سيرة الخراب: من عباءة ابن خلدون إلى صرخة المتنبي

أحمد الشريفي
"القوة العارية لا تحفظ دولة"- CC0
"القوة العارية لا تحفظ دولة"- CC0
شارك الخبر
الحضارات لا تموت غيلةً، بل تنتحر صمتاً، فالخراب الأكبر لا يطرق أبواب الأمم بهتافات الفاتحين أو قعقعة السلاح عند الثغور، بل يتسلل في عتمة الوعي كمرضٍ استيطانيّ ينهش أوتادها الأخلاقية خيطاً بعد خيط، حتى إذا ما تآكل الجوهر، هوى السقف بضربة كفٍّ عابرة.

السقوط في جوهره ليس مشهداً عسكرياً يتصدر فصول النهاية، بل هو زلزال بنيويّ يبدأ يوم يصبح الظلم ناموساً مبرراً، ويتحول التملق إلى صكّ نجاة وحيد، ويغدو الحق حماقةً تُورث صاحبها الشقاء والعزلة، بينما يُتوّج الانتهازي بطلاً حكيماً في محافل الدهماء والساسة، إنها شفرة الفناء الحتمي؛ القانون الصارم الذي لا يتبدل بتبدل العصور، بل يعيد إنتاج مآسيه بأسماء مستعارة تحت شمس كل حاضر مأزوم.

ولأن الحاضر ليس إلا صدى لصلصلة الماضي، فإننا نمزّق حجاب الزمن لنستنطق ثلاثة أقانيم فكرية، امتلكت عيوناً زرقاء رأت الانهيار قبل وقوعه بقرون: عبد الرحمن بن خلدون الذي وضع مشرطه على عصب السلطة وهرم الدولة، وأبو عثمان الجاحظ الذي عرّى سيكولوجيا النفاق في قاع المجتمع، وأبو الطيب المتنبي الذي صاغ بنبض دمه صرخة العقل المغترب في زمن الموازين المقلوبة.

من هنا، من نقطة التماس بين النبوءة التاريخية والواقع المعاش، نفتح كتاب الخراب.

ابن خلدون: هندسة الاستبداد وتفكيك العمران
عبد الرحمن بن خلدون الذي وضع مشرطه على عصب السلطة وهرم الدولة، وأبو عثمان الجاحظ الذي عرّى سيكولوجيا النفاق في قاع المجتمع، وأبو الطيب المتنبي الذي صاغ بنبض دمه صرخة العقل المغترب في زمن الموازين المقلوبة

لم يكن عبد الرحمن بن خلدون مجرد مؤرخ يجمع أخبار الملوك ويحصي سنوات الحروب، بل كان فيلسوفاً يبحث عن العصب المحرك للتاريخ، وللتاريخ عادة لا يملّها، وقد نظر إلى الدولة بوصفها كائناً حياً، يمر بأطوار طبيعية من النشأة والازدهار ثم الهرم والانحلال.

وفي قلب نظريته الفلسفية يقبع مفهوم العصبية؛ تلك الرابطة الاجتماعية والديناميكية التضامنية التي تمنح الجماعة قدرتها على التماسك والتعاون والدفاع عن وجودها، في البدايات، تكون العصبية طاقة بنائية تجمع القلوب حول هدف مشترك، وبها تشاد الدول وتثبت أركان العمران.

لكن العبقرية الخلدونية تتبدى في كشف الخطر الكامن في هذه القوة ذاتها؛ فالسلطة حين تستقر وتتذوق حلاوة الانفراد بالحكم، تبدأ بالانفصال التدريجي عن قاعدتها الأخلاقية والاجتماعية، إذ تتحول العصبية هنا من أداة حماية وبناء إلى وسيلة قهر وإقصاء.

وهنا يصف ابن خلدون تحولاً خطيراً في سلوك السلطة: إذ تعمد فئة الحكم إلى هندسة مشهد انشطاري حاد يقسم الفضاء العام إلى خندقين لا يلتقيان؛ خندق الموالين الخالصين الذين تُغدق عليهم الامتيازات والعطايا؛ لا لكفاءة يملكونها بل لشدة ولائهم المعصوم، وخندق المستقلين أو المعارضين الذين تسلط عليهم سياط التخوين والتهجير بمجرد إبدائهم أدنى اختلاف في الرأي. عبر هذا الشرخ المفتعل، يُضرب السلم الأهلي في مقتل، ويُعاد تعريف الاستقرار في الوعي السائد ليصبح مرادفاً لبقاء فئة معينة في الحكم، ويتحول الوطن بكليّته ليُختزل في شخص أو دائرة ضيقة.

هذا الانحراف الهيكلي الذي تعيشه المجتمعات الحديثة، حين تتحول المؤسسات إلى قطاعات ولاء ومحسوبية، هو ما صاغه ابن خلدون في قاعدته الخالدة: "الظلم مؤذن بخراب العمران".

والظلم في المنظور الخلدوني ليس مجرد اعتداء فردي أو مصادرة مال، بل هو التفكيك الممنهج لعقد الثقة الجماعي. عندما يوقن الناس أن القوانين تُفصَّل لحماية النخبة المستأثرة وتجريد العامة من حقوقهم، يموت حافز الإنتاج، وينطفئ الطموح المشترك، ويتحول المجتمع من فضاء حي للابتكار والمشاركة إلى زنزانة كبيرة محكومة بالوجل والترقب.

إن الدرس الأخطر هنا هو أن القوة العارية لا تحفظ دولة؛ فالهيكل البرّاق للقصور والجيوش لا يخفي حقيقة التآكل الداخلي، والسقوط الحتمي ينتظر كل سلطة استبدلت شرعية العدل بوهم القوة.

الجاحظ: سيكولوجيا الزيف وتحوّل النفاق إلى عُرف جمعيّ

إذا كان ابن خلدون قد فكك حركة التاريخ والدولة من الأعلى، فإن أبا عثمان الجاحظ اقترب من الأرض أكثر، ليتأمل حركة المجتمع من الأسفل؛ متتبعاً سلوكيات البشر، وتشوهاتهم النفسية، وتناقضاتهم اليومية في الأسواق والمجالس وبلاطات الحكام.

لم يكن الجاحظ مجرد لغوي أو قاص ساخر، بل كان رائد المدرسة السيكولوجية في تشريح الزيف الجمعي، لقد أدرك بعمق أن الخراب الأخلاقي لا يكتمل حين يرتكب الفرد ذنباً أو يمارس نفاقاً عابراً، بل حين تُهيأ للمجتمع بيئة ونظام كامل يتبنى النفاق كعُرف وثقافة عامة يُكافأ صاحبها ويُعاقب من يرفضها.

في كتابه البيان والتبيين، يربط الجاحظ ربطاً وثيقاً بين فساد الأخلاق وفساد اللسان، ويرى أن أولى علامات خراب المجتمعات هي انحراف الكلمة، وتحول البلاغة من أداة لكشف الحقيقة إلى وسيلة لطمسها وتزيين الباطل، فالنفاق في التحليل الجاحظي هو صناعة ثقيلة تتطلب تلوناً مستمراً، وفي ذلك يقول في رسائله موصفاً تغلغل التصنع: "إن من نكد الدنيا أن يتصنّع المرء لغير طبعه، ويتحلّى بخلاف صفته، ليقضي حاجةً في نفس غيره.. فإذا كثر المتصنّعون، هلكت الطبائع، وبطلت الحقائق".

حين يتكاثر هؤلاء "المتصنعون" في المجتمع، تنقلب المعايير بنيوياً؛ فتُعد الصراحة خُرقاً وحماقة، وتُسمى النزاهة عجزاً وفشلاً في التدبير، بينما يُحتفى بالانتهازية وتملق أصحاب الجاه بوصفهما ذكاءً اجتماعياً ومرونة في الحياة.

هذا التشوه البنيوي يتقاطع مباشرة مع واقعنا المعاصر؛ حيث تعيد الفضاءات المؤسسية ووسائل التواصل الاجتماعي إنتاج هذا الرياء الجمعي عبر خوارزميات وآليات تكافئ مَن يجيد تجميل الأقنعة وصناعة المظاهر على حساب الجوهر والكفاءة.

وفي كتابه البخلاء، يتجاوز الجاحظ رصد الشح بالمال ليرصد الشح بالحق والفضيلة، إذ إن أخطر مراحل الانحلال المجتمعي عند الجاحظ ليست في ظهور الفاسد أو المنافق، بل في الألفة؛ أي عندما يصبح الفساد مألوفاً، ويغدو الزيف لغة تفاهم مشتركة يتواطأ عليها الجميع بصمتهم. عندها، يفقد المجتمع قدرته على التصحيح الذاتي، ويسود الخوف من مواجهة الأخطاء، فتصبح الكلمة الصادقة غريبة، ويتحول الصادق إلى تهديد للسلم الوهمي الذي بناه المنافقون لحماية مصالحهم.

المتنبي: اغتراب الوعي أمام الموازين المقلوبة

ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ    وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمِ

بهذه الصرخة الوجودية التي تتجاوز حدود الشعر لتصبح حكماً فلسفياً، يلخص أبو الطيب المتنبي مأساة الإنسان الواعي في بيئة طاردة للفكر ومحاربة للتميز، لم يكن بذلك شاهداً عادياً على عصره، بل كان تجسيداً حياً لصراع الكفاءة ضد الادعاء، واستحقاق العقل ضد حظوة التملق.

المشكلة في منظور المتنبي لا تكمن في الجهل بوصفه غياباً للمعرفة، بل في مأسسة الجهل؛ أي عندما يغدو الجهل صاحب نفوذ وسلطة وصوت مسموع، في حين يُدفع بأصحاب العقول والهمم العالية إلى الهامش لأنهم يأنفون من الانحناء ويفشلون في إتقان طقوس المداراة والرياء.

إن مرارة المتنبي تنبع من إدراكه لآليات الصعود الاجتماعي في زمن الرداءة؛ حيث يرى بوضوح كيف تُفتح الأبواب لمن لا يملك من مؤهلات سوى مرونة الرقبة وقدرة اللسان على الثناء الكاذب، بينما يُترك الحر في مواجهة شظف الواقع وعزلة الوعي.

وينقلنا المتنبي إلى عمق معاناة المثقف المستقل الذي تضطره تفاصيل الحياة إلى مداراة واقع لا يشبهه، ومجاملة شخوص لا يقدرون قيمته:

وَمِن نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الحُرِّ أَنْ يَرَى   عَدُوّاً لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

الانهيار المدوي للأمم لا يحدث في لحظة سقوط الجدران أو هزيمة الجيوش، بل يولد ويكتمل في ذلك اليوم الهادئ الذي يرى فيه الناس الخطأ والظلم رأي العين، ثم يختارون، بمحض إرادتهم وطواعية نفوسهم، أن يتعايشوا معه ويسمّوا هذا التعايش حكمةً وذكاءً

هذا النكد الدنيوي هو التعبير الأبلغ عن ضريبة الوعي؛ إذ يتحول العقل المبدع من طاقة دافعة للمجتمع إلى عبء على صاحبه. إن شعر المتنبي يظل حياً وعابراً للأزمنة لأنه يلمس هذا الصراع الأزلي: رداءة تنتصر لا لقوة ذاتية فيها، بل لأن المنظومة الفاسدة تجد راحتها الفكرية في طاعة الجاهل وهدوء المستكين، وتخشى من أسئلة العقل الحر التي تحرك البرك الراكدة وتكشف التناقضات المخفية خلف الستائر.

شفرة التاريخ: الدائرة المغلقة للخراب

إن القيمة الحقيقية في تتبع أفكار هذا الثلاثي؛ ابن خلدون والجاحظ والمتنبي، تكمن في اكتشاف الشفرة التاريخية التي تعيد إنتاج نفسها في كل عصر تتطابق فيه الأسباب والمقدمات، إن الخراب لا يولد فجأة، بل يتحرك في دائرة مغلقة تتغذى أجزاؤها على بعضها البعض:

[سلطة مستبدة تنبذ الكفاءة وتعتمد الولاء] ابن خلدون

[مجتمع يتواطأ مع الزيف ويتخذ النفاق ثقافة للبقاء] الجاحظ

[بيئة خانقة تطرد العقول الحرة وتكرس اغتراب الوعي] المتنبي

تبدأ الدائرة من الأعلى حين تفقد السلطة توازنها الأخلاقي وتستبدل العدالة بالمحسوبية، فتنتقل العدوى تلقائياً إلى الجسد الاجتماعي في الأسفل، ليتحول النفاق والتلون إلى استراتيجية عامة للبقاء اليومي يتواطأ عليها الناس، وينتهي الأمر حتماً بإنتاج بيئة خانقة ومغتربة لأصحاب الكفاءات والعقول، فيُهمش المصلحون ويُقدم الانتهازيون.

إن سيرة الخراب ليست قصة تاريخية تُروى للتسلية، بل هي تحذير فكري مفتوح لكل مجتمع يريد النجاة، فالانهيار المدوي للأمم لا يحدث في لحظة سقوط الجدران أو هزيمة الجيوش، بل يولد ويكتمل في ذلك اليوم الهادئ الذي يرى فيه الناس الخطأ والظلم رأي العين، ثم يختارون، بمحض إرادتهم وطواعية نفوسهم، أن يتعايشوا معه ويسمّوا هذا التعايش حكمةً وذكاءً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)