الحلقة الثالثة:
من الكشف إلى التكليف.. كيف نعرف العدل؟ ولماذا الالتزام به واجب؟
انتهينا في
الحلقتين السابقتين إلى نتيجة مفصلية: ليست أزمة
العدالة اليوم في كثرة الحديث
عنها، بل في غياب معيار موضوعي يُحتكم إليه عند الاختلاف. وانتهينا كذلك إلى أن
القرآن يطرح "الميزان" بوصفه هذا المعيار؛ فهو ليس حكماً بشرياً متغيراً،
بل ناموسٌ أودعه الله في بنية الوجود، ومعيارٌ تكليفيٌ أُمر به في التشريع. غير أن
إثبات وجود معيار موضوعي لا يكفي وحده؛ إذ يظل السؤالان الحاسمان قائمين: كيف يعرف
الإنسان هذا الميزان؟ وإذا عرفه، فلماذا يصبح الالتزام به واجباً؟ فبدون الإجابة
عنهما تظل نظرية العدالة ناقصة، مهما بلغت قوة تعريفها للمعيار.
أولاً: كيف يعرف
الإنسان العدل؟ (الميزان المعرفي)
لا تقوم نظرية
الميزان على إسقاط قوانين الطبيعة على الأخلاق، ولا على الخلط بين العالم المادي
والعالم الإنساني، وإنما على وجود تناظر بنيوي بينهما؛ ولا يعني هذا التناظر تماثل
القوانين الفيزيائية والأخلاقية، بل اشتراك النظامين الكوني والتشريعي في البنية
العامة للتناسب والاستقامة، وإن اختلف مجال التطبيق وآلية السريان. فالكون ينتظم
بالميزان وصفاً وحتماً، بينما يُكلَّف الإنسان بإقامته اختياراً وتكليفاً.
يتجاوز الميزان الخصوصية العقدية الضيقة؛ فهو ليس حكراً على المؤمن وحده، بل بما أن الفطرة والعقل ينتميان لجوهر بنيته المعرفية، فإن أي اجتماع بشري قادرٌ على اكتشاف قواعده وبناء عمران عادل بها، غير أن الوحي يمنح هذا الميزان شموليته وضمانته المعيارية حمايةً له من النسبيّة والانحراف
ويشير القرآن إلى
هذا الانتقال في بناء سورة الرحمن؛ إذ يذكر تعليم القرآن، وخلق الإنسان، وتعليمه
البيان، ثم يقرر: "وَوَضَعَ الْمِيزَانَ"، ليعقب مباشرة بالأمر: "أَلَّا
تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ". وكأن الآيات تنقل الإنسان من مشاهدة النظام في
الكون إلى مسؤوليته عن إقامة العدل في الاجتماع.
ومن هنا، تنطلق
نظرية الميزان من أن معرفة العدل لا تستند إلى مصدر واحد، بل إلى تكامل الفطرة
والعقل والوحي في ميزان معرفي واحد.
- الفطرة: استعداد إدراكي وأخلاقي مغروس في أصل الخلقة،
لا يمنح الإنسان أحكاماً تفصيلية، وإنما يهيئه لإدراك القيم الأخلاقية، كالعدل
والصدق، واستقباح أضدادها من حيث الأصل، قبل الخوض في التفاصيل الاستدلالية
المركبة.
- العقل: أداة
الفهم والتأمل؛ ووظيفته فهم الواقع والتثبت منه، وتنزيل مبادئ الميزان على الوقائع
المركبة، كما يجتهد في تمييز ما هو ثابت من مقاصده وما هو متغير من تطبيقاته في
ضوء ظروف الزمان والمكان.
- الوحي: النور
الهادي والمعيار الحاكم؛ يكشف مجال الاجتهاد وحدوده، ويحميه من الانحراف تحت ضغط
الهوى، أو المصلحة، أو القصور المعرفي.
وبدلاً من طرح
الميزان كبديلٍ عن الشريعة أو اسمٍ آخر لها، يبرز الميزان بوصفه المعيار الحاكم
والعلة الغائية التي تتجسد الشريعة في أحكامها لتطبيق العدل في الأرض. ومن هذا
المنطلق، يتجاوز الميزان الخصوصية العقدية الضيقة؛ فهو ليس حكراً على المؤمن وحده،
بل بما أن الفطرة والعقل ينتميان لجوهر بنيته المعرفية، فإن أي اجتماع بشري قادرٌ
على اكتشاف قواعده وبناء عمران عادل بها، غير أن الوحي يمنح هذا الميزان شموليته
وضمانته المعيارية حمايةً له من النسبيّة والانحراف.
ثانياً: أنطولوجيا الإلزام.. لماذا الالتزام بالعدل
واجب؟
غير أن معرفة
الميزان لا تفسر وحدها سبب الالتزام به. فالقرآن لا يكتفي بالكشف عن النظام الذي
يحكم الوجود، بل ينقل الإنسان من إدراكه إلى مسؤوليته عنه؛ فالذي وضع الميزان في
بنية الخلق هو نفسه الذي أمر بإقامته في حياة الناس. ولذلك لا يكون العدل مجرد
حقيقة تُعرف، بل أمانة تُحمل، ولا مجرد قيمة يُعجب بها الإنسان، بل تكليف ينهض به
في مجال اختياره وابتلائه.
غير أن هذا
التصور يثير سؤالاً فلسفياً أعمق: هل يكفي وجود معيار موضوعي لإنتاج واجب أخلاقي؟ وهنا
نجد أنفسنا في مواجهة المأزق الفلسفي الشهير الذي طرحه "ديفيد هيوم"،
والمتعلق بالانتقال من الوصف إلى الإلزام (من "ما هو كائن" إلى "ما
ينبغي أن يكون").
وتسلِّم نظرية
الميزان بصحة اعتراض هيوم في إطار الأنطولوجيا المادية المغلقة، التي تنظر إلى
الكون بوصفه وقائع مادية محايدة خالية من الغاية؛ إذ لا يمكن بالفعل استخراج واجب
أخلاقي من حقيقة مادية مجردة. غير أن نظرية الميزان تتجاوز هذا الإشكال عبر تفكيك
الفرضية التي بنى عليها هيوم اعترافه:
الوجود القرآني
ليس وجوداً محايداً: "الكائن" في الرؤية القرآنية ليس مادة صماء، بل
وجودٌ غائيٌّ مشحون بالآية والغاية؛ فالنظام الكوني لم يُخلق عبثاً، بل وُضع
بميزان يدل على الحكمة والمقصد.
الواجب يتبع
الأمر الإلهي الشارح للوجود: إن التكليف (ما ينبغي) لا ينبع منطقياً من مجرد رؤية
الميزان الكوني المادي، بل ينبع من الأمر الإلهي الشارح للوجود ومقاصده.
أما اختلاف البشر
في فهم العدل وتطبيق تفاصيله، فلا يدل على غياب المعيار، وإنما يدل على تفاوتهم في
إدراكه وقصورهم عن إحاطته؛ تماماً كما أن اختلاف العلماء في تفسير ظاهرة طبيعية لا
يعني أن قوانينها غير موجودة، بل يكشف حدود المعرفة البشرية في اكتشافها، وهو
تشبيهٌ يستقيم على مستوى مبدأ إمكان الخطأ والقصور في الإدراك البشري، لا على
مستوى طبيعة البرهان وآليات الاختبار التجريبي.
ثالثاً: الرد على
معضلة أوثيفرو
تواجه نظرية
الميزان كذلك معضلة "أوثيفرو" الشهيرة، التي صاغها أفلاطون في السؤال:
هل يكون الفعل عدلاً لأن الله أمر به، أم أن الله أمر به لأنه عدل في ذاته؟
وترى النظرية أن
هذا السؤال يقوم على افتراض غير مُسلَّم به؛ إذ يفترض إمكان الفصل بين الإرادة
الإلهية والحكمة الإلهية، وكأنهما حقيقتان مستقلتان يمكن تصور إحداهما بمعزل عن الأخرى.
أما الرؤية القرآنية، فتنطلق من أن العدل متجذر في الحكمة الإلهية، وأن الحكمة
والإرادة لا تنفصلان في الذات الإلهية.
ومن ثم، فالميزان
ليس قانوناً قائماً خارج الله حتى يكون الأمر الإلهي تابعاً له، ولا هو مجرد إرادة
اعتباطية تكتسب بها الأفعال قيمتها الأخلاقية، بل هو التعبير التكويني والتشريعي
عن الحكمة الإلهية التي أودعها الله في بنية الوجود، ثم كشفها للإنسان بالوحي،
وكلفه بإقامتها في مجال اختياره.
رابعاً: أثر
الميزان في التاريخ واستقرار العمران
إن الاستقراء التاريخي يبيّن أنه لا يكفي اختلال القوة المادية وحده لتفسير سقوط الحضارات، بل يتسارع السقوط حين يفقد النظام الاجتماعي بوصلته الأخلاقية. وبناءً عليه، تتعدى استعادة الميزان حدود الترف الفكري، لتغدو شرطاً أساسياً لدوام العمران واستقرار الاجتماع الإنساني
يتجاوز الميزان
حدود التجريد الفكري ليعمل كمبدأ سنني يمارس أثره المباشر في حركة
المجتمعات؛ فحين
يُرفع الميزان وتُستبدل به القوة أو الهوى، تتهاوى الشرعية العادلة، وتنطلق دورة
الانهيار الحضاري.
فقد تستمر
الأنظمة الظالمة زمناً بما تمتلكه من أسباب القوة المادية، وفق سنة الإمهال
والابتلاء، غير أن الإخلال بالميزان يتسبب في تراكمات بنيوية؛ حيث يبدأ الاختلال
في القيم والمعايير، فيفرز تآكلاً في الثقة بين الحاكم والمحكوم، ينتهي إلى تفكك
الرابطة الجامعة للعقد الاجتماعي.
إن الاستقراء
التاريخي يبيّن أنه لا يكفي اختلال القوة المادية وحده لتفسير سقوط الحضارات، بل
يتسارع السقوط حين يفقد النظام الاجتماعي بوصلته الأخلاقية. وبناءً عليه، تتعدى
استعادة الميزان حدود الترف الفكري، لتغدو شرطاً أساسياً لدوام العمران واستقرار
الاجتماع الإنساني.
خاتمة
وهكذا تنتهي هذه
الحلقة إلى أن العدالة، في الرؤية القرآنية، ليست ثمرة اتفاق اجتماعي طارئ، ولا
نتاج مصلحة متغيرة، بل تقوم على ميزان موضوعي أودعه الله في الوجود، وهيأ الإنسان
لإدراكه، ثم كلفه بإقامته. فالإنسان لا يُطلب منه أن يبتكر معيار العدل، وإنما أن
يكتشفه، ثم يجتهد في تنزيله على الواقع.
غير أن أي أطروحة
لا تكتمل بمجرد عرض أركانها، بل بقدرتها على تحصين بنائها الداخلي وتجلية مقاصدها.
ولأن من حق القارئ -حتى المؤمن بضرورة الميزان- أن يتساءل عن آليات هذا التنظير،
ودوافع مساره، والجديد الذي يراهن على تقديمه في مواجهة الأزمات المعيارية
المعاصرة؛ ستُخصص الحلقة القادمة لإجابة هذه الاستفسارات المنهجية، وضبط التعريفات
الأساسية لنظرية الميزان، وتمهيد أرضيتها الصلبة قبل الدخول في سجال مباشر مع
نظريات العدالة والعقد الاجتماعي الحديثة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.