نظرية الميزان: حوار في العدالة والقرآن والعقد الاجتماعي (1)

محمد عزت الشريف
"مَن يصنع الميزان؟"- pixabay/Souandresantana
"مَن يصنع الميزان؟"- pixabay/Souandresantana
شارك الخبر
الحلقة الأولى: مأزق المعيار.. لماذا تضل العدالة طريقها؟

تمهيد: المفارقة الكبرى

ثمّة اتفاق شِبه كوني بين البشر على حب "العدالة" والتبشير بها؛ فالجميع -أفراداً، ومجتمعات، ونظريات سياسية، وفلسفات عبر التاريخ- يرفعون شعار العدل وينادون بإقامته. لكن هذا الاتفاق المطلق على القيمة ينقلب إلى نزاع مستعِر وممتد بمجرد الانتقال إلى التطبيق.

إن الأزمة الحقيقية في قضية العدالة ليست أن البشر يختلفون في حبها، وإنما أنهم يختلفون في "المِعيار" الذي يحتكمون إليه حين يَصِفون فعلاً أو قانوناً بأنه عدلٌ أو ظلم. فالذي يراه طرَفٌ ما إنصافاً مطلقاً، قد يراه طرف آخر سحقاً لكيانه؛ ومردّ ذلك ليس غياب الضمير بالضرورة، بل اختلاف "الموازين" التي يقيس بها كل طرفٍ حقوقَه وواجباته.

ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي والمنهجي الذي يستحق أن يُطرح كأرضية لكل بحث جادّ: ليس "ما العدالة؟"، بل "بأي معيار نَعرِف أن ما نَصِفه بالعدل هو عدلٌ حقاً؟".

تِيْهُ المعايير: مَن يصنع الميزان؟

حين تَتبّعَت البشرية إجابة هذا السؤال، انقسمت الفلسفات والنظريات السياسية إلى مَشارب شتى، حاولت كل منها إيجاد مرجعية تُقاس عليها الأحكام.

في الفلسفة اليونانية القديمة، رُبطت العدالة بـ"النظام الطبيعي" أو التناغم؛ فكان العدل عند أفلاطون هو أن يلزم كل فرد مرتبته التي تؤهله لها طبيعته في المجتمع. ومع بزوغ العصر الحديث، انزاح المعيار نحو "الإرادة البشرية المحضة"، وظهرت نظريات "العقد الاجتماعي" (مع هوبز، ولوك، وروسو، وصولاً إلى صياغتها المعاصرة عند جون رولز)، حيث أصبحت العدالة ثمرة "اتفاق" أو تعاقد يرتضيه البشر لتنظيم مصالحهم؛ أي أن الإنسان هنا هو من "ينشئ" معيار العدالة بإرادته الحرة ووفق شروطه الاجتماعية.

وفي المقابل، ذهبت المدارس النفعية والبراغماتية إلى جعل "المنفعة والمصلحة" هي القياس؛ فالقانون العادل هو الذي يحقق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. غير أن هذا التعدد في المرجعيات يضع العقل الإنساني أمام مأزق بنيوي: إذا كانت المعايير نسبية وتتغير بتغير المصلحة، أو الزمان، أو موازين القوى، فكيف نحمي "العدالة" من أن تتحول إلى أداة في يد القوي يُشرِّع بها استبدادَه باسم الحق؟ وكيف نُرجِّح بين تعريفين متعارضين للعدل إذا كان كل منهما ينطلق من ميزان يعترف به أصحابُه وحدهم؟

الفلسفة التعددية والنسبية الأخلاقية

أمام هذا التِيْه المعرفي، رأت مدارس تفكيكية معاصرة (أشار إليها فلاسفة مثل آيزايا برلين وريتشارد رورتي) أن وجود الاختلاف البشري حول القيم هو الأصل، وأن الأخلاق والعدالة متعددة بطبيعتها وليست بحاجة لمعيار كوني واحد أو متعالٍ؛ إذ لا وجود -في نظرهم- لحقيقة موضوعية مطلقة تجمع البشر خارج سياقاتهم الثقافية والاجتماعية.

القرآن الكريم يلفت النظر إلى هذا المفهوم (الميزان) بترتيب وبناء يثير دهشة العقل؛ فهو لا يورده كأداة جزئية في بيع أو شراء، بل يضعه في قلب بناء كوني عظيم يمتد بين السماء والأرض

لكن الاستسلام لهذه النسبية المطلقة يحمل في طياته خطراً داهماً؛ فهو يفرغ "العدالة" من جوهرها ويجعلها مجرد فكرة تخضع لموازين القوى والتفاوض البشري القابل للتبدل. وإذا غاب المعيار الموضوعي المشترك، تحول العالم وظيفياً إلى صراع إرادات، يفرض فيه الأكثر قدرة "عدالته الخاصة" على المستضعفين، وهو ما نلمسه عياناً في بنية النظام الدولي المعاصر وصراعاته.

التحول نحو "الأسبقية المعرفية"

إن هذا الارتباك الفلسفي الإنساني يثبت أن محاولة تعريف "العدل" كحكم أو كممارسة قبل الاتفاق على "المعيار" الذي يقاس به، هي محاولة لوضع العربة أمام الحصان. فلا يمكن إقامة وزن مستقيم بميزان مختل، كما لا يمكن حسم النزاع حول أطوال الأشياء دون وجود "وحدة قياس" ثابتة ومستقلة عن رغبات المتنازعين.

لذلك، فإن الخطوة المنهجية الأولى لا تبدأ من إطلاق الأحكام، بل من فحص "الآلة" التي نصدر بها الأحكام. ونحن هنا لا نرفض الجهود الفلسفية الإنسانية في فهم العدالة، بل ننظر إليها بوصفها محاولات جادة واجهت بها البشرية أعقد قضاياها. غير أن هذا التعارض والارتباك يعيدنا مجدداً إلى البحث عن مصدر متعالٍ ومستقل، معيار لا يصنعه الإنسان لخدمة مصالحه، بل يكتشفه الإنسان ليضبط به مساره.

وهذا التحول من السؤال عن "الفعل" إلى السؤال عن "المعيار الأسبق"، هو ما يفتح الباب واسعاً لإعادة قراءة النصوص التأسيسية الكبرى التي عالجت الوجود الإنساني؛ وعلى رأسها القرآن الكريم، الذي لم يكتفِ بالدعوة إلى العدل والقسط، بل قدم مفهوماً أعمق وأشمل، يمثل مرجعية القياس الحاكمة: مفهوم "الميزان".

تمهيد للحلقة القادمة

إذا كان تيه المعايير البشرية يقودنا إلى البحث عن مرجع ثابت، فإن القرآن الكريم يلفت النظر إلى هذا المفهوم (الميزان) بترتيب وبناء يثير دهشة العقل؛ فهو لا يورده كأداة جزئية في بيع أو شراء، بل يضعه في قلب بناء كوني عظيم يمتد بين السماء والأرض.

فهل يقوم هذا الوجود كله -بقوانينه الفيزيائية وقيمه الأخلاقية- على ميزان واحد متعالٍ يكتشفه الإنسان ولا يخترعه؟ وكيف ينتقل الميزان في الرؤية القرآنية من الفضاء الكوني إلى الفضاء التشريعي والاجتماعي؟

هذا ما سنبدأ باختباره ومحاورته في الحلقة القادمة، تحت عنوان: "الميزان بين السماء والأرض".


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)