في
الزنزانة، لا تُقاس
العدالة بما كُتب في القوانين، بل بما ينجو من
الإنسان حين
يُترك وحيدا مع الألم والانتظار.
دخلت "إيراد
06" وأنا أحمل تصورا تقليديا عن مكان مخصص لاستقبال النزلاء بصورة مؤقتة، لكن
ما رأيته على أرض الواقع دفعني إلى التفكير في أسئلة أعمق تتعلق بالعدالة والكرامة
الإنسانية وظروف
الاحتجاز.
في الأدب،
حين أراد دوستويفسكي أن يقترب من الجحيم، لم يرسم نارا ولا قيودا، بل إنسانا يُترك
وحده مع ضميره في مساحة تضيق كلما اتسع الألم. وكافكا من بعده لم يحتج إلى سجنٍ
واضح؛ كان يكفيه باب لا يُفتح، وإجراءات لا تنتهي، حتى يصبح العالم كله زنزانة بلا
اسم.
لكن بين
النصوص والواقع مسافة لا يفهمها إلا من يعبرها بعينيه. أنا لا أكتب هنا عن تأملٍ بعيد، بل عمّا رأيته بنفسي داخل "إيراد
06"، عن رجال لم يكونوا أرقاما في تقرير، بل وجوها تتعب وتنتظر وتقاوم بصمت.
لا أكتب هنا عن تأملٍ بعيد، بل عمّا رأيته بنفسي داخل "إيراد 06"، عن رجال لم يكونوا أرقاما في تقرير، بل وجوها تتعب وتنتظر وتقاوم بصمت
هناك، في
غياهب
السجن العمومي لا يكون صرير الأبواب الحديدية هو الصوت الوحيد، بل ثمة صرير
أعمق: صرير الأرواح وهي تحاول أن تبقى متماسكة رغم كل شيء. رجالٌ جمعهم المكان لا
القصة، لكنهم التقوا في حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها: أنهم بشر. البشر، مهما كانت أخطاؤهم، لا ينبغي أن يتحولوا
إلى ظلال.
"الإيراد" محطة الأولى في سجن موقوفون ومدانون وأبرياء
"الإيراد" ليس مجرد محطةٍ أولى داخل سجن، بل هو عتبةٌ رمادية تتجاور فيها الملامح قبل أن
تتمايز المصائر. هناك تبدأ الأسئلة أكثر مما تبدأ الأحكام: من المذنب حقا؟ ومن
الذي أخطأ في التقدير؟ ومن الذي يدفع ثمن هذا الالتباس الطويل بين القانون
والواقع؟
"الإيراد"،
في جوهره، ليس مكانا بقدر ما هو اختبار مبكر لفكرة العدالة نفسها: هل ترى الأفراد
كما هم.. أم كما تُسجّلهم الأوراق فقط؟
رأيت
الاكتظاظ لا كرقم، بل كضغط يومي على الأنفاس والمسافة والزمن. ورأيت المرض لا
كحالة طبية، بل كألمٍ مؤجل ينتظر دورا قد لا يأتي في وقته. ورأيت الماء، أبسط
الحقوق، يتحول إلى سؤالٍ يومي بين الممكن والمفترض.
لم تكن
القسوة هناك في الجدران وحدها، بل في الجسد نفسه حين يُترك بلا سند. رأيت سوء
التغذية لا كتشخيصٍ طبي، بل كملامح تبهت ببطء، كعظامٍ بدأت تُعلن حضورها تحت
الجلد، وكأجسادٍ هزيلة تُقاوم الحياة أكثر مما تعيشها.
كان
الهواء نفسه جزءا من المعاناة؛ ثقيلا، محصورا، كأنه لا يمرّ عبر الرئتين بل يمرّ
فوقهما فقط، يذكّر الداخلين بأن حتى التنفّس ليس حقا مضمونا بالكامل.
والاكتظاظ
لم يكن مجرد رقمٍ إداري، بل حالة وجودية: أعداد تفوق المكان، تفوق القدرة على
الاحتمال، تفوق المسافة بين إنسانٍ وإنسان. أجسادٌ متقاربة حدّ التلاصق، ومع ذلك
تفصل بينها مسافات غير مرئية من التعب والانكسار والصمت.
في هذا
المشهد، لا يعود الجوع نقصا في الطعام فقط، بل نقصا في
الكرامة الممتدة عبر
الأيام. ولا يعود الضيق مجرد مساحة، بل طريقة عيش كاملة تُختصر في سؤال واحد: كيف
يمكن للإنسان أن يظل إنسانا في مكانٍ يُصمَّم ضد الإنسان؟
في هذه
التفاصيل الصغيرة تتشكل الصورة الكبرى: السجن ليس مجرد مكان عقوبة، بل امتحان
لمعنى العدالة نفسها.
إخوةُ
الأيام القاسية الذين جمعتهم جدرانُ "إيراد 06"
لم أكن
أرى "نزلاء"، بل وجوها تحمل قصصا متباينة، يجمعها خيط واحد: انتظار طويل
لما يشبه الإنصاف، أو على الأقل الكرامة.
الحديث عن أوضاع الاحتجاز ليس مواجهة مع الدولة أو مؤسساتها، بل هو جزء من أي نقاش مشروع حول تطوير الأداء وتحسين الخدمات وتعزيز قيم العدالة
ومن بين
من رأيتهم، كانت شخصيات مختلفة الطباع، لكنها تلتقي تحت ثقل التجربة نفسها؛ عبد الله
القحطاني بدا كمن يخوض صراعا داخليا أعمق من الجدران التي حوله. وفهد الفضلي حمل
هدوءا ظاهريا يخفي إصرارا على ألا ينكسر. وجاسم الفودري كان أقرب إلى صمتٍ يقول
أكثر مما تقوله الكلمات. وإبراهيم الزبيدي كان ينظر إلى ما وراء المكان، كأن فكرة
الحرية لم تغادره رغم القيود.
ليست هذه
مقارنة أدبية بقدر ما هي محاولة لفهم ما يفعله السجن بالإنسان: كيف يكشفه،
ويختبره، ويضعه أمام نفسه مجردا إلا من إنسانيته.
إن الحديث
عن أوضاع الاحتجاز ليس مواجهة مع الدولة أو مؤسساتها، بل هو جزء من أي نقاش مشروع
حول تطوير الأداء وتحسين الخدمات وتعزيز قيم العدالة. فالمؤسسات القوية هي تلك
التي تراجع نفسها باستمرار وتسعى إلى معالجة أوجه القصور كلما ظهرت.
ويبقى
السؤال الذي لم يفارقني: إذا
كانت العدالة تُمارَس باسم الإنسان، فكيف تُقبل أي ممارسة تمس جوهر إنسانيته؟
فالعدالة
لا تُقاس بارتفاع الأسوار، ولا بعدد الأقفال، بل بمدى احترام الإنسان داخلها.
وعندما يتحول "الإيراد" إلى مكان يفتقد الماء والعلاج والمساحة والأمان،
فإن السؤال الأكبر يبقى معلقا: مَن يحاسب مَن؟
وإذا كان
السجن عقوبة على فعلٍ ارتُكب، فما الذنب الذي اقترفته الكرامة الإنسانية حتى
تُعاقَب هي أيضا؟
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.