ناقشت حلقة بحثية نظمها مركز الزيتونة
للدراسات والاستشارات
تداعيات الحرب الإسرائيلية ـ الأمريكية على
إيران
وانعكاساتها المحتملة على القضية الفلسطينية، وسط تقديرات بأن المواجهة الأخيرة لم
تكن مجرد صراع عسكري محدود، بل محطة جديدة في إعادة تشكيل موازين القوة في
المنطقة، ستؤثر في سلوك إيران و"إسرائيل" والولايات المتحدة، كما ستنعكس
على وضع المقاومة الفلسطينية والمواقف العربية والإقليمية.
وشارك في الحلقة، التي عقدت عبر تقنية
الاتصال المرئي، عدد من الباحثين والمتخصصين في الشؤون السياسية والاستراتيجية،
وأدارها مدير عام مركز الزيتونة الدكتور محسن محمد صالح، الذي أكد أن الحرب تفرض
الحاجة إلى قراءة أوسع لتداعياتها على البيئة الإقليمية والدولية، خصوصًا في ما
يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية، ومسارات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
إيران بين تعزيز الردع وإعادة حسابات
المواجهة
وفي قراءة لتحولات الموقف الإيراني بعد
الحرب، قال الباحث في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية الدكتور حسام مطر
إن نتائج المواجهة لا تزال في طور التشكل، وإن الحكم على آثارها النهائية يحتاج
إلى مراقبة تطورات عدة، أبرزها كيفية تقييم طهران للحرب، وطبيعة التحولات في
القضية الفلسطينية، والتغيرات في البيئة الإقليمية.
ورأى مطر أن المواجهة عززت داخل إيران قناعة
بأن "إسرائيل" تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الإيراني، كما أعادت
التأكيد على أهمية دعم القضية الفلسطينية ومحور المقاومة، لكنها في الوقت ذاته
أظهرت الكلفة العالية للمواجهة العسكرية المباشرة، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى
مراجعة أدواتها وأولوياتها.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد
تركيزًا أكبر على الدعم السياسي والدبلوماسي والإنساني للقضية الفلسطينية، إلى
جانب البحث عن صيغ جديدة لدعم المقاومة تتلاءم مع المتغيرات التي أفرزتها الحرب،
مع محاولة الحفاظ على دور إيراني مؤثر في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
إسرائيل.. استثمار الحرب لتكريس مشروع
الهيمنة
من جهته، تناول الباحث في الشأن الإسرائيلي
الدكتور نهاد الشيخ خليل انعكاسات الحرب على السياسة الإسرائيلية، معتبرًا أن
الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها تحديًا استراتيجيًا
مرتبطًا بطبيعة المشروع الصهيوني نفسه، وليس مجرد ملف أمني قابل للإدارة.
وأوضح أن استمرار الحرب يرتبط بمجموعة عوامل
داخلية وخارجية، من بينها مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
السياسي، والصراع داخل التيار اليميني، والأيديولوجيا الداعمة للتوسع والاستيطان،
إضافة إلى الرغبة في تعزيز الهيمنة الإسرائيلية إقليميًا.
وأضاف أن التقديرات الإسرائيلية تعتبر الحرب
على إيران نجاحًا عزز الردع وأضعف خصوم "إسرائيل"، لكنها تبقى مرتبطة
بمدى استمرار الدعم الأميركي، وبقدرة تل أبيب على مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.
وحذر من أن غياب تحرك عربي وإسلامي فاعل،
إلى جانب ضعف الضغوط الدولية، قد يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة أوسع لمواصلة
سياساتها في الضم والاستيطان وفرض الوقائع على الأرض.
لبنان والملف الفلسطيني.. بين التضامن
والهواجس الداخلية
وفي محور انعكاسات الحرب على لبنان، قال
الباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور شفيق شقير إن العلاقة بين لبنان والقضية
الفلسطينية تحمل خصوصية تاريخية وسياسية، بالنظر إلى وجود اللاجئين الفلسطينيين
وقرب الجغرافيا اللبنانية من فلسطين المحتلة.
وأوضح أن الموقف اللبناني الرسمي يقوم
تقليديًا على دعم الحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض التوطين والتمسك بحق العودة،
لكنه أشار إلى أن التحولات الإقليمية الأخيرة أعادت فتح نقاشات داخلية لبنانية
مرتبطة بملف الوجود الفلسطيني وسلاح المخيمات.
وحذر شقير من أن بعض الاتجاهات السياسية قد
تستغل تداعيات الحرب لإعادة طرح مقاربات تضغط على الفلسطينيين أو تدفع نحو تهميش
قضيتهم، مؤكدًا أن مستقبل هذا الملف سيظل مرتبطًا بالتوازنات الداخلية اللبنانية
وبالمعادلات الإقليمية.
واشنطن وفلسطين.. استمرار الانحياز وإعادة
ترتيب التحالفات
أما أستاذ العلوم السياسية والدراسات
المستقبلية الدكتور وليد عبد الحي، فركز على تأثير الحرب في السياسة الأمريكية
تجاه القضية الفلسطينية، معتبرًا أن الصراع الأمريكي ـ الإيراني منذ عام 1979 ارتبط
بشكل وثيق بالملف الفلسطيني باعتباره أحد محاور التنافس الإقليمي.
وقال إن سياسات إدارة الرئيس الأمريكي
دونالد ترامب تجاه المنطقة اتسمت بانحياز واضح لـ"إسرائيل"، مستشهدًا
بخطوات مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل السفارة الأمريكية، والانسحاب من
الاتفاق النووي مع إيران، ودعم الاستيطان، وطرح ما عُرف بـ"صفقة القرن".
ورأى عبد الحي أن واشنطن قد تستخدم تداعيات
الحرب لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية ومحاولة تقليص نفوذ إيران، بما قد ينعكس
على القضية الفلسطينية عبر مزيد من تهميش ملفات القدس واللاجئين والسيادة
الفلسطينية، مقابل التركيز على ترتيبات أمنية واقتصادية تخدم المصالح الأميركية
والإسرائيلية.
المقاومة الفلسطينية بعد الحرب.. الصمود
وإعادة التموضع
وفي حديثه عن انعكاسات الحرب على المقاومة
الفلسطينية، قال رئيس تحرير صحيفة السبيل والخبير في الشؤون السياسية
والاستراتيجية عاطف الجولاني إن المواجهات على الجبهتين الإيرانية واللبنانية جاءت
في سياق أوسع مرتبط بتداعيات معركة "طوفان الأقصى"، معتبرًا أن صمود
المقاومة الفلسطينية خلال فترة الحرب شكل عاملًا مؤثرًا في حسابات مختلف الأطراف.
وأشار إلى أن انشغال الاحتلال بجبهات أخرى
خفف بعض الضغوط عن قطاع غزة، ومنح المقاومة فرصة لإعادة ترتيب قدراتها، كما رأى أن
مشاركة أطراف متعددة في المواجهة أعادت إحياء فكرة "وحدة الساحات".
وأضاف أن المرحلة المقبلة ستفرض على
المقاومة التركيز على الحفاظ على قدراتها، وتعزيز التواصل الإقليمي، ودراسة مستقبل
العلاقات مع القوى الداعمة لها، في ظل تغيرات فرضتها الحرب على طبيعة الصراع.
المشهد العربي.. فرصة لإعادة بناء أوراق
القوة
وفي مداخلته حول الموقف العربي، أكد رئيس
تحرير موقع "عربي21" والباحث في شؤون الشرق الأوسط فراس أبو هلال أن الحرب على إيران
كشفت حدود قدرة الولايات المتحدة على إدارة المنطقة بصورة منفردة، وأظهرت أهمية
دول الخليج ومصر في معادلات الأمن والطاقة والمصالح الدولية.
ورأى أبو هلال أن هذه المعطيات تمنح الدول
العربية فرصة لامتلاك هامش أكبر في التأثير على السياسات الأمريكية تجاه القضية
الفلسطينية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
وأشار إلى أن الحرب أظهرت كذلك قدرة واشنطن
على التأثير في سلوك "إسرائيل" إذا اتخذت قرارًا سياسيًا بذلك، ما يعني
أن امتلاك الدول العربية لأوراق اقتصادية واستراتيجية يمكن أن يتحول إلى أدوات ضغط
أكثر فاعلية.
وأضاف أن التجربة الإقليمية الأخيرة أظهرت
محدودية قدرة التطبيع على توفير الأمن، داعيًا إلى إعادة تقييم مسارات العلاقات
الإقليمية، وتعزيز الانفتاح على مختلف القوى الفلسطينية، وبناء مقومات قوة عربية
أكثر استقلالًا.
مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي
وخلصت الحلقة إلى أن الحرب
الإسرائيلية ـ الأمريكية على إيران قد تكون نقطة تحول في مسار الصراع الإقليمي، ليس
فقط بسبب نتائجها العسكرية المباشرة، بل بسبب تأثيرها في طبيعة التحالفات، ومستقبل
الردع، وحدود النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وبينما يرى بعض الباحثين أن الحرب قد تعزز
موقع "إسرائيل" والولايات المتحدة في المدى القريب، يرى آخرون أنها كشفت
هشاشة بعض الترتيبات الإقليمية، وفتحت المجال أمام إعادة التفكير في أدوات التأثير
العربي والفلسطيني في مرحلة تتسم بإعادة تشكيل موازين القوة.