الأمازيغ في عين المشرق.. حين رأى الشرقُ المغربَ من وراء الصحراء

أحمد الشريفي
الأناضول
الأناضول
شارك الخبر
هناك شعوبٌ نعرفها لأننا عشنا معها، وشعوبٌ أخرى نعرفها لأن التاريخ وضع بيننا وبينها مسافة. والأمازيغ من أولئك الذين طالما عرفهم المشرق من بعيد؛ من خلال كتب المؤرخين، وحكايات الفتوحات، وأخبار القيروان وفاس وتلمسان، ومن خلال أسماءٍ كثيرة كانت تمرّ في الذاكرة العربية ثم تختفي خلف جبال الأطلس والصحراء الكبرى.

كان المشرق ينظر إلى المغرب كما ينظر المرء إلى أفقٍ بعيد: يراه، لكنه لا يعرف تفاصيله، ومن هنا ربما بدأت المشكلة. ففي الوعي المشرقي التقليدي، لم يكن الأمازيغي حاضراً دائماً بوصفه صاحب أرضٍ وتاريخٍ ولغةٍ وحضارة، بل كثيراً ما ظهر في الكتب بوصفه البربري؛ الاسم الذي حملته المصادر القديمة، وهو اسم لم يكن محايداً في جذوره ودلالاته، قبل أن يستعيد الأمازيغ اسمهم الذي يعرّفهم بأنفسهم: أمازيغ، ويجمعونه على إيمازيغن.

المشرق الذي اخترع نسباً للمغرب

حين أراد المؤرخون المسلمون تفسير أصل الأمازيغ، لم يجدوا رواية واحدة يتفقون عليها؛ مرةً كانوا أبناء كنعان، ومرةً من نسل جالوت، ومرةً أقواماً هاجرت من المشرق، ومرةً كان النسب يُبنى على روايات قبلية وأساطير الأنساب التي كانت شائعة في كتب العصور الوسطى.

حتى ابن خلدون، وهو أحد أعظم من كتب عن تاريخ المغرب، دخل في هذا الجدل؛ فالروايات التي تناولها ربطت الأمازيغ في بعض صورها بأصول مشرقيّة، وانتهى هو إلى رواية تجعلهم من الكنعانيين الذين تَبَرْبَروا.

وهنا تكمن مفارقة جميلة ومؤلمة في آن، فالمشرق لم يكتفِ بأن يعرف الأمازيغ، بل حاول أن يجد لهم مكاناً داخل شجرة النسب التي يعرفها هو، كأن الاعتراف بالآخر كان يحتاج إلى أن يصبح الآخر قريباً منا، وكأن التاريخ لا يطمئن إلا إذا استطاع أن يقول: إنهم منّا.

لكن ماذا لو كانوا هم، دون أن يعني ذلك أنهم غرباء؟ ماذا لو كان الأمازيغي أمازيغياً، والعربي عربياً، وكلاهما جزء من فضاء حضاري أوسع تشكل عبر آلاف السنين من الهجرة والتجارة والحرب والزواج واللغة والدين؟

البربري الذي لم يكن كما تخيله المشرق

كان لفظ البربر حاضراً في المصادر القديمة، لكنه لم يكن اختراعاً عربياً خالصاً؛ فالتسمية أقدم من الإسلام، واستُخدمت في سياقات متوسطية مختلفة لوصف الشعوب التي لا تتكلم لغات الرومان أو اليونان، أما الأمازيغ أنفسهم فكان لهم اسمهم وهوياتهم المحلية وقبائلهم ومجتمعاتهم.

لكن مع الفتوحات الإسلامية، دخل الأمازيغ صفحة جديدة من تاريخهم، إذ لم يكونوا مجرد شعوبٍ هُزمت ثم ذابت، بل أصبحوا جزءاً أساسياً من تاريخ الإسلام في الغرب الإسلامي؛ أسلموا، وقاوموا، وتحالفوا، واختلفوا، وثُوّروا، وشاركوا في بناء دولٍ عظيمة. ومن رحمهم خرجت دول المرابطين والموحدين، وخرج رجالٌ صنعوا تاريخ الأندلس والمغرب، حتى صار من الصعب أن تُكتب قصة الإسلام في شمال أفريقيا دون أن يكون الأمازيغ في قلبها، وهنا تسقط صورة البربري البدائي، التي قد يحملها بعض المخيال المشرقي.

فالذين كانوا يُوصفون أحياناً في اللغة النمطية بأنهم أهل جبال وصحراء، كانوا في الحقيقة أصحاب دول وجيوش ومدن وعلم وتجارات وشبكات سياسية امتدت من الصحراء إلى الأندلس، إذ ترى المغرب يكتب تاريخه بنفسه، بينما كان المشرق يكتشفه متأخراً.

المشكلة ليست في الجهل وحده

ربما يكون من السهل أن نقول إن المشرق جهل الأمازيغ، لكن ذلك ليس كافياً، فالمسألة أعمق من نقص المعلومات، إنها مشكلة مركز وأطراف. لقد اعتاد المشرق العربي أن يرى نفسه قلب العالم العربي؛ دمشق وبغداد والقاهرة والمدينة ومكة، ثم ينظر إلى الأطراف باعتبارها هوامش تتحرك حول ذلك المركز، وفي هذا التصور أصبح المغرب بعيداً مرتين: بعيداً في الجغرافيا، وبعيداً في المخيال.

وكانت الصحراء الكبرى حاجزاً نفسياً قبل أن تكون حاجزاً جغرافياً، لذلك لم يكن المشرقي يرى في الأمازيغي دائماً إنساناً يعيش في شمال أفريقيا منذ آلاف السنين، بل كان يراه من خلال سؤال: من أين جاء؟

وهذا السؤال نفسه يحمل افتراضاً خفياً: أنه لا بد أن يكون قد جاء من مكان آخر، لكن الدراسات الحديثة تعيد النقاش إلى الأرض نفسها؛ فالأبحاث الأثرية والأنثروبولوجية واللغوية الحديثة تناقش بقوة استمرارية السكان المحليين في شمال أفريقيا، مع الاعتراف بالطبع بموجات الهجرة والاختلاط التي عرفتها المنطقة عبر آلاف السنين.

ليس كل أمازيغي ضد العرب.. وليس كل عربي ضد الأمازيغ

ومن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم أن نعيد كتابة التاريخ بمنطق الخصومة الحديثة، فليس صحيحاً أن الأمازيغ تاريخياً كانوا كتلة واحدة في مواجهة العرب، كما أنه ليس صحيحاً أن العرب كانوا كتلة واحدة تريد محو الأمازيغ، التاريخ أكثر إنسانية وفوضى من ذلك. كانت هناك حروب وتحالفات، وثورات ومصاهرات، وقبائل تعرّبت وأخرى حافظت على لغتها، ومجتمعات تشبعت بالعربية والإسلام دون أن تفقد بالضرورة جذورها الأمازيغية.

وفي المغرب الكبير، لم تكن العروبة والأمازيغية دائماً سيفين متقابلين، أحياناً كانتا تعيشان في البيت نفسه، وفي المدينة نفسها، وفي العائلة نفسها. بل إن جزءاً كبيراً من مأساة النقاش المعاصر أنه يحاول تحويل هوية مركبة إلى بطاقة هوية واحدة، إما عربي، أو أمازيغي، بينما الإنسان، في الحقيقة، أكثر اتساعاً من الخانة التي نضع اسمه فيها.

الإسلام لم يمحُ الأمازيغ

وهنا ينبغي التوقف أمام فكرة شائعة في بعض السرديات الحديثة: أن دخول الإسلام والعربية إلى شمال أفريقيا كان يعني نهاية الأمازيغ، بينما التاريخ لا يقول ذلك بهذه البساطة. فالأمازيغ أسهموا في بناء الحضارة الإسلامية، وفي الوقت نفسه حافظت قطاعات واسعة منهم على لغاتها وثقافاتها المحلية. حتى اليوم ما زالت اللغة الأمازيغية حاضرة في المغرب والجزائر وليبيا وتونس ومناطق أخرى من شمال أفريقيا والصحراء، وتتنوع داخلها لهجات ومجموعات لغوية وثقافية متعددة.

وهذا يعني أن الإسلام والعربية لم يكونا بالضرورة عملية واحدة باتجاه واحد، كان هناك أخذٌ وعطاء، تعريبٌ وأمازغة، هجرةٌ واستقرار، اختلاطٌ ومقاومة، وهكذا تتشكل الحضارات الحقيقية، لا بالطهارة العرقية، بل بالاحتكاك.

ماذا يعرف المشرقي عن الأمازيغ؟

ربما يعرف أسماءً قليلة، يعرف طارق بن زياد، لكنه قد لا يعرف بما يكفي أنه كان أمازيغياً، يعرف يوسف بن تاشفين، لكنه قد لا يعرف أن المرابطين كانوا قوة أمازيغية كبرى، يعرف الأندلس، لكنه قد ينسى أن جزءاً من القوة التي عبرت إليها جاءت من المغرب.

يعرف المغرب العربي بوصفه المغرب، لكنه قد لا يسأل: مغرب مَن؟ ومن كان هناك قبل أن يصل الاسم العربي إلى المكان؟ وكيف استطاع هذا الشعب أن يعيش كل تلك القرون دون أن يختفي؟ هذه الأسئلة وحدها كافية لتعيد ترتيب الذاكرة.

الأمازيغ ليسوا هامشاً في التاريخ العربي

ربما آن للمشرق أن يتوقف عن النظر إلى الأمازيغ باعتبارهم موضوعاً يحتاج إلى تفسير، فالأمازيغ ليسوا هامشاً في التاريخ العربي. هم جزء من تاريخ المنطقة الإسلامية والمتوسطية، لكنهم أيضاً أصحاب تاريخ سابق على دخول الإسلام والعربية إلى شمال أفريقيا، وهذه الحقيقة لا تنتقص من العرب.

كما أن الاعتراف بعروبة المشرق لا يحتاج إلى إنكار أمازيغية المغرب، بل ان المشكلة تبدأ حين تتحول الهوية إلى معركة ملكية: من يملك الأرض؟ من يملك التاريخ؟ من كان أولاً؟ ومن يحق له أن يقول نحن؟ والحقيقة أن التاريخ لا يوزع صكوك الملكية بهذه الطريقة.

الشعوب لا تعيش في متحف، إنها تتداخل، تتناسل، تهاجر، تتحدث أكثر من لغة، وتتغير دياناتها أحياناً، وتتغير دولها، لكنها تحمل معها شيئاً لا يموت بسهولة: الذاكرة.

من البربري إلى الأمازيغي

ربما تكون أجمل لحظة في قصة الأمازيغ المعاصرة هي لحظة استعادة الاسم، فالاسم ليس مجرد كلمة، إنه مرآة، فحين يقول الإنسان أمازيغي، فهو لا يصف نفسه كما وصفه الآخرون، بل كما يريد هو أن يُرى.

وهنا يجب أن يتعلم المشرق شيئاً بسيطاً: لا تسمِّ الناس بما اعتدت أن تسميهم به، إذا كانوا قد اختاروا لأنفسهم اسماً آخر. فكما لا نقبل أن يُختزل العربي في صورة رسمها له الآخر، لا ينبغي أن نختزل الأمازيغي في صورة رسمها عنه الآخرون.

إن احترام الأمازيغ لا يعني الوقوف ضد العرب، واحترام العرب لا يعني الوقوف ضد الأمازيغ، الاثنان يحتاجان إلى التحرر من عقدة التفوق.

بين المشرق والمغرب.. أخوّة تحتاج إلى معرفة

لقد طال الوقت الذي كان فيه المشرق يتحدث عن المغرب دون أن يسمعه، آن الأوان أن يحدث العكس، أن نقرأ الأدب الأمازيغي، أن نسمع الموسيقى الأمازيغية، أن نعرف تاريخ الممالك التي قامت في شمال أفريقيا، وأن نفهم تنوع الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، بدل أن نضعها كلها في صورة واحدة.

وأن نكتشف أن المغرب العربي الكبير ليس مجرد تسمية جغرافية، بل عالم واسع من اللغات والذاكرات والهويات. فالشرق ليس هو العالم العربي كله، والمغرب ليس نسخة بعيدة من المشرق؛ بينهما قرابة، نعم، لكن القرابة لا تعني التطابق، وهذه ربما هي الحكمة التي تأخرنا كثيراً في فهمها: يمكن أن نكون إخوة دون أن نكون نسخاً من بعضنا، إذ إن الأمازيغي ليس عربياً لكي يكون قريباً منا، والعربي ليس أمازيغياً لكي يكون جديراً بالاحترام.

يكفي أن يكون إنساناً يحمل تاريخاً، ولغة، وذاكرة، وأرضاً، وأجداداً، وعندما ينظر المشرق إلى الأمازيغ من جديد، ربما عليه ألا يسأل هذه المرة: من أين جاءوا؟ بل أن يسأل: كم من التاريخ كنا نعيش إلى جوارهم، ولم نعرفه؟ فربما لم يكن أمازيغ يوماً بعيدين عن المشرق كما ظن المشرق، ربما الذي كان بعيداً حقاً هو المعرفة، وآن لها أن تعود.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)