مقدمة
يُقدَّم
العدل في بعض الخطابات الدينية بوصفه قيمة
أخلاقية عامة، بينما تُعد مقاومة
الظلم موقفاً ظرفياً أو سياسياً. غير أن القراءة
القرآنية تكشف أن العدل ليس قيمة إضافية، بل مبدأ منظِّماً لعمران الاجتماع
الإنساني، وأن مقاومة الظلم امتداد طبيعي له.
وتشيع نزعة معاصرة تُضفي على الحياد الأخلاقي صفة
الفضيلة المطلقة حتى في سياقات الاستبداد والاحتلال وانتهاك الحقوق. ويثير ذلك
سؤالاً جوهرياً: هل يقر القرآن هذا الحياد، أم أن الصمت عن الظلم عند القدرة يتحول
إلى جزء من آلية إعادة إنتاجه؟
ولا يعني الحديث عن هلاك الظالمين تقرير عقوبة فورية
لكل ظلم، بل الإشارة إلى سنن إلهية مطّردة قد يتأخر ظهور آثارها عبر الإمهال
والاستدراج والتآكل الحضاري والمؤسسي، قبل أن تتجلى في انهيار تاريخي أو مؤاخذة
أخروية. قال تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ" (إبراهيم: 42)، وقال: "سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ
لَا يَعْلَمُونَ" (الأعراف: 182).
الصمت عن الظلم عند القدرة لا يضر الضحايا فحسب، بل يسهم في تطبيع الانتهاك وإضعاف الحس الأخلاقي العام
وتعتمد هذه الدراسة المنهج التحليلي التأويلي مع
المقاربة المقاصدية والمنهج الموضوعي في جمع النصوص وتحليلها ضمن نسق مفهومي واحد.
أولاً: العدل أساس العمران الإنساني
يضع القرآن العدل في قلب الرسالة الإلهية: "إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" (النحل: 90)، و "لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ" (الحديد: 25).
ويمكن التمييز بين: العدل بوصفه معياراً أخلاقياً، والقسط
بوصفه التجسيد المؤسسي لهذا المعيار. فإذا استقر الظلم داخل المؤسسات والأنظمة
تحول إلى انحراف بنيوي يهدد شروط البقاء الحضاري.
ثانياً: الظلم بوصفه تهديداً بنيوياً
لا ينظر القرآن إلى الظلم باعتباره خطأً فردياً معزولاً،
بل بوصفه إخلالاً ممنهجاً بالحقوق والكرامة والعدالة. ويمكن تعريفه بأنه: كل إخلال
بوضع الأشخاص والحقوق في مواضعها المستحقة بما يؤدي إلى اختلال أخلاقي واجتماعي
وعمراني.
ومن ثم فإن الصمت عن الظلم عند القدرة لا يضر الضحايا
فحسب، بل يسهم في تطبيع الانتهاك وإضعاف الحس الأخلاقي العام، وهو ما تشير إليه
الآية: "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ" (النساء: 75).
ثالثاً: التمييز بين الحياد الإجرائي
والحياد الأخلاقي
تقترح القراءة القرآنية التمييز بين نوعين من الحياد:
- الحياد الإجرائي أو المعرفي: ويعني النزاهة في الحكم
والشهادة والتحقق من الوقائع، وهو مطلوب لتحقيق القسط.
- الحياد الأخلاقي: ويعني الامتناع عن نصرة الحق أو
الشهادة له عند القدرة، بما يؤدي عملياً إلى التسوية بين الظالم والمظلوم، وهو ما
لا يقره القرآن.
قال تعالى: "وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ"
(البقرة: 283)، وقال: "كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ"
(النساء: 135).
غير أن رفض الحياد الأخلاقي لا يلغي قيم الإصلاح
والعفو، بل يجعل الغاية الدائمة هي حفظ الحق وإزالة الظلم وفق مقتضيات الحكمة
والمآل: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (فصلت: 34).
رابعاً: مقاومة الظلم وضوابطها الأخلاقية
يقر القرآن مشروعية مقاومة الظلم، لكنه يحيطها بضوابط
تمنع تحولها إلى ظلم جديد: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا" (البقرة: 190).
كما يربط الإذن بالمقاومة بوقوع الظلم: "أُذِنَ
لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا" (الحج: 39)، ويجيز التحول إلى
السلم إذا زال موجب الاعتداء: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا"
(الأنفال: 61).
وعليه فإن دفع الظلم يظل غاية أخلاقية لا وسيلة لإنتاج
ظلم مضاد.
خامساً: التدافع والسنن الاجتماعية
يشير القرآن إلى مبدأ التدافع بوصفه آلية تمنع احتكار
الفساد للمجال العام: "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ" (البقرة: 251). ولا يعني التدافع تمجيد الصراع، بل
حماية العدل عبر وسائل فكرية وقانونية ومدنية ومؤسسية.
ويربط القرآن كذلك بين العدل والظلم وبين سنن اجتماعية
مطردة، أبرزها:
- سنة التغيير: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ" (الرعد: 11).
- سنة الإمهال والاستدراج: "سَنَسْتَدْرِجُهُم"
(الأعراف: 182).
- سنة الهلاك الحضاري عند استقرار الظلم: "وَتِلْكَ
الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا" (الكهف: 59).
سادساً: بناء الشروط المؤسسية للعدل
لا تقتصر مقاومة الظلم على رفع الاعتداء القائم، بل
تشمل بناء المؤسسات التي تمنع إعادة إنتاجه، مثل القضاء العادل، وأداء الأمانات،
والشورى، وكل الآليات التي تحمي المجال العام وتصون الشهادة للحق.
سابعاً: تشخيص الظلم في السياق المعاصر
يثير الحديث عن مقاومة الظلم سؤالاً عملياً يتعلق
بكيفية تشخيصه في الواقع المعاصر؛ إذ لم تعد أنماط الظلم مقتصرة على الاعتداءات
الفردية المباشرة، بل أصبحت تتجسد كذلك في بنى مؤسسية وتشريعية واقتصادية قد تنتج
التمييز أو الإقصاء بصورة منهجية.
ومن منظور قرآني مقاصدي، لا يكفي الاحتكام إلى
الانطباعات الذاتية أو الولاءات الأيديولوجية للحكم على وجود الظلم، بل ينبغي
الاستناد إلى جملة من المؤشرات الموضوعية، من أبرزها:
- انتهاك الكرامة الإنسانية أو الاعتداء على الحقوق
الأساسية.
- الإخلال بمبدأ المساواة أمام القانون أو التمييز غير
المشروع بين الأفراد والجماعات.
- احتكار السلطة أو الثروة بما يمنع تكافؤ الفرص ويؤدي
إلى الإفساد في المجال العام.
- تعطيل آليات المساءلة والمحاسبة ومنع الشهادة الحرة
أو التعبير المشروع.
- تحويل الفئات الضعيفة أو المستضعفة إلى موضوع دائم
للتهميش أو الإقصاء.
وعليه، فإن تشخيص الظلم في العصر الحديث لا يتحقق
بمجرد الانحيازات السياسية أو العاطفية، وإنما عبر فحص البنى والمؤسسات والسياسات
في ضوء مقاصد العدل والقسط وصيانة الكرامة الإنسانية.
ثامناً: القسط بوصفه منظومة مؤسسية
الشهادة للحق ومقاومة الظلم، في حدود الضبط القرآني، ليستا مجرد خيارين فرديين، بل شرطاً لحفظ الإنسان والمجتمع وصيانة القسط الذي يقوم عليه العمران
لا يقتصر القسط في الرؤية القرآنية على الوعظ الأخلاقي
أو الموقف الفردي، بل يقتضي إنشاء الأطر المؤسسية القادرة على حماية الحقوق ومنع
إعادة إنتاج الظلم.
ومن ثم فإن ترجمة القسط إلى الواقع الحضاري تستلزم
بناء منظومة مؤسسية تقوم على جملة من المبادئ، منها:
- استقلال القضاء ونزاهته بوصفه الضامن الأول للحقوق.
- خضوع السلطة للمساءلة القانونية ومنع احتكارها.
- صيانة الحريات الأساسية التي تتيح الشهادة للحق
والنقد والإصلاح.
- ترسيخ مبدأ الشورى والمشاركة العامة في صناعة
القرار.
- حماية المال العام ومنع الفساد بوصفه أحد أشكال
الظلم البنيوي.
وبذلك يغدو العدل في التصور القرآني ليس مجرد فضيلة
أخلاقية، بل نظاماً حضارياً متكاملاً يجمع بين الضمير الفردي والبنية المؤسسية،
ويحول دون تحول الظلم إلى جزء طبيعي من انتظام المجتمع.
خاتمة
تؤكد الرؤية القرآنية أن العدل شرط لاستمرار العمران
الإنساني، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في وقوع الظلم فحسب، بل في تطبيعه حتى يصبح
مألوفاً لا يستفز مقاومة أخلاقية أو اجتماعية. وعندئذ يتحول الصمت إلى حياد زائف
يضعف المسؤولية الأخلاقية ويُسرِّع التآكل الداخلي للمجتمعات.
ومن ثم فإن الشهادة للحق ومقاومة الظلم، في حدود الضبط
القرآني، ليستا مجرد خيارين فرديين، بل شرطاً لحفظ الإنسان والمجتمع وصيانة القسط
الذي يقوم عليه العمران.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.