الإنسان
بطبعه يحتاج إلى قدوة، نحن لا نتعلم كيف نعيش من الكتب وحدها، بل نراقب من نُعجب
بهم ونحاكيهم دون وعي. الطفل يقلد أباه، والشاب يقلد نجمه المفضل، والموظف يقلد
مديره الناجح. هذه الغريزة نافعة في أصلها، لكنها تتحول إلى مأزق حقيقي حين يُحسن
أحدهم استثمارها.
وما نراه
اليوم ليس وليد صدفة ولا خاطراً عابراً؛ حين يريد مهندس
الوعي تمرير فكرة يرفضها
المجتمع، لا يواجه الجماهير بحجج فلسفية مركبة، بل يبحث عن شخصية كاريزمية، أو
عالم بارز، أو مؤثر رقمي يتبنى تلك الفكرة. ومن خلال الارتباط العاطفي بهذه
الشخصية، يذوب الرفض تدريجياً، لتتحول الفكرة المستهجنة من موضع نفور واحتقار إلى
أسلوب حياة يُحتذى به.
يستند هذا
الاختراق علمياً إلى ركائز علم النفس الاجتماعي، وفي مقدمتها نظرية التعلم
الاجتماعي لألبرت باندورا، والتي تثبت أن الإنسان لا يتعلم بالتجربة وحدها، بل
بملاحظة الآخرين؛ إذ يرصد الفرد شخصاً ناجحاً أو ذكياً أو مشهوراً، فيمتص قناعاته
دون إخضاعها لأي فحص نقدي.
ويُكمل
هذا التفسير ما يُعرف بتأثير الهالة؛ إذ يميل العقل إلى تعميم تقييمه الإيجابي
لصفة واحدة في شخص ما -كالتميز في الفيزياء أو الطب أو الفن- على سائر خياراته
وقناعاته الوجودية. وحين يُضاف إلى ذلك ما يُعرف بالعلاقات شبه الاجتماعية (وهي
الرابطة العاطفية الوهمية التي يبنيها المشاهد مع وجوه الشاشة)، يصبح النقد
مستحيلاً؛ إذ يعجز المرء نفسياً عن تخطئة من يحب، وينتهي به الأمر إلى تبني قناعات
نجمه دفاعاً عن الصورة المحبوبة في ذهنه.
وإذا
تأملنا الشواهد، نجد أن ملف الإلحاد الجديد هو الأكثر جلاءً؛ فإضعاف اليقين وتراجع
التدين لم يحدثا عفوياً أو كثمرة لنضج فكري طبيعي، بل كانا نتاج
استراتيجية محكمة
لتغيير العقول. ومع مطلع القرن
الحادي والعشرين، انطلقت حركة الإلحاد الجديد بزخم
إعلامي ضخم، توكأت فيه على منصات عالمية لتقديم فلاسفة وعلماء طبيعيين بوصفهم
فرسان العقل والتقدم.
رسمت هذه
المنظومة دليلاً تشغيلياً لتقويض الإيمان عبر الشاشة، مرتكزة على ثالوث نفسي:
تخفيف الحساسية بإغراق المشهد بالشبهات والتندر بالدين حتى يألف المجتمع الفكرة،
ثم التشويش والإرباك لترهيب المؤمنين ووصمهم بالجهل والتخلف، وأخيراً توظيف
القدوات المبهرة -كصناع المحتوى العلمي المبسط ونجوم السينما- لتقديم التصور
المادي في قالب إنساني متفائل يثير التعاطف ويغري بالتقليد.
ونتيجة
لهذا الشحن الممنهج عبر الصحافة العلمية والدراما والسينما ثم المنصات الرقمية،
نجح مهندسو الوعي في إعادة تشكيل قطاع من البشر وعزلهم عن بوصلتهم الفطرية،
محوّلةً إياهم إلى أربعة أنماط سلوكية لافتة:
أولاً:
صناعة الإنسان الأداة
يضعنا
الإعلام هنا أمام عملية تجريف حقيقية للضمير؛ فبمجرد أن يتشرب الفرد صورة جذابة
للنموذج الملحد عبر الشاشة، يندفع ليتحول من مشاهد متأثر إلى أداة صماء في خدمة
تلك الأيديولوجيا العدمية.
ولعل ما
جرى في الفضاء الرقمي بالتزامن مع طفرة قنوات تبسيط العلوم والمحتوى الترفيهي
الموجه للناشئة، يقدم شاهداً حياً؛ إذ لم تكن حملات التشويه والإقصاء الرقمية التي
طالت مفكرين دافعوا عن وجود الخالق من فعل فلاسفة محترفين، بل كانت في معظمها من
صنع شباب عاديين نشأوا في بيئات محافظة. تحول هؤلاء الشباب، تحت وطأة الارتباط
العاطفي بالرموز الجذابة، إلى حراس لفرض الرؤية المادية، يمارسون النبذ والتهكم ضد
من يدافع عن الحقائق الإيمانية الفطرية، مطمئني الضمير تحت شعارات التنوير وادعاء
العلم.
ثانياً:
صناعة العقل التابع
وهنا تظهر
عملية مصادرة العقل بصورتها الأوضح؛ حيث يُقدَّم للشاب عرض مُغرٍ: أن يتنازل عن
حقه في المساءلة والتمحيص، مقابل يقين جاهز يرفعه في نظر أقرانه ويضعه في مصاف
المفكرين الأحرار. يختلط في وعيه الإعجاب بنجومية المؤثر مع القناعة بصواب أفكاره؛
فيغدو إنكار الخالق مقبولاً لأن القدوة يتبناه بثقة لا تتزعزع وبابتسامة يعلوها
الاستعلاء.
ولعل أوضح
تجلٍّ لهذا الاستسلام المعرفي ما جرى مع سردية تقديس العلم وفكرة أن التجربة وحدها
كفيلة بالإجابة عن الأسئلة الوجودية، وأن الكون نشأ بالصدفة من فراغ فيزيائي محض.
ردّد الأتباع هذه الفرضيات باعتبارها علماً قطيعاً لا يُناقَش، وحين صدرت
المراجعات الفيزيائية والفلسفية الصارمة من مراكز أبحاث كبرى تثبت عجز المادية عن
تفسير نشأة الحياة أو الضبط الدقيق للكون، لم يُفضِ ذلك إلى أي مراجعة؛ بل سارع
كثيرون لإنكار البديهيات، أو قفزوا بخفة مدهشة إلى فرضيات خيالية كالأكوان
المتعددة بمجرد أن أملت عليهم الرموز الكاريزمية التحول نحو السردية البديلة هرباً
من استحقاق الإيمان.
هذا
الهروب يكشف الحقيقة المُرّة: هؤلاء لا يدافعون عن حقيقة علمية فحصوها، بل يذودون
عن الرموز التي توفر لهم الحميمية الاجتماعية وشعور التميز النخبوي؛ فالرجوع إلى
مربع المساءلة يعني انهيار الرواية وسقوط السردية التي تمنحهم شعور الاستعلاء،
وهذا ما لا تطيقه نفوسهم.
ثالثاً:
صناعة النفس الهشة
خلف ستار
شعارات الحرية والإنسانية البراقة، يعمل مهندسو الوعي على صناعة البلادة الوجدانية
عند المجتمع المستهدف، حيث يُطبّعون المجتمع على تجميد مشاعره الفطرية وإسكات صوت
ضميره؛ فيصبح التناول اليومي للأفكار المادية ونزع القداسة عن الدين في الرسوم
المتحركة والدراما أمراً مألوفاً لا يستوقف أحداً.
ويبرز هذا
التوجيه القسري في السياسات الممنهجة لشركات صناعة الترفيه والتعليم، عبر إقحام
فرضيات إلحادية مبطنة في برامج الأطفال، وتقديم الشخصية المتدينة حتماً في قالب
الشرير الأحمق أو المتزمت المتخلف، مقابل تقديم الملحد في صورة البطل الذكي
والرحيم والمنقذ.
وحين
تتحرك الغيرة الأبوية للاعتراض على هذا التشويه المتعمد لعقول الناشئة، لا يفتح
مهندسو الوعي الإعلامي باباً للحوار التربوي، بل يسارعون إلى وصم الآباء المعترضين
بالتطرف والجهل والظلامية. هذا الترهيب يزرع خوفاً حقيقياً يدفع هؤلاء إلى ممارسة
رقابة ذاتية على أنفسهم وإسكات وخز فطرتهم تجنباً للنبذ. هدف مهندسو الوعي هنا ليس
إقناعك بصواب الفكرة، بل سحق صلابتك النفسية وتدريبك على الصمت الطوعي، حتى يصبح
الاستسلام الهادئ هو ثمن العيش في سلام تحكمه الهالة المصنوعة.
رابعاً: صناعة
الكائن الوظيفي
ولا يقف
الأمر عند حدود الأفراد، بل يمتد لتحويل المؤسسات والجامعات إلى أدوات تؤدي
أدوارها المرسومة. فالأستاذ في الجامعة أو الباحث في المختبر لا يرى في نفسه
شريكاً في هدم الدين، بل يرى نفسه كائناً وظيفياً منضبطاً يلتزم بالحدود الصارمة
للمادية العقائدية في بحثه، دليلاً على أمانته المهنية وحرصاً على مسيرته الوظيفية
ومنحه البحثية.
ويتضح هذا
النمط بشكل فج في منظومة الالتزام الصارمة التي فرضتها الأكاديميات العلمية
والمجلات التحكيمية الكبرى تحت مسمى الحياد البحثي؛ حيث تحولت العلموية إلى أداة
تقييم إلزامية يخضع لها الباحثون، فإذا تجرأ أحدهم على الإشارة إلى التصميم الذكي
أو وجود غائية في الطبيعة، يُقصى فوراً وتُرفض أبحاثه ويُوصم باللا علمية. لقد
تحول الأكاديميون هنا إلى خفر لهذه الأيديولوجيا خوفاً على مناصبهم وترقياتهم.
هنا يقع
الباحث في مصيدة الوعي المجزأ؛ فهو لا يرى في نفسه مروجاً للإلحاد، بل موظفاً
حريصاً يؤدي مهامه الأكاديمية لرفع كفاءته المهنية. لقد حماه وعيه الوظيفي الضيق
من رؤية مآل ما يُسهم فيه فعلاً؛ فغدا شريكاً في تدمير بنيته الإيمانية والوجودية
وهو مطمئن إلى إنتاجيته المقطوعة الصلة بأي أفق فِطري.
ويتجاوز
الاستهداف حدود الأكاديميات ليضرب الفضاء التشريعي والتعليمي الدولي، سعياً لفرض
برامج تعليمية موحدة تجرد قلوب الناشئة من الغيب والوعي الديني تحت مسميات الحياد
المستنير والعقلانية العلمانية.
وهنا تبرز
قضية هامة وحساسة في واقعنا العربي: التمويل الأجنبي المشروط الذي يربط المساعدات
بتبني برامج ومناهج تروج للفلسفات المادية وتفكيك الهوية الإسلامية، ويمارس هذا
الدور ناشطون ومثقفون محليون يتحدثون بلساننا، يمررون هذه الأفكار التشكيكية تحت
واجهات تنويرية وحقوقية مقبولة.
إن النجاة
من هذا المدخل النفسي الخطير، الذي يحوّل غريزة الاقتداء أداةً للاستلاب الفكري،
لا تتم بمجرد الرفض السطحي، بل تتطلب تفكيكاً جذرياً لتأثير الهالة وتحريراً للعقل
من أسر الكاريزما المُصنَّعة. وهنا بالذات يقدم الوحي في القرآن الكريم الجواب
الحاسم؛ إذ لم يقمع الإسلام حاجة الإنسان للقدوة، بل أعاد صياغة معيار الاقتداء
بنقله من مربع الزينة والنجومية والبريق الخارجي إلى مربع الحق المطلق والمسؤولية
الأخلاقية الفردية.
تبدأ هذه
الاستراتيجية القرآنية بتعرية النماذج المصنوعة وهدم هالتها البصرية والخطابية
التي تستلب إرادة المُعجَب بها. فيضع الله تعالى أمامنا كاشفاً فاضحاً لجواهر هذه
الرموز في قوله سبحانه: "وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ
لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ
عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ
يُؤْفَكُونَ".
في هذا
البيان المعجز يُفكك الوحي أدوات الإعلام المعاصر بدقة مدهشة؛ فالأجسام المعجبة
بصورتها الشاشاتية البراقة وابتسامتها الكاريزمية، والقول المستمع له بما يحمله من
مصطلحات رنانة تروّج لإنكار الخالق، ليست في حقيقتها إلا قشوراً اتصالية خارجية
تخلو من أي صلابة أخلاقية أو عمق فطري، تماماً كالحطب المسند الذي لا حيوية فيه
ولا ثبات عند الاختبار العقلي الحقيقي. كما تكشف الآية عن الهشاشة الكامنة خلف
قناع الثقة؛ فهم في رعب دائم من انكشاف زيفهم وتساقط أصنامهم الفكرية أمام صيحات
الحق والفطرة والبرهان العقلي الرصين.
النجاة
الحقيقية تبدأ من شجاعة بسيطة: أن ترفض منح أي مخلوق -مهما كان عالماً أو مؤثراً-
حق النيابة عن عقلك وضميرك، أن تحترم كفاءة الإنسان العلمية دون أن تقدّس أفكاره
الوجودية، أن تنحاز لله وحده في المطلَق، لتسترد حريتك ورشدك في مواجهة كل الأصنام
المعاصرة، مهما كانت مزخرفة ومبهرة باسم العلم والتنوير.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.