تلعب
الطبيعة البشرية دورا كبيرا في إنجاح خطط مهندسي الوعي، خاصة عندما يتعلق الأمر
بنقاط الضعف الفطرية في قلوب وعقول الجماهير. ومن أبرز هذه الثغرات هي الميل
الطبيعي للتطرف العاطفي، وهي رغبة كامنة داخل الإنسان للانتقال بين النقيضين؛ من
أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ودون المرور بمرحلة الوسطية. يستغل مهندس الوعي هذه
الظاهرة بذكاء شديد عبر خطة متكررة: يرفع شخصية ما أو قدوة معينة إلى مرتبة تقترب
من التقديس والكمال، ليربط قلوب الناس بها، ثم فجأة، يوجه ضربة قاسية ليحطم هذا
التمثال الذي صنعه بيده أمام أعين الجميع.
والهدف
النهائي من هذا التكتيك ليس مجرد التخلص من خصم سياسي، بل صناعة سلوك جماعي مشوه
يسمى التأرجح الوجداني. هذا التأرجح يجعل الجماهير تنقلب في لحظة واحدة من الحب
الأعمى والمطلق إلى الكراهية التامة تجاه نفس الشخص أو الفكرة، مما يحرم المجتمع
من القدرة على بناء علاقات ناضجة أو متزنة مع الرموز والأفكار، ويفقده القدرة على
النقد الموضوعي، ليظل الجميع في حالة ارتباك عاطفي مستمر، ينتظرون إشارة السلطة
ليعرفوا من يحبون اليوم ومن يكرهون غدا.
من
الناحية النفسية والسلوكية، يستند هذا التكتيك إلى آلية دفاعية معروفة في علم
النفس تسمى التفكير الانشطاري أو الرؤية أحادية اللون، وهي حالة يعجز فيها العقل
تحت تأثير الشحن المستمر عن رؤية المساحات الرمادية الفاصلة بين الأبيض والأسود.
يميل الدماغ البشري بطبيعته إلى ما يسمى الاقتصاد المعرفي، أي محاولة توفير الطاقة
الذهنية وتجنب بذل مجهود في التفكير المعقد؛ ويمثل تصنيف الرموز والأشخاص إلى
ملائكة مقدسين أو شياطين متآمرين حيلة مريحة جدا توفر على العقل عناء الفحص،
والنقد، والموازنة بين المحاسن والعيوب.
وحين
تتدخل سلطة سياسية لتغذية هذا الانشطار النفسي، فإنها تحول العاطفة الجمعية إلى
طاقة سائلة شديدة الحساسية وسهلة التوجيه؛ إما نحو التعظيم الأعمى أو نحو التدمير
الشامل. الغرض العلمي من تفعيل هذه الآلية وسط الجماهير هو ضرب نضجهم المعرفي،
وجعلهم عاجزين تماما عن استيعاب الفكرة الإنسانية البسيطة: وهي أن البطل يمكن أن
يخطئ أو يختلف مع السلطة دون أن يتحول فجأة إلى خائن، وأن القائد قد يصيب في موضع
ويثير الجدل في موضع آخر دون أن يفقد قيمته التاريخية أو شرفه العسكري.
تجلى هذا
النمط بوضوح شديد في الطريقة التي أدارت بها الآلة السياسية والإعلامية في عهد
الرئيس أنور
السادات ملف الفريق
سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة
خلال حرب أكتوبر.
في
البداية، وتحديدا خلال التخطيط للحرب والأيام الأولى من العبور، كان النظام بحاجة
إلى إبراز عبقرية التخطيط العسكري
المصري لرفع الروح المعنوية المنهارة منذ سنوات
النكسة. هنا، جرى تعريف الجمهور بالفريق الشاذلي باعتباره العقل المدبر والعسكري
الفذ الذي وضع خطة المآذن العالية لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف. نال الرجل
تقديسا شعبيا جارفا، وتعلقت به قلوب الجنود والمواطنين كرمز حي للنصر العسكري
والكرامة المستردة. لقد سمح النظام، بل وشجع، هذا الارتفاع العاطفي الهائل تجاه
الشاذلي، لأن كبرياء النصر في ذلك الوقت كان يصب في مصلحة شرعية الحكم الجديدة.
لكن
القواعد تغيّرت تماما بمجرد حدوث الخلاف العسكري والسياسي الشهير بين الرئيس
السادات والفريق الشاذلي حول تطوير الهجوم وما ترتب عليه من خطأ عسكري أدى لثغرة
الدفرسوار، ومن ثَم اختلاف الرجلين حول طريقة تصفية تلك الثغرة. في تلك اللحظة،
شعر مهندس الوعي الساداتي أن وجود رمز عسكري مستقل يحظى بهذا الحب الجارف يشكل
تهديدا مباشرا للرواية الأحادية التي يريد الرئيس احتكارها لنفسه كبطل وحيد للحرب
والسلام.
كان لا بد
من طمس أي رمز عسكري ليبرز الرئيس منفردا، ولم يكن هناك أكبر رمزية من رئيس
الأركان والعقل المخطط للمعركة، وهنا بدأت آلية التحطيم المفاجئ؛ فلم يكتفِ النظام
بإقالة الشاذلي أو إبعاده عن المشهد، بل جرى تفعيل تكتيك التطرف العاطفي لعزل
الرجل وجدانيا عن الشارع.
ومن
الضروري هنا إرساء قاعدة منهجية بالغة الأهمية؛ فالغاية من تفكيك هذه الحالة
التاريخية ليست متمثلة في الهجوم على شخص الرئيس أنور السادات، ولا هي مجرد محاولة
للإنصاف الوجداني للفريق سعد الدين الشاذلي، بل تكمن القيمة الحقيقية في تشريح
آلية سيكولوجية من أخطر أدوات هندسة الوعي التي تُستخدم في أوقات الصراعات
السياسية لإعادة صياغة عواطف الجماهير وتوجيهها.
إن هذا
التناول التفكيكي المحايد لا يتعارض بأي حال من الأحوال مع الحقيقة الراسخة للدور
التاريخي والمصيري الذي قدمه الرئيس السادات؛ فهو القائد الذي امتلك الجسارة
الشديدة لتحمل المسؤولية الوجودية الكبرى لقرار الحرب، وسخّر للأمة كل سبل البدء
والنجاح، وقاد سفينة الوطن لكسر الهزيمة واستعادة الأرض المحتلة في نصر تاريخي
سيبقى محفورا في وجدان الأجيال.
لكن مهندس
الوعي، وفي سياق رغبته اللاحقة في احتكار صياغة الرواية الرسمية وحمايتها، استخدم
تلك التكتيكات النفسية الحادة للسيطرة على بوصلة المشاعر الجمعية، وهو ما يهمنا
رصده هنا كنموذج تطبيقي؛ لكي يستوعب القارئ كيف تُدار معارك صناعة العقول
وتوجيهها، بغض النظر عن وطنية أو عبقرية الشخوص الذين دارت حولهم المعركة.
إن هذا
التوظيف السيكولوجي للتطرف العاطفي لم يكن ابتكارا خاصا بالحقبة الساداتية، بل هو
أداة حكم أصيلة في كتالوج هندسة الوعي جرى تداولها وتطويرها عبر العهود المختلفة.
فقيمة النموذج التاريخي تتضاعف حين ندرك أنه حلقة في سلسلة ممتدة؛ إذ سبقه إلى ذلك
الرئيس جمال عبد الناصر في طبيعة العلاقة مع المفكر سيد قطب، والتي بدأت باحتفاء
رسمي ونخبوّي جارف بالرجل كمنظر ومثقف قريب من رجال الثورة والضباط الأحرار،
لينقلب المشهد فجأة وبشكل حاد عقب الخلاف السياسي، فتتحول الماكينة الإعلامية
بكامل طاقتها لشيطنته وتحطيم رمزيته، مسببة حالة من الارتباك والتأرجح الوجداني
العنيف لدى الجماهير التي كانت تراه بالأمس رمزا فكريا مقربا.
ولم يتوقف
هذا النمط برحيل تلك العهود، بل تبعه وتوارثه الرؤساء اللاحقون؛ حيث استمرت
الأنظمة في استخدام التكتيك ذاته لترميم شرعيتها أو تصفية خصومها. ومع تطور
الأدوات التكنولوجية، والانتقال من الصحافة الورقية والراديو إلى الفضائيات ثم إلى
منصات التواصل الاجتماعي، أصبح مهندس الوعي المعاصر يملك قدرة أسرع، وأكثر فتكا،
وأوسع انتشارا على رفع الأشخاص إلى مراتب التقديس أو خسفهم إلى قاع التخوين بضغطة
زر واحدة. لقد تطورت التكنولوجيا لكن البنية النفسية المستهدفة ظلت كما هي؛ حيث
تُستغل الخوارزميات واللجان الرقمية اليوم لتغذية التفكير الانشطاري وتسريع أرجوحة
الحب والكراهية، لإبقاء الجماهير في حالة ارتباك عاطفي دائم يمنعهم من بناء أي وعي
نقدي مستقر.
وتتجلى
هذه المواجهة السيكولوجية عبر أربعة أنماط أساسية:
أولا/
صناعة الإنسان الأداة
في الخطوة
الأولى، يستهدف مهندس الوعي أثمن ما يملكه الإنسان: فردانيته وقدرته على الوقوف في
تلك المساحة الوسطية المتزنة التي تتيح له التأمل، والمقارنة، والتساؤل. الهدف هنا
ليس مجرد إقناع المواطن بفكرة، بل تجريده من مرونته العقلية وتحويله إلى مجرد
امتداد ميكانيكي، أو أداة صماء تنفذ مشيئة المنظومة وتردد مقولاتها دون وعي ذاتي
أو شعور بوخز الضمير. تبدأ هذه العملية عندما تُغلق كافة النوافذ المعرفية البديلة
بشكل محكم، ويُحاصر الإنسان برواية أحادية الطابع، شديدة السطوع، ومصممة بدقة
لتخترق دفاعاته النفسية وتستبيح مجاله الوجداني.
في حالة
الفريق الشاذلي، لم يتوقف النظام عند حدود عرض وجهة نظر عسكرية مغايرة أو مناقشة
تكتيكية للخلاف، بل أطلق عملية هندسة نفسية شاملة عبر الصحافة القومية والإعلام
المرئي والمسموع لإعادة صياغة الحدث كاملا. هنا، تعرض المواطن العادي لما يُعرف في
علم النفس بالتنافر المعرفي الحاد؛ فالعقل البشري بطبيعته يكره التناقض ويسعى دوما
للاتساق، وحين تصطدم الصورة الذهنية المستقرة للشاذلي كبطل أسطوري صانع للنصر،
بالرواية الرسمية المفاجئة التي تصفه بالانهيار والضعف، يصاب المتلقي بزلزال داخلي
ومعاناة نفسية حقيقية.
وللتخلص
من ألم هذا التناقض الداخلي، استغل مهندس الوعي آلية الاختطاف العاطفي؛ حيث جرى ضخ
كميات هائلة من المواد الإعلامية المرعبة التي ركزت على فكرة واحدة: أن النصر
العظيم الذي استرد به المواطن كرامته بات مهددا بالضياع الكامل بسبب انهيار رئيس
الأركان في لحظة الدفرسوار، وأن تدخل الرئيس الحاسم هو وحده الذي أنقذ الجيش
والبلاد من كارثة محققة. هذا الشحن العاطفي القائم على إثارة الرعب من فكرة
الهزيمة مجددا، جعل العقل الجمعي يتنازل طواعية عن مسافته النقدية؛ فالبحث عن
الحقيقة في تلك اللحظة صار يبدو للمواطن كأنه ترف قد يهدد سلامته وسلامة وطنه.
عند هذه
النقطة، يمر الإنسان بتفاعل نفسي آخر هو الامتثال الاجتماعي وذوبان الفردانية داخل
الجماعة؛ فحين يرى الجميع من حوله يتبنون الرواية الجديدة، يخشى العقل الفردي
العزلة أو الوصم بالخيانة، فيختار الطريق الأسهل برمجيا: تبني قصة السلطة بالكامل.
وهكذا، يتحول المواطن تلقائيا، ودون أن يشعر، من محب مخلص للرمز إلى أداة نشطة
تسهم في هدمه وتشويهه؛ فيبدأ في تكرار اتهامات الانهيار والتقصير بحق الجنرال الذي
كان يقدسه قبل أيام، مدفوعا بغريزة البقاء، والخوف على مكتسبات النصر، والرغبة
العارمة في الاندماج داخل الوعي الجمعي الجديد الذي صاغته السلطة وأحكمت قضبانه
حول عقله.
ثانيا/
صناعة العقل التابع
بعد نجاح
مهندس الوعي في تحويل الفرد إلى أداة تنفيذية، ينتقل إلى مرحلة أعمق وأكثر
استدامة: صياغة العقل التابع وترسيخه عبر آلية المقايضة النفسية اللاشعورية. في
هذه المرحلة، لا تُفرض التبعية بالقوة الفجة أو التهديد المباشر، بل تُقدَّم
للمواطن كصفقة مريحة تضمن له حماية توازنه الداخلي. يُدفع الفرد دفعا للتنازل
الطوعي عن حقه الفطري في التمحيص والبحث عن الحقيقة، مقابل الحصول على ثمن باهظ
وجذاب: الراحة النفسية، والأمان الوجداني، واليقين الوطني الخالص.
لقد أدرك
الرئيس السادات بذكاء سيكولوجي لافت طبيعة اللحظة التاريخية؛ فالمجتمع المصري كان
يخرج لتوّه من مرارة انكسار عام 1967، وعاش سنوات طويلة تحت وطأة شعور ثقيل بالذنب
والمهانة والاضطراب المعرفي. كان الناس يتوقون سيكولوجيا إلى ما يُعرف في علم
النفس بالحاجة إلى الإغلاق المعرفي، وهي الرغبة العارمة في الوصول إلى نهاية سعيدة
ومكتملة تداوي جراحهم النفسية وتنهي حالة الشك. هنا، قدّم السادات نفسه للشارع
ممتطيا صهوة هذا الاحتياج، وتجسّد في صورة رب العائلة المصرية وبطل الحرب والسلام
الأوحد. هذه الأبوية السياسية والاجتماعية فرضت نمطا وجدانيا يجعل من مناقشة
الرواية الرسمية نوعا من العقوق أو تهديدا لتماسك البيت الكبير.
وتجلى هذا
النمط بشكل وثائقي صارخ في كتاب البحث عن الذات، السيرة الذاتية التي نشرها الرئيس
السادات عام 1978، والتي تحولت فور صدورها إلى ما يشبه الكتاب الرسمي لرواية الحرب
المقررة على العقول. في هذا الكتاب، لم يكتفِ مهندس الوعي بـتجاهل الشاذلي، بل صاغ
بيده صك الاتهام النفسي والعسكري له، واصفا إياه علانية بأنه انهار عصبيا يوم 19
أكتوبر وصار خطرا على سير العمليات.
هنا، وجد
المواطن العادي نفسه محاصرا داخل معضلة نفسية حادة ومؤلمة؛ فإما أن يفتح باب
الأسئلة المشروعة ويشكك في رواية كتاب الرئيس—وهو ما يعني سيكولوجيا الهبوط مجددا
إلى وادي الشك والقلق واهتزاز صورة النصر المشتهاة—وإما أن يستسلم استسلاما كاملا
للقصة الرسمية المطبوعة لكي يحافظ على المذاق الحلو والمقدس للنصر الخالص
والاستقرار الذي تلا سنوات الحرمان.
هنا تتدخل
حيل الدفاع النفسي اللاشعورية، مثل العزل والإنكار التجنبي؛ فيختار العقل التابع
المسار الأقل كلفة والأكثر أمانا له ولعائلته، فيتبنى رواية البحث عن الذات كحقيقة
مطلقة غير قابلة للنقاش. لقد قبل الناس طواعية هذه الرواية الموجهة، ليس جهلا
بالتاريخ، بل كآلية نفسية بائسة لحماية الذات من الاضطرار لمواجهة حقيقة أن النصر
الذي دفع المجتمع دمه ثمنا له شابه الخلاف السياسي. لقد تنازل العقل هنا عن منطقه
طواعية، لأن بقاء رواية الزعيم المعصوم في كتابه المعلق فوق الرفوف يمنح الإنسان
العادي شعورا بالدفء واليقين، ويقيه من كلفة التفكير الحر خارج الصندوق الذي أحكمت
السلطة إغلاقه.
ثالثا/
صناعة النفس الهشة
في هذه
المرحلة، يتجاوز التلاعب حدود العقول الباردة لينفذ إلى الخلايا العاطفية العميقة
التي تحرك الجماهير. يسعى مهندس الوعي هنا إلى وضع المجتمع فوق أرجوحة وجدانية
حادة الحواف، تتأرجح بانتظام متسارع بين قطبين متناقضين تماما: قمة النشوة والزهو
الوطني، وقاع الرعب الوجودي والذعر على المصير. هذا التأرجح العنيف والمستمر يؤدي
سيكولوجيا إلى ما يُعرف بالإنهاك الوجداني واستنزاف المقاومة النفسية. فحين يُحرم
الإنسان من الاستقرار العاطفي ويُقذف باستمرار بين الفرح الغامر والخوف القاتل،
يفقد جهازه العصبي قدرته على التوازن الداخلي، ويصبح هشا ومشتتا، مما يدفعه
للارتماء الكلي في أحضان السلطة باعتبارها المصدر الوحيد والمنقذ الذي يملك إعادة
الهدوء للأرجوحة المتهززة وتأمين الوجدان من القلق العاصف.
لقد
استخدم النظام هذا التكتيك بكفاءة مرعبة في إدارة ملف الفريق الشاذلي؛ فبعد أن
عاشت الجماهير المصرية والعربية لحظات من الانتشاء الروحي والكرامة الطاغية بعبور
خط بارليف وتدمير أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وهو إنجاز عالج جراح نكسة قديمة، جرى
ضرب هذا الاستقرار النفسي فجأة وبعنف. لم تكتفِ السلطة بنقد موقف الشاذلي عسكريا،
بل عمدت إلى تضخيم خطر ثغرة الدفرسوار إعلاميا ونفسيا، وصورتها للناس باعتبارها
الشبح المخيف الذي كاد يلتهم النصر كله ويعيد البلاد إلى مربع المهانة والهزيمة
لولا حكمة وبصيرة القائد الأعلى.
هنا تفاعل
الوعي الجمعي مع هذا الطرح بآلية نفسية دفاعية تُسمى تجنب إعادة الصدمة. فالإنسان
الذي تذوق طعم الكرامة بعد سنوات الانكسار، يمتلك رعبا فظيعا من العودة إلى
الوراء، وحين صوّرت الماكينة الإعلامية أن تبني رؤية الشاذلي العسكرية كان سيؤدي
حتما إلى ضياع سيناء مرة أخرى وحدوث كارثة محققة، أصيب المواطن العادي بحالة من
شلل التفكير النقدي. لم يعد الصراع في نظره خلافا تكتيكيا بين عسكريين كبار، بل
تحول في وجدانه إلى معركة بين الحياة والفناء، بين نصر مقدس وهزيمة مروعة.
هذا الضغط
الوجداني الهائل أفرغ النفوس من أي فائض عاطفي مستقل تجاه الشاذلي كبطل؛ إذ انقسمت
الذات البشرية بين امتنانها التاريخي له وخوفها الوجودي من أفكاره التي صُبغت
برداء الكارثة. ولكي يتخلص المواطن من هذا التمزق الداخلي المؤلم، انقلب في لحظة
واحدة من تقديس الرجل إلى الهروب من سيرته، مفضلا الصمت المطبق والالتجاء الكامل
تحت عباءة الرئيس المنقذ. لقد نجح المهندس في جعل الخوف من الفوضى والنكسة البديلة
سياجا نفسيا يحمي الرواية الرسمية، حيث يفضل الفرد المستنزف التنازل عن بطله
التاريخي وقبول طمسه عاطفيا وماديا، مقابل البقاء في مربع الأمان النفسي والسياسي
الذي حددته السلطة.
رابعا/
صناعة الكائن الوظيفي
تكتمل
الدورة الممنهجة لهندسة الوعي ويصل النظام إلى ذروة تمكنه حين يتوقف عن بذل الجهد
الأمني لملاحقة الروايات البديلة، لأن الأفراد أنفسهم يتطوعون للقيام بهذه المهمة
بالنيابة عنه. يتحول الإنسان هنا—سواء كان مثقفا لامعا، أو كاتبا صحفيا، أو صانع
سينما، أو مؤرخا—إلى كائن وظيفي. والمأساة الإنسانية الكبرى في هذه المرحلة هي أن
هذا التحول لا يحدث بقرارات قمعية فوقية مسلطة على الرقاب، بل ينبع من غريزة نفسية
عميقة تتداخل فيها المنفعة الذاتية مع الخوف الوجودي على المكانة والامتيازات
الصغيرة التي نالها الفرد داخل المنظومة الجديدة ثمنا لتبعيته وطاعته.
في تلك
الحقبة، تحولت خطوط الإنتاج الفني والثقافي إلى معامل حقيقية لإعادة تدوير هذا
الكائن الوظيفي؛ فأُنتجت الأفلام والكتب والبرامج لتكرس رواية أحادية ومختزلة
للنصر، وجرى طمس دور رئيس الأركان بشكل كامل. التفاعل النفسي الأخطر هنا هو
الرقابة الذاتية الصارمة التي مارسها هؤلاء النخب على أنفسهم؛ فرئيس التحرير لم
يعد بحاجة إلى أمر مباشر من وزير الإعلام أو الجهات السيادية ليحذف اسما أو يغيّب
وجها من صورة، بل بات يتحرك تلقائيا وبحماس مفرط يفوق رغبة النظام نفسه، رغبة منه
في مراقبة أقرانه وتخوين المخالفين وإخراس أي صوت يطالب بالمحاسبة. ولكي يتصالح
هذا المثقف مع ضميره الإنساني ولا يرى نفسه متواطئا في تزوير التاريخ، يلجأ عقله
الباطن إلى حيلة التبرير العقلاني؛ فيقنع نفسه بأنه لا يحذف بطلا عسكريا، بل يحمي
وحدة الصف الوطني أو يحافظ على هيبة الدولة وصورة الزعيم الملهم التي لا يجب أن
تهتز.
والأبعاد
الإنسانية لهذه الظاهرة تتجلى في قسوتها عندما ندرك أن هذا النمط السلوكي يمتلك
قدرة غريبة على البقاء والامتداد، ولا يرحل برحيل الحاكم أو زوال حقبته. فبعد عقود
طويلة من رحيل السادات والشاذلي، استمر هذا الوعي المهندس في العمل والتدفق عبر
الأجيال كإرث نفسي مسموم، وحدث ما يُعرف في السيكولوجية الاجتماعية بالتوريث
النفسي للانشطار العاطفي؛ حيث تسلمت الأجيال الجديدة معارك الماضي كعقائد جامدة لا
تقبل النقاش.
تحول
الانتماء لأطراف الصراع التاريخي من مجرد قراءة نقدية لتاريخ عسكري خاضع للوثائق
والأرقام، إلى أداة سيكولوجية موروثة لحراسة السردية القديمة وتوريث التبعية تحت
مسميات عدة. تندفع تجمعات ونخب معاصرة للدفاع المستميت عن رواية ضد أخرى بحدية
مفرطة وتطرف وجداني حاد، ويمارسون دور شرطة الفكر ضد كل من يحاول تقديم قراءة
منصفة أو متزنة، ليس حبا في السادات أو كراهية في الشاذلي، بل لأن عقولهم ورثت
البنية السيكولوجية المشوهة ذاتها: العجز عن العيش خارج ثنائية القداسة المطلقة أو
التخوين الكامل، ليظل العقل الجمعي أسيرا يدور في حلقة مفرغة، عاجزا عن التحرر أو
بناء علاقة ناضجة ومستقرة مع تاريخه ورموزه.
وهنا يبرز
تحول سوسيولوجي حاسم غيّر مسار اللعبة الوجدانية برمتها؛ فلولا المنعطف السياسي
الضخم المتمثل في جنوح الرئيس السادات نحو عقد اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان
الصهيوني، في مقابل الرفض القاطع والمبدئي لها من قِبل الفريق الشاذلي، لربما
استمرت الرواية الرسمية في احتكار وعي الأجيال لعقود طويلة. لكن هذا الفراق
السياسي الجوهري أحدث شرخا عميقا في لوحة بطل الحرب والسلام؛ وحين بدأ المزاج
الشعبي والنخبوي يتوجس عاطفيا وسياسيا من مسار السلام المزعوم ونتائجه، تلاقت هذه
الهواجس اللاشعورية مع موقف الشاذلي الصلب في منفاه. لقد منح هذا التحول في المزاج
العام دافعا نفسيا للجماهير لكسر سردية الرواية الساداتية، فبدأ الجمهور طواعية في
رحلة ترميم وجداني لسردية الجنرال المبعد، وأعادوا بناء مكانته العسكرية
والتاريخية كنوع من الرد النفسي والسياسي على مسارات السلطة، مما يثبت أن هندسة
الوعي مهما بلغت دقتها، تظل رهينة بالتحولات الكبرى في الواقع وتحولات المزاج
النفسي للشعوب.
وقد ساعد
في ذلك أن الطرف الثاني من الصراع لم يهادن؛ إذ رفض الفريق الشاذلي الاستسلام
لقرار طمسه في غيابات النسيان، فخاض من منفاه معركة مضادة لاسترداد حقيقته وتاريخه
العسكري. وتجلت هذه المقاومة المعرفية في إصداره لكتابه الحاسم مذكرات حرب أكتوبر
الذي فكك فيه الرواية الرسمية بالأرقام والخرائط والوثائق، وتلاها بعد عقود بظهوره
التاريخي في سلسلة حلقات تلفزيونية مطولة (في برنامج شاهد على العصر)، ليعيد سرد
الرواية بعين الجنرال الذي أُقصي من المشهد.
هذا
التحرك المضاد لم يكن مجرد دفاع شخصي عن النفس، بل كان بمثابة هندسة وعي مضادة
للعقل الجمعي؛ إذ أحدثت شهادته الموثقة شرخا عميقا ومستداما في جدار السردية التي
بناها مهندس الوعي الساداتي، وأثبتت للأجيال المتعاقبة أن الحقيقة تملك طاقة
انبعاث ذاتية قادرة على اختراق آليات الطمس والتأرجح العاطفي مهما طال زمن الحصار
الإعلامي.
إن شفاء
الوعي الإنساني من مرض التطرف العاطفي والانشطار المعرفي يبدأ من كسر آلية التقييم
أحادي اللون، والتحرر من بوصلة مهندس الوعي التي تحرك مشاعر الجماهير بين قطبي
التقديس الأعمى والشيطنة المطلقة. وقد وضع القرآن الكريم منهجا نفسيا وفكريا صارما
لحماية العقل البشري من الانزلاق في هاوية الاستقطاب الوجداني التي تدمر النضج
المعرفي للمجتمعات.
ففي
مواجهة آلية التشويه والشحن السريع التي تسعى لقلب الحقائق ودفع الناس لإصدار
أحكام قطعية متطرفة بناء على روايات السلطة أو الأنباء الموجهة، يقدم القرآن في
سورة الحجرات ترياق التثبت المعرفي كأداة لحماية النفوس من الاندفاع العاطفي غير
المحسوب، وذلك في قول الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)
تأتي هذه
الآية لتكبح جماح الاندفاع الإنساني الفطري نحو تبني الأحكام الجاهزة؛ فالتبيّن
هنا ليس مجرد إجراء إداري، بل هو عملية فصل وجداني وعقلي عن الشحن العصبي والدوار
الإعلامي الذي يمارسه مهندس الوعي. إن القرآن يربط بين غياب التثبت وبين الإصابة
بالجهالة، وهي الحالة النفسية التي تندفع فيها الجماهير تحت تأثير التطرف العاطفي
لتدمير رموزها وظلم الأبرياء، لينتهي بها الأمر إلى الندم بعد فوات الأوان، وحين
تنكشف الحقائق وتتحطم الأوهام المصطنعة.
وفي
مواجهة الأثر السلوكي الأعمق للظاهرة، وهو التأرجح الوجداني الذي يجعل الإنسان
عاجزا عن العدل والموضوعية إذا ما اختلف مع شخص أو فكرة، يضع القرآن الكريم في
سورة المائدة القاعدة الذهبية المطلقة التي تنسف التفكير الانشطاري من جذوره، في
قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ".
هذا النص
القرآني هو المعيار الأسمى للنضج النفسي والمعرفي؛ فالشنآن وهو شدة البغض
والكراهية الناتجة عن الخلاف، يُعد الوقود الأساسي الذي يغذي به مهندس الوعي آلية
التدمير وتحطيم القدوات. يأتي الأمر الإلهي الحاسم: ولا يجرمنكم، أي لا يحملنكم
هذا التغير العاطفي الحاد على غياب العدل والإنصاف. إن الإسلام يطالب العقل البشري
بأن يظل قواما بالقسط، عادلا في تقييمه، قادرا على رؤية المساحات الرمادية
والموازنة بين المحاسن والعيوب، حتى في أوقات الخلاف الشديد.
إن
استعادة الاتزان العاطفي والموضوعية في الحكم هي الخطوة الأولى والأساسية للخروج
من تأثير مهندس الوعي. وحين يتحصن المجتمع بهذا المنهج القرآني، يتوقف عن كونه
كتلة سائلة تحركها خطابات السلطة كيفما تشاء، ويسترد عافيته النقدية ليرى رموز
تاريخه وحقائق واقعه بأعين واعية متزنة، خارج حدود الشحن العاطفي المظلم.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.