تتواصل حالة الاضطراب داخل صفوف حزب
الشعب الجمهوري التركي، بعد القرار القضائي الذي أعاد الزعيم السابق للحزب كمال
كليجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب، ما دفع جناح رئيس الحزب السابق أوزغور أوزيل إلى التحرك نحو تأسيس كيان سياسي جديد، بالتزامن مع موجة استقالات وانشقاقات متتالية لصالح حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام تركية، فإن فريق أوزغور أوزيل بدأ فعليا إجراءات تأسيس حزب جديد يحمل اسم "حزب المسيرة"، وذلك بعد تعذر التوصل إلى مخرج للأزمة الداخلية التي تفجرت عقب إلغاء مؤتمر الحزب بقرار قضائي وإعادة كمال كليجدار أوغلو إلى القيادة.
ونشرت حسابات مقربة من تيار أوزيل على مواقع التواصل الاجتماعي الشعار الأولي للحزب الجديد، في خطوة اعتبرت مؤشرا على انتقال الصراع داخل المعارضة التركية إلى مرحلة جديدة.
وكان أوزغور أوزيل قد ألمح خلال كلمة ألقاها أمام الكتلة البرلمانية للحزب إلى مواصلة المواجهة السياسية، قائلا: "سنقاوم حتى النهاية. سنجد حلا أو سنبتكره. لكن في النهاية سنصل إلى السلطة".
كليجدار أوغلو يثير الجدل
وفي خضم الأزمة الداخلية، أثارت تصريحات كمال كليجدار أوغلو موجة واسعة من الجدل، بعدما اعتبر أن القضايا المرفوعة ضد رئيس بلدية إسطنبول الكبرى أكرم إمام أوغلو وعدد من البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري ليست قضايا سياسية، وإنما "قضايا فساد".
وفي مقابلة مع الكاتب التركي مصطفى بالباي، قال كليجدار أوغلو: "أنا منفتح على جميع الانتقادات، لكنني أرفض التضليل. هذه القضايا ليست سياسية، بل هي قضايا فساد".
وجاءت تصريحات كليجدار أوغلو ردا على تساؤلات بشأن الأحكام القضائية الصادرة بحق أكرم إمام أوغلو، والتي شملت أحكاما مشددة بالسجن وإلغاء شهادته الجامعية وإجراءات اعتقاله.
اظهار أخبار متعلقة
وعندما أشار الكاتب التركي إلى أن المطالبة بسجن إمام أوغلو لآلاف السنوات وسحب شهادته واعتقاله تحمل أبعادا سياسية واضحة، رد كليجدار أوغلو قائلا: "أنا أيضا ضد المحاكمة أثناء الاحتجاز. وقد أكدت ذلك عندما زرت عائلته. لكننا بحاجة أولا إلى استعادة تفوقنا الأخلاقي".
كما شدد على ضرورة احترام القرارات القضائية حتى مع انتقادها، قائلا: "يمكنك انتقاد قرار المحكمة بأشد العبارات، لكن يجب عليك الالتزام به".
وفي معرض رده على الانتقادات التي اتهمته باللجوء إلى القضاء بدلا من حل الخلافات داخل الحزب عبر مؤتمر عام، قال: "تم اتخاذ القرار القضائي، فلماذا يخافون مني؟ إنهم يغضبون إذا عارضت التطبيع، ويغضبون إذا قلت دعونا نطهر أنفسنا".
وعندما نقل له الكاتب التركي انتقادات الشارع التركي التي تقول إن " كليجدار أوغلو دمر الحزب بالكامل"، اكتفى بالرد قائلا: "سنصلح الأمر".
دفاع عن مواقفه الخارجية
ورفض كليجدار أوغلو الاتهامات التي تتهمه بالاقتراب من خطاب السلطة الحاكمة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وقال: "كل ما قلته عن الجغرافيا العثمانية مستمد من كتاب إسماعيل جيم. وقد وردت فيه منطقة البلقان والعالم التركي أيضا. علينا أن نأخذ مكاننا في العالم الجديد الذي يجري تشكيله".
كما دافع عن مواقفه السابقة المتعلقة بالرئيس المشترك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش، موضحا أن زيارته له في السجن كانت مرتبطة بظروف سياسية معينة.
وقال: "لقد زرت دميرطاش في السابق وقلت إنني لا أعتقد أن الاعتقال كان صحيحا. كل شيء يجب أن يفسر وفقا لظروف المرحلة. آنذاك كانت هناك محاولات مستمرة لربط حزب الشعب الجمهوري بحزب العمال الكردستاني، وكان ذلك التحرك ضروريا لمواجهة تلك المحاولات".
اظهار أخبار متعلقة
انشقاقات متتالية
وفي موازاة الأزمة القيادية، تلقى حزب الشعب الجمهوري سلسلة من الضربات السياسية بعد انتقال عدد من رؤساء البلديات والنواب إلى حزب العدالة والتنمية.
وكان أبرز المنشقين رئيس بلدية هايمانا في أنقرة ليفونت كوتش، الذي أعلن استقالته من حزب الشعب الجمهوري قبل ساعات من انضمامه رسميا إلى حزب العدالة والتنمية، حيث سلمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان شارة الحزب.
وأوضح كوتش أسباب قراره في تصريحات لموقع "هابرلار" التركي، مؤكدا أن علاقته مع رئيس بلدية أنقرة الكبرى منصور يافاش شهدت تدهورا كبيرا خلال الأشهر الأخيرة.
وقال: "كان اتخاذ هذا القرار صعبا للغاية، وعشت تقلبات كثيرة حتى اللحظة الأخيرة. نحن ملزمون بتلبية تطلعات مدينتنا ولم نحِد عن هذا المبدأ أبدا".
وأضاف: "أشكر منصور يافاش، فقد كان إلى جانبنا في كثير من القضايا، لكننا خلال الأشهر الستة أو السبعة الأخيرة واجهنا مشاكل كبيرة في التواصل معه".
وتابع: "بينما كان بإمكان رؤساء الفروع الحزبية أو أعضاء المجالس البلدية التحدث معه، لم أتمكن حتى من الحصول على رد على رسائلي أو مكالماتي، ناهيك عن مقابلته".
وكشف كوتش أنه واجه يافاش مباشرة قبل اتخاذ قرار الاستقالة بثلاثة أيام، قائلا له: "إذا ارتكبنا خطأ دون قصد فأخبرنا به لنصححه".
وأضاف أن الرد الوحيد الذي تلقاه كان: "لقد ذهبتم إلى الوزير قبل أيام دون أن تبلغوني". وقال كوتش: "لم نتمكن من الوصول إلى منصور يافاش لمدة ستة أشهر. عندها أدركت تماما أن التواصل قد انقطع".
وشدد على أن مشكلته لم تكن مع الحزب نفسه، بل مع طريقة إدارة العلاقة بين البلدية الكبرى والبلديات التابعة لها.
انضمام نائبين إلى العدالة والتنمية
وفي تطور آخر، انضمت النائبة نعمت أوزدمير إلى حزب العدالة والتنمية بعد استقالتها من حزب الشعب الجمهوري في 17 حزيران/ يونيو الجاري.
وقام الرئيس أردوغان بتسليمها شارة الحزب خلال اجتماع الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم. وقالت أوزدمير عقب انضمامها: "أنا نعمت نفسها، لم يتغير شيء. سأواصل أداء المهمة نفسها".
وبانضمامها ارتفع عدد نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي إلى 277 نائبا.
وكانت أوزدمير قد بدأت نشاطها السياسي في حزب "الجيد" عام 2017، قبل أن تنتقل إلى حزب الشعب الجمهوري عام 2024، ثم تغادره لاحقا متجهة إلى حزب العدالة والتنمية.
اظهار أخبار متعلقة
استقالة رئيس بلدية بأدرنة
كما شهد الحزب استقالة رئيس بلدية كشان في ولاية أدرنة محمد أوزجان، الذي يعد من أبرز وجوه الحزب المحلية، بعدما تولى رئاسة البلدية لأربع دورات انتخابية. وأثارت استقالته ردود فعل غاضبة داخل الحزب.
وقال رئيس فرع حزب الشعب الجمهوري في كشان علي جاكير: "لا أريد أن أصدق أنه سينهي مسيرته السياسية بهذه الطريقة أو أن يقدم على خيانة حزب الشعب الجمهوري العريق".
وأضاف: "إذا كان يفكر فعلا في هذا الخيار فعليه أولا الاستقالة من منصبه كرئيس للبلدية، لأنه وصل إلى هذا المنصب بأصوات أهالي كشان". وتابع: "إنه يخون حزب الشعب الجمهوري وأهالي كشان الذين منحوه ثقتهم".
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه أكبر أحزاب المعارضة التركية أزمة غير مسبوقة، مع تصاعد الخلافات الداخلية بين جناح كمال كليجدار أوغلو وأنصار أوزغور أوزيل وأكرم إمام أوغلو، وسط مخاوف من أن تؤدي الانقسامات والانشقاقات المتلاحقة إلى إضعاف قدرة الحزب على منافسة حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات السياسية المقبلة.