيا في أطراف السلطة المركزية (الأقاليم والمحافظات والجهات)، وتأهيلها بالاستيعاب والإدماج في نسيجه المركب والمعقد للقيام بالوظائف المشار إليها أعلاه. فمن جهة، لم يقضِ تمام القضاء على النخبة، بل بالعكس مارس دور الحماية والرعاية لها، ومن جهة أخرى، قام بتقليم أظفارها كي لا تتحول إلى قوة مضادة، قادرة على ممارسة الممانعة والمعارضة للسلطة المركزية، أي اعتمد منهجية الترويض والاستيعاب، والإدماج الإداري والمفكر فيها.

وُظف الارتكاز على هذه النخبة لخلق توازنات جديدة داخل الحياة السياسية الموسومة وقتئذ بتنازع المشروعيات، وصراع الحركة الوطنية والدولة حول فلسفة إعادة بناء المغرب ما بعد رحيل الاستعمار

لذلك، تم توظيف مجمل مكونات النخبة المحلية، من رؤساء قبائل وقادة وشيوخ ومقدمين، ورؤساء الزوايا والزعامات الدينية، لمراقبة المجتمع المحلي وضبط إيقاع تحركه وحِراكِه، بل شكلت هذه الفئات خلفية بشرية داعِمة النسق السياسي في معاركِه ضد مصادر التهديد أو اللااستقرار.

ومن الملاحظ أن هذا المنحى في علاقة الدولة بنخبها المحلية لم يكن مجرد معطى تاريخي، بل استمر خيطاً ناظِماً لكل المراحل التي تعاقبت لاحقاً. لذلك، نلاحظ أنه بعد استقلال المغرب (1956)، تم الاعتماد بشكل مركزي على الأعيان الجدد في البادية المغربية وأحوازها، بل وُظف الارتكاز على هذه النخبة لخلق توازنات جديدة داخل الحياة السياسية الموسومة وقتئذ بتنازع المشروعيات، وصراع الحركة الوطنية والدولة حول فلسفة إعادة بناء المغرب ما بعد رحيل الاستعمار.

أما اليوم، ومنذ عقود، فقد توسعت دائرة استراتيجية استيعاب النخبة، واستخدامها لمزاولة الوظائف المومأ إليها أعلاه، ولم تبق محصورة في المجال القروي (البادية)، بل شملت الحواضر الكبرى، وطالت الفضاء السياسي ونظيره الاقتصادي والمالي، وجزءاً من العالم الأكاديمي والفكري والثقافي، ثم إن الأمر لم يعد منحصراً في خانة الموالين للسلطة، أو من تتوافر فيهم قابلية الموالاة الطوعية لها، بل امتد إلى الفئات التي مارست الممانعة لمدة عقود.

ودرءاً لكل التباس، نشدد على أن وظيفة النخبة لا تتعلق بالمعارضة وحدها، أو بالموالاة فقط، فالأمر لا يتعلق بالأبيض أو الأسود، ولكن المشكل يرتبط بمدى قدرة النخبة بحسبها فئة مميزة بما لها من وجاهة مادية ورمزية على ممارسة حد أدنى من الاستقلالية في التأثير في المجتمع المنتمية إليه، من دون أن تفقد كنهَ وجودها، أو تتحول إلى دمية، أو إمعة لا حول لها ولا قوة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)