"بنغفيريون" و"سموتريتشيون" في عواصمنا

نزار السهلي
"خطط وبرامج وأحلام بن غفير وسوتريتش ونتنياهو عن إسرائيل الكبرى وضرورات السيطرة على أراضٍ عربية تشمل لبنان والأردن وسوريا ومصر والسعودية"- جيتي
"خطط وبرامج وأحلام بن غفير وسوتريتش ونتنياهو عن إسرائيل الكبرى وضرورات السيطرة على أراضٍ عربية تشمل لبنان والأردن وسوريا ومصر والسعودية"- جيتي
شارك الخبر
لا يذكر تاريخ هزيمة الجيوش العربية أمام إسرائيل قبل 59 عاماً، من دون ألم التحسر على واقع تبدلت فيه مواقع الاحتلال ومكانته في جغرافيا عربية وعند أنظمة عربية وبعض نخبها السياسية، فلا شعارات باقية ولا سياسات وبرامج ملموسة ارتبط ذكرها بالفاجعة العربية الفلسطينية. بقيت الأرض وناسها دريئة ثابتة لمخططات وسياسات صهيونية استعمارية تُحدث الاقتلاع والحرق التهجير والتطهير العرقي، لمن يود مغادرة كتب تاريخ الهزيمة وتذكرها، في معايشة أرض تحترق بأعتى الأسلحة، وتباد مدن وقرى عن بكرة أبيها، لتفهم أجيال عربية كيف مر الحدث وتكرر مرتين في العام 1948 و1967، بالأسباب نفسها التي تحاصر الوعي البشري المنفلت من عقال الأخلاق والضمير والحس الإنساني والوطني، وهو يتفرج لعامين كاملين وببث مباشر، على جرائم إبادة جماعية جرى ويجري التعامل معها بمفاعيل هزيمة عربية تاريخية عندما صرخ المنكوبون أولاً وثانياً من ضياع أرضهم وحقوقهم، وصدحت حناجر نسلهم في حاضر الإبادة.

مؤلم وصادم جواب التاريخ، لنعرف أن الإخضاع والسحق، والاقتلاع والتهجير والتطهير العرقي، وسماع خطط وبرامج وأحلام بن غفير وسوتريتش ونتنياهو عن إسرائيل الكبرى وضرورات السيطرة على أراضٍ عربية تشمل لبنان والأردن وسوريا ومصر والسعودية، ليست فقرات متسلسلة من أدب النكبة أو الهزيمة لمجتمعات تخضع لقوة بطش وقهرٍ واستبداد، يجري فيها تبديل موقع إسرائيل العدواني الاستعماري إلى موقع التحالف والتعايش معه وتبرير سلوكه والدفاع عنه، بعد استتباب النكبة والهزيمة على اعتبار أنها كانت مرحلة تجريبية منحت قوة وحضورا متبادلا للمستعمر وللمستبد العربي.

تحضر في الرواية الرسمية العربية برامج وحوارات ونقاشات تتناول مخاطر تيارات التطرف والتكفير والإرهاب، من مليشيات وجماعات وأحزاب، وتعفي الرواية عن نفسها الاقتراب من نقاش مخاطر إرهاب يتسيّد على جغرافيتها، ويخترق أجواءها وبحرها ويجهر في مطامعه فيهما

يسجل الفلسطينيون ومعهم بعض أشقائهم العرب، الذين يتعرضون اليوم لعدوان إسرائيلي مستمر، لحظات مرعبة للعقل البشري، فتبقى نصف الرواية تنقل على أثير إعلام رسمي ممسك برواية صهيونية؛ لصوص الأرض والتاريخ منزعجون من جرس إنذار أصحاب الأرض، والضحايا غير مؤدبين في السماح لسراق أرضهم بإكمال مشاريع السيطرة عليها وقتلهم وسحلهم وتهجيرهم، ورواية النعت بـ"الإرهاب" ليست لمن يحمل عقائد وأساطير تلمودية وتوراتية لسحق "الأغيار" ويعمل وفقها، ولا لمن ينادي بأحقية اللص أن يستعمر كل فلسطين ويستوطن جنوب لبنان وسوريا، والسيطرة على كامل المنطقة بالقوة والإخضاع بدعمٍ أمريكي سافر، بل نعت للضحايا ولنواياهم.

تحضر في الرواية الرسمية العربية برامج وحوارات ونقاشات تتناول مخاطر تيارات التطرف والتكفير والإرهاب، من مليشيات وجماعات وأحزاب، وتعفي الرواية عن نفسها الاقتراب من نقاش مخاطر إرهاب يتسيّد على جغرافيتها، ويخترق أجواءها وبحرها ويجهر في مطامعه فيهما، فما يحمله بتسلئيل سوتريتش من خرائط السيطرة والاستيطان، وما يخطط له بن غفير ونتنياهو للتطهير العرقي وإخضاع الكل العربي بالقوة، لا يحظى باهتمام كما هو حال البروباغندا المشتركة عن الإسلام والإرهاب وخطط محاربتهما، فبعض النخب العربية البنغورية والبلفورية والبنغفيرية، تذهب إلى أبعد من ذلك في تبني سردية التزييف الصهيوني للمنطقة والصراع معها، لا بل خططها العسكرية والأمنية مشتركة مع تل أبيب ومع سموتريتش وبن غفير، فلأول مرة يشهد العربي وحدة أنظمته العسكرية بالدفاع عن أجواء الاحتلال ومنع انهيار منظومة الغذاء والطاقة لديه بمساعدة عربية.

النخب البنغفيرية العربية، التي تنهشها عنصرية مقيتة ضد ضحايا النكبة والهزيمة والعدوان، وتتملق لجلاد أرضها، تفرك يديها شماتةً في هزيمة أي مقاومة للمعتدي، تفعل ذلك في إطار هزيمة مشروع انتصاري عربي، فقد أظهرت حرب الإبادة في غزة وتغول إسرائيل في جرائم الحرب وضد الإنسانية وإعادة احتلال جنوب لبنان وسوريا والإسراع في عملية ضم كل الضفة وإنهاء عملية "السلام"، أن عملية التراجع والتقهقر العربي، يتم التعامل معها من هذه النخب ككارثة طبيعية لا يمكن تجنبها، لذلك لم تقترب من المراجعة الذاتية صغيرة كانت أم كبيرة، إلا في مراجعة علاقة أنظمتها بالقضية الفلسطينية بوصفها عنوانا للتمنين والتعب والضجر منها لكثرة الإحراج التاريخي الذي سببته لتلك الأنظمة.

مقارنة عدوان الهزيمة عام 1967 مع واقع اليوم، والفشل الذي أصاب محاولات الاحتلال تفريغ الضفة الغربية وغزة والقدس من سكانها، نجد أن الاحتلال في عدوان اليوم نجحت خططه جزئياً في تثبيت بعضها بشكل صريح وسافر وأكثر فظاظة، بطرح المشاريع القديمة للتطهير العرقي التي وضعها الصهيونيون الأوائل؛ بأن فلسطين يجب أن تكون لليهود فقط وينبغي استخدام الطرق المناسبة للتضييق على العرب وطردهم على مراحل،
على الأقل النظر في تصريحات وسياسات اليمين الصهيوني بجدية مطلقة، فتجاهلها لا يعني بالمطلق أنها لن تنفذ، بينما الواقع يشير لعكس ذلك تماماً إذا دقق المرء في عملية الإبادة في غزة ولبنان والتوسع والاحتلال في جنوب سوريا
وهذه المراحل أصبحت تحذيرات مباشرة لمئات آلاف السكان في غزة ولبنان والجنوب السوري؛ توجه لمدن وقرى وبلدات ومخيمات لإخلائها من السكان، لتنسف كل شرايين الحياة فيها.

هذه الخطط والجرائم، ليست لأن تصرفات أصحاب الأرض غير طبيعية، بل لأن المشروع الصهيوني يقتضي تنفيذه طرد العرب من فلسطين والأردن ولبنان وسوريا إلى صحاريهم البعيدة، وهذه الأفكار التي يحاول البنغفيريون العرب القفز عنها كما قفز عنها من قبل بنغوريون وبلفوريون عرب في مشاريع الاستسلام وأوهام "السلام" والتطبيع، لا تجلب استقرارا وأمانا للأنظمة والشعوب من مخاطر حقيقية تحيط بوجودها المستقبلي في المنطقة، على الأقل النظر في تصريحات وسياسات اليمين الصهيوني بجدية مطلقة، فتجاهلها لا يعني بالمطلق أنها لن تنفذ، بينما الواقع يشير لعكس ذلك تماماً إذا دقق المرء في عملية الإبادة في غزة ولبنان والتوسع والاحتلال في جنوب سوريا.

بعيداً عن سوق ثقافية وسياسية متحولة، وعلى منأى من مواقف بنغفيرية وسموتريتشية متحولة نحو التمسك بهزيمة كل العرب، يعتقد رواد السوق أنها محققة بانتصار صهيوني عليها وعلى شعوبها وقضاياها، يمارس الوجدان الشعبي العربي اتساقه الأخلاقي الوطني رغم قهره وبؤسه من الاستبداد والقمع ومحاولات نزع الوطنية والمواطنة عنه، في مسار لا يهجر مبدأ العدالة والحرية لقضاياه كما تكشف كل مرة استطلاعات رأي عربية واتجاهات المؤشر العربي لموقع قضية فلسطين والموقف من إسرائيل وعدوانها. فإذا كان موقع البنغفيرية والسموتريتشية بهذا المقت والانحدار والاحتقار الشعبي بسبب فاشيتهما وعنصريتهما، يحاول المفتونون بهما في العواصم العربية تقديمهما منتصرين والانتشاء بعضلات إسرائيل وقوتها التدميرية على الجغرافيا والبشر، وأنه لا راد لقدرها سوى انضمام من بقي يقاوم هذه الفاشية لموقع عربي بنغفيري سموتريتشي العقيدة وبدونية مهزومة.

x.com/nizar_sahli


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)