من السهل
أن نلاحظ أن أشد وسائل التوجيه والتضليل تأثيراً ليست تلك التي تقتحم العقل من
خارجه، بل تلك التي تنبت في تربته من الداخل، في الغرائز الكامنة في ثنايا النفس
البشرية. وأول هذه الغرائز ما يعرف في دراسات السلوك بالتوق إلى الانسجام الداخلي،
ذلك النزوع الفطري الذي يحدو بكل إنسان إلى الحرص على تماسك موقفه وصيانة صورته
أمام مرآته الذاتية قبل مرآة الآخرين.
فالإنسان
بجبِلَّته ينفر من الوقوع في التناقض، ويعز عليه نفسياً أن يرفع لواء فكرة اليوم
ثم يطويها غداً، لأن في هذا الطي إقراراً مضمراً بالخطأ أو بسوء التقدير، وهو ثمن
فادح لا تسمح به النفوس بسهولة. ومن هذا الباب بالذات تتسلل آلات تشكيل الرأي
العام؛ فهي لا تفرض عليك الموقف قسراً، وإنما تستدرجك إلى تقديم رصيد موقفي
متتابع، من كتابة أو مجادلة أو دفاع متحمس. وحين يعلق المرء نفسه ويعلق سمعته
وذاكرته بسردية بعينها، يغدو هو ذاته حارسها الأمين، لا حرصاً منه على الصواب، بل
حفاظاً على كرامته وذوداً عن انهياره المعنوي.
وهذا ليس
كلاماً مرسلاً، فقد أرسى عالم النفس ليون فيستينجر عام 1957 نظرية التنافر
المعرفي، واصفاً ذلك القلق اللاذع الذي ينتاب العقل حين تصطدم قناعاته بصلابة
الواقع. غير أن الإضافة الأبعد أثراً، التي تضيء مأزق هؤلاء، هي ما قدمه إيليوت
أرونسون، حين برهن على أن هذا الصراع لا يشتد عوده إلا عندما يمس صورة المرء عن
ذاته. فالمعضلة الحقة هنا ليست في صواب الموقف السياسي أو خطئه في ذاته، بل في ذلك
السؤال الذي يخلو به الشخص إلى نفسه: كيف لي أنا المثقف والغيور على وطني أن أنخدع
بقرار خاطئ؟ عند هذه اللحظة الحاسمة، يكف العقل عن أداء دوره كقاضٍ محايد ينشد
الحقيقة المجردة، ويتحول إلى محامي دفاع عن نفسه، لا شغل له إلا نسج الحجج
المبررة، ليقي كبرياء صاحبه صورته الأخلاقية، ولو اضطر إلى تجميل الخطأ واحتضان
الوهم.
المعضلة الحقة هنا ليست في صواب الموقف السياسي أو خطئه في ذاته، بل في ذلك السؤال الذي يخلو به الشخص إلى نفسه: كيف لي أنا المثقف والغيور على وطني أن أنخدع بقرار خاطئ؟ عند هذه اللحظة الحاسمة، يكف العقل عن أداء دوره كقاضٍ محايد ينشد الحقيقة المجردة، ويتحول إلى محامي دفاع عن نفسه
ولننزل
الآن من النظرية إلى الواقع السياسي
العربي الراهن، فسوف نقع على تمييز جوهري في
طبقات
التبعية وفي إيقاع التأييد المطلق، وهو تمييز يضعنا قبالة ضربين من البشر
يتقاسمان المسرح: الباذنجانيون والدولجية. ويحضرني هنا ذلك الخبر التراثي الظريف
الذي يعرّف بالباذنجانيين؛ إذ يُروى أن أحد الحكام قال لخادمه ذات يوم: نفسي تشتهي
طبق باذنجان. فهب الخادم يلهج بالثناء قائلاً: بارك الله في الباذنجان، هو سيد
المائدة، لحم بلا دهن، وسمك بلا شوك، يؤكل مقلياً ومشوياً ومحشياً. فقال الأمير
لخادمه: غير أني أكلت منه قبل أيام فأصابني منه أذى في معدتي. فانقلب لسان الخادم
على عقبيه قائلاً: لعنة الله على الباذنجان! فإنه غليظ، ثقيل، نفاخ، أسود الوجه.
فعجب الأمير وقال له: ويحك! تطرى الشيء وتذمه في آن واحد؟! فأجابه الخادم بعبارته
المأثورة: يا مولاي أنا خادمكم ولست خادماً للباذنجان.
هذا
الطراز التراثي، الذي يصح أن نسميه الباذنجانيين، يمثل أهل النفاق البصير. أولئك
أناس يتمتعون ببراغماتية عالية وتصالح مكشوف مع نفاقهم؛ فهم لا يعانون من أزمة
الانسجام الداخلي ولا تمزقهم الحيرة، لأن بوصلتهم واضحة منذ اللحظة الأولى: هويتهم
ومصالحهم مربوطة بذات
السلطة لا بثبات المواقف. وحين يؤيدون الشيء وضده، فهم
يدركون تمام الإدراك أنهم يكذبون ويبدلون جلودهم، لكنهم آمنون نفسياً لأن المغنم
لديهم هو الميزان الأوحد، ولا يؤرقهم أن تهوي قيمتهم الفكرية ما دامت منزلتهم
مصونة، فهم رجال لكل العصور.
أما الصنف
الآخر، وهو الأوسع انتشاراً والأشد خطورة في زماننا هذا، فهم من يسميهم الفضاء
العام بالدولجية. وهؤلاء يفترقون عن الباذنجانيين في أنهم لا يعترفون لأنفسهم
بأنهم يجاملون السلطة أو يداهنون. الدولجي إنسان يحوم في فلك السلطة مدفوعاً إما
بخشية المجهول أو برغبة في الأمان والاستقرار، غير أن تكوينه النفسي يأبى عليه أشد
الإباء أن يبصر صورته في المرآة كتابع ذليل أو مطيع بلا رشد. ومن هنا ينشأ لديه ما
يمكن أن ندعوه وهم الانسجام الداخلي؛ إذ يهب عقله بغريزته ليصون كبرياءه، فيعمد
إلى قلب الخوف أو الطمع وصياغتهما في الحال على هيئة بعد نظر استراتيجي أو غيرة
صادقة على الوطن.
الدولجي
في أمسّ الحاجة إلى أن يقنع ذاته بأن السلطة على صواب دائم، لأن إقراره بأن
قراراتها متناقضة أو خاطئة يعني بالضرورة إقراره بأنه كان ضحية غفلة ومسوقاً بلا
عقل، وهو ما لا تطيقه كبرياؤه. لذا تجده يبذل غاية وسعه في ابتداع التأويلات
لترقيع التناقضات، متبرعاً بالدفاع عما اعتاد قوله ليظل راضي النفس مطمئناً وراء
قناع الوطنية.
ويستغل
مهندسو
الوعي التابعين لأنظمة الحكم هؤلاء الدولجية ومعضلتهم الأخلاقية لإعادة
إنتاجهم في عدة أنماط قابلة للاستلاب كالتالي:
أولاً:
صناعة الإنسان الأداة
هنا ننتقل
إلى الحديث عن إفراغ الإنسان العادي من جوهرة الاختيار الأخلاقي، بحيث يسلم نفسه
طواعية ليكون أداة تافهة في يد النظام الحاكم دون أن يُطلب إليه ذلك. والمؤسف أن
هذا النمط من البشر لا يرى في خضوعه المطلق علامة عجز، بل يراه فريضة يجلّها،
تتطلب منه أن يخلع رأسه ويطرح شهادة حواسه جانباً، اقتناعاً منه بأن أصحاب الأمر
يملكون من خفايا الأمور ودهاليزها ما لا يبلغه عامة الناس.
تأمل معي
حال ذلك الأب البسيط الذي ينتصب في مجلس عائلته أو بين رفاقه في العمل ليدافع
بحرارة لاذعة عن تدابير تنهش من رزقه هو ذاته. الرجل لا ينال من كعكة الحكم شيئاً،
لا نسباً ولا صهراً، لكنه يتحول إلى داعية للحكاية الرسمية بلا أجر، ويحاول إقناع
نفسه وصغاره بأن هذا الضيق هو ضريبة عبور لا بد منها، وأن صمته وتسليمه هو ذروة
الوفاء.
ثانياً:
صناعة العقل التابع
نرتقي بعد
ذلك من تفريغ الإرادة إلى تجريف العقل، حيث يُحبس المرء في دائرة التلقي السلبي
لما يبثه الباذنجانيون المرتزقة في الصحف والشاشات. والأخطر هنا أن الدولجي في هذا
المقام لا يقف عند حد التلقي، بل يمارس ترقيع المتناقضات بعقلية شغوفة بالحيلة؛
فهو حين تقع عينه على الشيء وضده لا يرتاب ولا يسائل، بل يستنفر ملكاته الذهنية
ليخترع حججاً يعتقد أنه توصل إليها بدهائه الخالص.
الصورة
تتجسد أمامك في ذاك الرجل الذي تراه في المقهى، وكان بالأمس يصول ويجول على جيرانه
بأن الدولة الفلانية هي بيت الداء ومنبع البلاء، فإذا صالحها النظام اليوم، تجده
مع المساء يتصدر الحاضرين في ذات المقهى -بيقين يفيض صدقاً- ليشرح لهم عبقرية
الخطوة الماكرة التي أقدمت عليها ثعالب القيادة بقلب الصفحة. هو لا يتقاضى ثمناً
على هذا الدوران، بل يبذل هذا العرق الذهني الشاق ليقنع ذاته قبل سواه بأنه يعيش
في كنف نظام عبقري لا يخطئ.
ثالثاً:
صناعة النفس الهشة
فهناك لون
ثالث يقوم على إشاعة الهشاشة في دواخل الناس، حالة من الرعب الصامت تصيب الرجل
العادي من مجرد فكرة العزلة أو الشذوذ عن القطيع الذي ترعاه السلطة. أمان هؤلاء
الشخصي لا ينفصل في لا وعيهم عن صورة المنظومة الحاكمة، فيغدو أي خدش يمسها وكأنه
اعتداء مباشر على استقرار عيشهم الصغير.
هذا
المشهد تراه رأي العين في مجموعات العائلات على الجوال أو تعليقات صفحات التواصل،
حيث ينقلب مواطن لا يحمل جاهاً ولا نجمة على كتفه؛ إلى حارس هائج شديد الشراسة ضد
أي همسة اعتراض أو تأفف يطلقه قريب له من الغلاء أو رداءة الخدمات. هذا الانتفاخ
ليس رياءً مأجوراً، بل هو فزع حقيقي؛ فالإقرار باحتمال أن يكون النظام قد قصّر أو
أصابه العجز يعني انهيار صورة الحامي التي يستدفئ بها من برد المجهول، ولهذا تجده
يتطوع ليلعب دور اللجنة الشعبية للدفاع عن النظام، مستعداً أن يقطع رحمه ويخسر أعز
أصدقائه في سبيل حماية وهم التماسك.
رابعاً:
صناعة الكائن الوظيفي
وأخيراً
نصل إلى النموذج الذي تكتمل فيه آخر مراحل الانقياد، حيث تصير قيمة الواحد منهم
قياساً بمدى طاعته كخادم للنظام، بعد أن يُنزع من قلبه كل شعور بالتضامن مع أبناء
طينته. هذا الكائن الوظيفي يرى الاستقرار -أياً كانت الصورة وأياً تكن التناقضات- هو
العقيدة التي لا تعلوها عقيدة، ويتحول إلى عين تراقب وأذن تسمع لحساب السلطة داخل
محيطه الضيق.
ثمة مساحات شاسعة بين الباذنجاني المتصالح مع نفاقه، والدولجي المتوهم لصوابه، وبين إنسان يؤمن بالتدرج والإصلاح الهادئ، أو يختار الانكفاء المؤقت حفاظاً على تماسكه النفسي. إن القيمة الحقيقية لهذا التفكيك تكمن في كونه يدعو كل فرد إلى مساءلة ذاته، لا أن يتخذ من التحليل سيفاً يصنف به غيره
تراه
مثلاً ملاحظاً في ورشة صغيرة أو مشرفاً على مدرسة نائية، هؤلاء لا يمكن اعتبارهم
باذنجانيين بالمعنى الحقيقي لكنهم دولجية يتلبسون الثوب الباذنجاني، فيتبرعون
بتقليب الوجوه وتأديب أي معلم أو عامل يتذمر من الأوضاع أو يهمس بخبر لا يرضي
السلطان. هو لا يقدم على هذا ببرودة المخبر المحترف، بل بدافع من خوف داخلي حقيقي؛
إذ يرى في قمع النفوس هذا واجباً وطنياً يحمي كيان المؤسسة من الفوضى. هو يستثمر
موقعه الصغير ليجمّل لنفسه خنوعه، صيانة لاتساقه الداخلي، وحفاظاً على سكينته
النفسية داخل الإطار الذي رسمته له آلة التوجيه.
وليس معنى
هذا التحليل أن كل من التزم الصمت أو جامل الواقع هو بالضرورة منافق بصير أو تابع
مخدوع. فالحديث هنا عن أنماط عامة وظواهر نفسية واجتماعية تتسلل إلى المجتمعات في
أوقات الاستقطاب، لا عن أحكام مطلقة تصادر نوايا البشر. ثمة مساحات شاسعة بين
الباذنجاني المتصالح مع نفاقه، والدولجي المتوهم لصوابه، وبين إنسان يؤمن بالتدرج
والإصلاح الهادئ، أو يختار الانكفاء المؤقت حفاظاً على تماسكه النفسي. إن القيمة
الحقيقية لهذا التفكيك تكمن في كونه يدعو كل فرد إلى مساءلة ذاته، لا أن يتخذ من
التحليل سيفاً يصنف به غيره.
وإذا كان
مهندسو الوعي قد برعوا في استغلال تلك الثغرة النفسية الكامنة في التوق إلى
الانسجام الداخلي، لينتجوا لنا نماذج من الأتباع والمنقادين والنفوس الهشة، فإن
التنزيل الحكيم لم يترك النفس البشرية هملاً لتتقاذفها أمواج التوجيه وتتلاعب بها
بهلوانيات الباذنجانيين وهتافات الدولجية، بل إن القرآن الكريم قد وضع لنا معالجة
حاسمة، عالجت هذا الخلل السلوكي من أساسه، عبر إرساء مبدأ الفردية الأخلاقية
وتفكيك بنية التبعية للقطيع. إذ يقول الحق سبحانه في سورة الإسراء: "وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً". النهي هنا جازم عن اتباع أي
رواية، أو تبني أي موقف، أو السير وراء أي قطيع بغير بينة؛ القرآن يمنعك من أن
تكون ألتراس يصفق للشيء وضده لمجرد أن السلطة أمَرَت بذلك. وتعيد الآية الكريمة
هنا ربط الإنسان بأدوات وعيه المباشرة؛ فما تسمعه من زيف الباذنجانيين وما تراه من
صلابة الواقع المعيش، أنت المسؤول الأول عن محاكمته عقلياً، ولا يجوز لك تسليم هذه
الحواس للنظام ليصوغها كيف يشاء. فالمرء يوم القيامة لن يشفع له خوفه الطوعي ولا
طمعه في الأمان، بل سيقف فرداً يُسأل عن خيارات عقله وقلبه.
ولا يخفى
أن الوعي الحقيقي الذي يطلبه منا الإسلام ليس ترفاً فكرياً، بل هو أصل من أصول
التكليف. إن النجاة من قفص صناعة الوعي تقتضي أن يملك المرء الشجاعة المعرفية
ليقول: أخطأ النظام في هذا القرار أو تناقضت السياسة هنا، دون أن يشعر أن وطنيته
قد تفتتت أو أن هويته قد تصدعت. إن كبرياء المؤمن يُصان بالانحياز للحق الثابت لا
للمنتصر المتغير، والأنَفَة الحقيقية هي في أن يترفع الإنسان عن أن يكون مجرد وقود
مجاني في سوق تُباع فيه المواقف وتُشترى، ليبقى حراً في قراره، لا تبيعه سلطة ولا
يشتريه خوف.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.