أعادت السلطات التركية فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ البلاد، بعد نحو 17 عاما على مصرع مؤسس وزعيم حزب الاتحاد الكبير محسن
يازيجي أوغلو وخمسة من مرافقيه في حادث
تحطم مروحية عام 2009، وذلك عقب ظهور معطيات ووثائق جديدة دفعت النيابة العامة في أنقرة إلى تنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت عددا من العسكريين ورجال الأمن السابقين، وسط اتهامات تتعلق بالقتل العمد مع سبق الإصرار والانتماء إلى منظمة فتح الله غولن، التي تصنفها أنقرة تنظيما إرهابيا.
وتقول السلطات التركية إن التحقيق الجديد يستند إلى أدلة لم تكن مطروحة خلال السنوات الماضية، من بينها بيانات رادارية، وتقارير استخباراتية، ووثائق تتعلق بطريقة التعامل مع حطام المروحية، ما أعاد القضية إلى واجهة المشهد السياسي والقضائي في
تركيا.
عملية أمنية واسعة في 10 ولايات
أعلنت النيابة العامة في أنقرة، بالتنسيق مع مديرية أمن العاصمة، تنفيذ عملية أمنية متزامنة في عشر ولايات فجر 13 تموز/ يوليو، استهدفت 29 مشتبها بهم يواجهون اتهامات بـ"تأسيس وإدارة والانضمام إلى منظمة إرهابية مسلحة" و"القتل العمد مع سبق الإصرار"، وفق بيان صادر عن وزارة العدل التركية والنيابة العامة.
وشملت المداهمات ولايات أنقرة وإسطنبول وإزمير وباليكسير وأضنة وأنطاليا وتشاناكالي وبورصة وإسبرطة وأفيون قره حصار، وأسفرت عن اعتقال 25 مشتبها به، فيما تبين أن اثنين منهم يقضيان عقوبات بالسجن، بينما يوجد اثنان آخران خارج البلاد، مع استمرار الجهود لإلقاء القبض عليهما.
ومن بين الموقوفين مدير الشرطة السابق دورسون أوزمن، الذي سبق أن حوكم في ملف يازيجي أوغلو بتهم تتعلق بتزوير وثائق رسمية وإساءة استخدام السلطة، إلى جانب عدد من الضباط والعسكريين السابقين.
كما أشارت السلطات إلى أن داود أوتشوم وأيدين أوزسوجاك، اللذين سبق أن أدينا في قضية التنظيم العسكري لمنظمة فتح الله غولن، كانا ضمن الأشخاص الذين ظهرا سابقا في تسجيلات مصورة وهم يزيلون أجهزة الملاحة من المروحية بعد سقوطها، وهما موجودان حاليا في السجن.
اتهامات بالقتل والانتماء لمنظمة غولن
وأوضحت وزارة العدل التركية أن التحقيقات الجديدة شملت مراجعة جميع الملفات السابقة التي أجرتها النيابة العامة في كهرمان مرعش، والنيابة الخاصة في ملاطية، إضافة إلى النيابة العامة في أنقرة، فضلا عن تقارير صادرة عن محكمة التمييز.
وبحسب الوزارة، توصلت التحقيقات إلى وجود "أدلة ملموسة" تعزز الاشتباه في تورط عدد من العسكريين وضباط الشرطة ومسؤولي الاستخبارات في ارتكاب جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار، ضمن أنشطة منظمة فتح الله غولن.
وشملت دائرة التحقيق طيارين عسكريين كانوا يحلقون في المنطقة يوم الحادث، وأعضاء فرق التحقيق العسكرية والمدنية الذين تعاملوا مع موقع سقوط المروحية، فضلا عن مسؤولين أمنيين مكلفين بتحديد إحداثيات موقع الحادث.
تزامنت حملة الاعتقالات مع ظهور وثائق جديدة وصفتها وسائل إعلام تركية بأنها من أبرز التطورات في القضية منذ وقوع الحادث، إذ كشفت بيانات الرادارات العسكرية عن تحليق طائرتين مقاتلتين من طراز "إف-16" وطائرة من طراز "إف-4" في الأجواء المحيطة بموقع تحطم المروحية خلال الفترة الزمنية التي وقع فيها الحادث، وهو ما أعاد إلى الواجهة فرضيات طالما أثيرت بشأن احتمال تعرض المروحية لتدخل خارجي.
وبحسب الوثائق، فإن التحقيقات الجديدة أعادت فحص سجلات الرادارات العسكرية، بعد أن ظل ملف تحليق الطائرات الحربية محل تساؤلات طوال السنوات الماضية دون أن يخضع لتحقيق موسع، رغم مطالبة أسرة يازيجي أوغلو ومحاميه بذلك.
اظهار أخبار متعلقة
مذكرة استخباراتية: يازيجي كان على قيد الحياة
ومن أكثر الوثائق التي أثارت الانتباه مذكرة استخباراتية تعود إلى مساعد مدير فرع الاستخبارات في ولاية كهرمان مرعش آنذاك، الضابط د. أ، تضمنت معلومات تفيد بأن محسن يازيجي أوغلو لم يكن قد فارق الحياة مباشرة بعد الحادث.
وأشارت المذكرة إلى أن الزعيم الراحل كان مصابا بكسر في ساقه، لكنه كان لا يزال على قيد الحياة، وهو ما يثير تساؤلات جديدة حول طبيعة عمليات الإنقاذ التي أعقبت سقوط المروحية، والمدة التي استغرقتها فرق البحث للوصول إلى الموقع.
ويرى متابعون أن هذه المعلومات قد تفتح بابا جديدا في التحقيق، يتعلق بإمكانية وجود تقصير أو تعمد في تأخير عمليات الإنقاذ، وهي فرضية كانت قد أثيرت مرارا خلال السنوات الماضية دون أن تحسم قضائيا.
إزالة أجهزة المروحية قبل انتهاء التحقيق
وكشفت الوثائق أيضا أن مجموعة من العسكريين توجهت إلى موقع تحطم المروحية رغم أنهم لم يكونوا ضمن فرق الإنقاذ أو التحقيق الرسمية، وقامت بإزالة عدد من الأجهزة الأساسية من الحطام، من بينها جهاز تحديد المواقع "جي بي إس" والصندوق الأسود.
وأظهرت محاضر التحقيق المدني الأولى، المؤرخة في 31 آذار/ مارس 2009، وجود ملاحظات صريحة بشأن إزالة هذه الأجهزة من المروحية، بينما تضمنت محاضر لاحقة، مؤرخة في 15 نيسان/ أبريل من العام نفسه، تبريرا لهذه الخطوة بالقول إن الأجهزة أزيلت بسبب سوء الأحوال الجوية والأمطار.
إلا أن إعادة فتح الملف دفعت المحققين إلى إعادة تقييم هذه الإجراءات، باعتبار أن إزالة الأجهزة قبل استكمال التحقيق الفني ربما أثرت في جمع الأدلة وكشف أسباب الحادث.
وخلال عمليات التفتيش التي رافقت حملة الاعتقالات، أعلنت وزارة العدل التركية ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر داخل منازل وأماكن عمل المشتبه بهم.
ووفق البيان الرسمي، صادرت قوات الأمن 20 مسدسا، و2507 طلقات نارية من أعيرة مختلفة، و35 مخزنا للذخيرة، إضافة إلى بندقيتي صيد، بينما أكدت النيابة العامة أن التحقيق ما زال مستمرا "بجميع جوانبه" للكشف عن الحقيقة الكاملة وتحديد المسؤولين عن وفاة يازيجي أوغلو ومرافقيه، وتقديمهم إلى العدالة.
لماذا بقي ملف يازيجي أوغلو مفتوحا طوال هذه السنوات؟
يمثل ملف وفاة محسن يازيجي أوغلو واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تركيا خلال العقدين الماضيين، إذ لم تتوقف الشكوك منذ تحطم المروحية في 25 آذار/ مارس 2009 في جبال كهرمان مرعش، أثناء عودة زعيم حزب الاتحاد الكبير من جولة انتخابية، برفقة خمسة أشخاص هم إرهان أوستنداغ، ويوكسل يانجي، ومورات تشتين قايا، ومراسل وكالة الأناضول إسماعيل غونيش، ومصطفى قايا إستك تبه.
ومنذ الأيام الأولى للحادث، ظهرت تساؤلات بشأن أسباب تأخر فرق الإنقاذ في الوصول إلى موقع التحطم، إلى جانب اختفاء أجهزة من المروحية، ووجود تحركات عسكرية غير اعتيادية في المنطقة، وهو ما دفع عائلة يازيجي أوغلو وحزبه إلى المطالبة مرارا بإعادة التحقيق.
كما عززت محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 الاتهامات الموجهة إلى منظمة فتح الله غولن، بعدما بدأت السلطات التركية إعادة مراجعة عدد من القضايا التي يشتبه في ارتباط عناصر من التنظيم بها، ومن بينها ملف وفاة يازيجي أوغلو.
وتشير وسائل إعلام تركية إلى أن التحقيق الحالي لا يقتصر على ظروف تحطم المروحية، بل يشمل أيضا كل ما جرى بعد الحادث، بما في ذلك إجراءات البحث والإنقاذ، وآلية التعامل مع موقع التحطم، وإزالة أجهزة المروحية، ودور بعض المسؤولين الأمنيين والعسكريين الذين كانوا مكلفين بمتابعة القضية.
اظهار أخبار متعلقة
الحكومة: لن يبقى أي ملف في الظلام
وأكد وزير العدل التركي أكين غورلك أن إعادة فتح التحقيق تأتي استجابة لمطلب مجتمعي وقضائي استمر سنوات، مشددا على أن الدولة عازمة على كشف جميع ملابسات القضية.
وقال غورلك إن التحقيق في وفاة محسن يازيجي أوغلو ورفاقه "يعد من الملفات التي تركت أثرا عميقا في ضمير الأمة التركية"، مؤكدا أن الحكومة تتحمل مسؤولية الاستجابة لتطلعات الرأي العام في الوصول إلى الحقيقة.
وأضاف أن "السنوات التي مرت لن تمنع القضاء من كشف أي حقيقة، ولن يبقى أي ملف في الظلام أو أي شك دون إجابة"، مشيرا إلى أن التحقيق سيستمر حتى كشف جميع المسؤولين عن الحادث وتقديمهم إلى العدالة.
ويقول محللون أتراك إن نتائج التحقيق الجديد قد تعيد رسم الصورة الكاملة لإحدى أكثر القضايا السياسية والأمنية غموضا في تركيا، خاصة إذا نجحت السلطات في إثبات صحة الأدلة الجديدة المتعلقة بتحليق الطائرات العسكرية، وإزالة أجهزة المروحية، والاشتباه في بقاء يازيجي أوغلو حيا لساعات بعد الحادث، وهي معطيات قد تغير الرواية الرسمية التي استقرت عليها القضية منذ عام 2009.