مئوية مسجد باريس.. قصة مؤسسة دينية عابرة للحدود في قلب فرنسا

إن مسجد باريس لعب في الماضي ويلعب الآن وسيلعب في المستقبل أدوارا  لا غنى عنها لتوفير العلاقة الطبيعية بين المهاجر المغاربي وبين البلد المضيف فرنسا..
إن مسجد باريس لعب في الماضي ويلعب الآن وسيلعب في المستقبل أدوارا لا غنى عنها لتوفير العلاقة الطبيعية بين المهاجر المغاربي وبين البلد المضيف فرنسا..
شارك الخبر
يعود مسجد باريس الكبير في الذكرى المئوية لتأسيسه،  إلى واجهة المشهد بوصفه أكثر من مجرد معلم ديني في قلب العاصمة الفرنسية؛ فهو رمز لتاريخ طويل من العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية، وذاكرة حية لحضور المسلمين في فرنسا، ومحطة ارتبط اسمها منذ تأسيسها بالجزائر ودورها التاريخي في إنشاء هذا الصرح الذي شُيّد تكريمًا للجنود المسلمين الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى.

وتزامنت الاحتفالات والفعاليات المرتبطة بهذه المناسبة مع خطوة ثقافية ودينية حملت دلالة رمزية خاصة، تمثلت في شحن حاويتين من المصحف الفاخر للقرآن الكريم، المنجز بخط الخطاط الجزائري محمد بن سعيد شريفي، نحو مسجد باريس، في عملية تصدير اعتبرتها الجزائر امتدادًا لدورها الثقافي والديني، ورسالة عن حضور صناعتها الطباعية في المحافل الدولية.

وجرى استقبال الوفد المرتبط بهذه المناسبة في المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية بالجزائر، بحضور الرئيس المدير العام للمؤسسة هشام عيساني، وعدد من إطاراتها، إضافة إلى وفد تقدمه عميد مسجد الجزائر الأعظم محمد المأمون القاسمي الحسني، ورئيسة ديوان وزارة الثقافة والفنون نصيرة عيايشية، وأئمة مسجد باريس، وممثلون عن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف والمجلس الإسلامي الأعلى ووزارة التجارة الخارجية والصادرات، إلى جانب عدد من المثقفين والمؤلفين، بينهم محي الدين عميمور وعمار طالبي وعبد القادر بن دعماش وعلي دعاس.

مسجد باريس.. ذاكرة جزائرية في قلب فرنسا

يحتل مسجد باريس مكانة خاصة في التاريخ الفرنسي–الجزائري، إذ لم يكن تأسيسه مجرد مشروع ديني، بل ارتبط بسياق سياسي وتاريخي معقد. فقد أُنشئ المسجد في عشرينيات القرن الماضي بمبادرة من السلطات الفرنسية آنذاك، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، تكريمًا للجنود المسلمين الذين قاتلوا ضمن صفوف الجيش الفرنسي، وكان للجزائر، باعتبارها أكبر مستعمرة فرنسية تضم أغلبية مسلمة، دور أساسي في هذا المسار.

ووضع حجر الأساس للمسجد عام 1922، قبل افتتاحه رسميًا عام 1926 بحضور شخصيات فرنسية وجزائرية، ليصبح أول مسجد كبير يُبنى في فرنسا الحديثة، ورمزًا لحضور الإسلام في المجال العام الفرنسي.

بعد قرن على تأسيسه، يواصل مسجد باريس أداء أدوار متعددة تتجاوز الوظيفة الدينية المباشرة. فهو مكان للعبادة، ومركز للتعليم الديني، وفضاء للحوار الثقافي، كما يمثل أحد العناوين الرئيسية في النقاش الفرنسي حول تنظيم الإسلام وموقع المسلمين في المجتمع.
لكن العلاقة بين المسجد والجزائر لم تكن رمزية فقط، إذ ظل طوال عقود مرتبطًا بالنخب الدينية والثقافية الجزائرية، وبالجالية الجزائرية الواسعة في فرنسا، التي جعلت منه فضاءً للعبادة والتعليم والحفاظ على الروابط الثقافية.

وخلال الحقبة الاستعمارية، حمل المسجد أيضًا أبعادًا سياسية متشابكة؛ إذ حاولت الإدارة الفرنسية استخدامه ضمن سياستها تجاه المسلمين، بينما ظل بالنسبة لكثير من الجزائريين رمزًا للهوية والانتماء الديني والثقافي في بيئة استعمارية هدفت إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والدين.

المصحف الجزائري.. دبلوماسية ثقافية بلغة الخط والطباعة

ويأتي وصول المصحف الفاخر إلى مسجد باريس في سياق تسعى فيه الجزائر إلى تعزيز حضورها الثقافي والديني خارج حدودها، عبر تصدير منتج يحمل قيمة رمزية وفنية، وليس مجرد إصدار طباعي.

فالنسخة التي أُنجزت بخط محمد بن سعيد شريفي تمثل تداخلًا بين فن الخط العربي والصناعة الطباعية الحديثة، إذ أنتجت وفق معايير جودة عالية، ما يجعلها نموذجًا لما تصفه الجزائر بـ"الصناعة الوطنية القادرة على المنافسة عالميًا".

وترى المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية أن هذه العملية تعكس تطور قدراتها التقنية والفنية، وتؤكد إمكانية حضور الإنتاج الجزائري في أسواق دولية متخصصة، خصوصًا في مجال طباعة المصاحف والكتب ذات القيمة الفنية العالية.

كما تحمل الخطوة بعدًا دينيًا وثقافيًا، إذ يأتي المصحف إلى أحد أبرز المساجد الأوروبية في لحظة يحتفي فيها هذا الصرح بمرور مئة عام على تأسيسه، بما يعزز رمزية الرابط بين المؤسسة الدينية في فرنسا والعمق الثقافي الجزائري.

مئوية المسجد وأسئلة الدور في فرنسا الجديدة

بعد قرن على تأسيسه، يواصل مسجد باريس أداء أدوار متعددة تتجاوز الوظيفة الدينية المباشرة. فهو مكان للعبادة، ومركز للتعليم الديني، وفضاء للحوار الثقافي، كما يمثل أحد العناوين الرئيسية في النقاش الفرنسي حول تنظيم الإسلام وموقع المسلمين في المجتمع.

وقد تغير موقع المسجد خلال المئة عام الماضية بتغير الظروف السياسية والاجتماعية في فرنسا؛ فمن مؤسسة ارتبط تأسيسها بسياق استعماري، إلى مؤسسة تعكس حضور ملايين المسلمين في فرنسا اليوم، مرورًا بمراحل شهدت تحولات في علاقة الدولة الفرنسية بالدين والهجرة والهوية.

وتبقى علاقته بالجزائر عنصرًا أساسيًا في هويته التاريخية، بالنظر إلى أن غالبية المسلمين في فرنسا ينحدرون من أصول مغاربية، وفي مقدمتهم الجزائريون، الذين يشكلون أكبر الجاليات المسلمة في البلاد.

بين الذاكرة والتجدد

ويعكس التعاون المرتبط بإهداء المصحف الجزائري إلى مسجد باريس محاولة للجمع بين الذاكرة التاريخية والتجدد الثقافي؛ فالمسجد الذي تأسس قبل قرن بوصفه شاهدًا على مرحلة تاريخية محددة، يتحول اليوم إلى مساحة تتقاطع فيها الثقافة والدين والعلاقات الدولية.

وبين الاحتفاء بمئويته واستقبال المصحف القادم من الجزائر، يستعيد مسجد باريس موقعه كجسر بين ضفتي المتوسط، يحمل إرثًا تاريخيًا مثقلًا بالتعقيدات، لكنه يواصل أداء دور رمزي في المشهد الديني والثقافي الفرنسي، وفي علاقة الجزائر بجاليتها وبحضورها التاريخي في أوروبا.

بين الدور الديني والوظيفة السياسية.. هواجس القوة الناعمة

غير أن الحضور الجزائري في مسجد باريس يفتح في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية الإسلامية في أوروبا والدول التي ترتبط بها تاريخيًا. فالمسجد، بحكم رمزيته ومكانته التاريخية وحجمه داخل المشهد الإسلامي الفرنسي، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد مكان للعبادة، بل مؤسسة ذات تأثير ثقافي واجتماعي يمكن أن تمتد أدوارها إلى المجال العام.

ويثير ارتباط مؤسسة دينية بهذا الحجم بدولة خارجية تساؤلات حول استقلاليتها وقدرتها على التعبير عن واقع المسلمين في فرنسا بكل تنوعهم، خصوصًا أن الجالية المسلمة الفرنسية لم تعد امتدادًا لجالية مهاجرة فقط، بل أصبحت مكوّنًا اجتماعيًا متعدد الأجيال والانتماءات، نشأ جزء كبير منه داخل المجتمع الفرنسي نفسه.

يثير ارتباط مؤسسة دينية بهذا الحجم بدولة خارجية تساؤلات حول استقلاليتها وقدرتها على التعبير عن واقع المسلمين في فرنسا بكل تنوعهم، خصوصًا أن الجالية المسلمة الفرنسية لم تعد امتدادًا لجالية مهاجرة فقط، بل أصبحت مكوّنًا اجتماعيًا متعدد الأجيال والانتماءات، نشأ جزء كبير منه داخل المجتمع الفرنسي نفسه.
وتتركز المخاوف التي يثيرها هذا النقاش حول احتمال تحول بعض المؤسسات الدينية إلى أدوات ضمن سياسات النفوذ الثقافي للدول، بما يجعلها تعكس أولويات وعلاقات خارجية أكثر مما تعكس احتياجات المسلمين المقيمين في فرنسا. وفي المقابل، يرى المدافعون عن العلاقة بين الجزائر ومسجد باريس أن الروابط التاريخية والثقافية لا تعني بالضرورة الوصاية السياسية، وأن دعم المؤسسات الدينية من دول ذات امتداد تاريخي مع الجاليات يمكن أن يمثل عامل استقرار وحفاظ على الهوية الدينية والثقافية.

وتعكس هذه الإشكالية نقاشًا أوروبيًا أوسع حول مفهوم "الإسلام الفرنسي"، وحدود العلاقة بين المسلمين في أوروبا والجهات الخارجية التي تربطها بهم روابط دينية أو ثقافية أو تاريخية، في ظل محاولات رسم نموذج ديني أكثر ارتباطًا بالسياق الوطني الفرنسي.

تضييق فرنسي متزايد على الجمعيات الإسلامية

وتأتي هذه النقاشات في ظل بيئة داخلية فرنسية أصبحت أكثر حساسية تجاه المؤسسات والجمعيات الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، حيث شددت السلطات إجراءات الرقابة على عدد من الجمعيات والمساجد، بدعوى مكافحة التطرف وتعزيز مبادئ العلمانية ومواجهة ما تسميه "الانفصال عن قيم الجمهورية".

وقد شملت هذه الإجراءات حلّ بعض الجمعيات الإسلامية، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل، وإقرار قوانين تمنح السلطات صلاحيات أوسع لمتابعة أنشطة المؤسسات الدينية والثقافية. وكان أبرز هذه التحولات صدور قانون "تعزيز احترام مبادئ الجمهورية" عام 2021، الذي أثار جدلًا واسعًا بين الحكومة الفرنسية ومنظمات حقوقية وجمعيات إسلامية رأت فيه تضييقًا على الحريات الدينية والمدنية.

ويرى منتقدو السياسات الفرنسية أن خطاب مكافحة التطرف تحول أحيانًا إلى إطار أوسع لمراقبة النشاط الإسلامي عمومًا، بما أدى إلى خلق حالة من عدم الثقة بين بعض المؤسسات الإسلامية والسلطات. كما يحذرون من أن التركيز الأمني المفرط قد يضعف قدرة الجمعيات المعتدلة على أداء أدوارها الاجتماعية والثقافية، بدل تعزيز اندماج المسلمين في المجتمع.

في المقابل، تؤكد السلطات الفرنسية أن إجراءاتها تستهدف فقط المؤسسات التي تعتبرها مخالفة للقانون أو مرتبطة بخطابات متشددة، وأن الهدف هو ضمان استقلال المجال الديني عن التأثيرات الخارجية وتعزيز نموذج إسلام يتوافق مع قوانين الجمهورية.

"أدوار هذه المنصة الإسلامية في باريس اختلفت باختلاف العصور، فعند تأسيسه كانت الجزائر تشكل جزءا لا يتجزأ من فرنسا الكولونيالية.. الدور الديني لم يختلف لكن الدور السياسي والأخلاقي ومختلف الأدوار الأخرى تغيرت عندما حصلت الجزائر على استقلالها وصار لهذا المسجد ليس فقط بعدا روحيا، وإنما أيضا نوع من الديبلوماسية الناعمة بين الجزائر وفرنسا، وكان المكان الذي يلتقي فيه الفرنسيون والجزائريون من دون صعوبات تذكر في وقت الأزمات".
وبين مساعي فرنسا لإعادة تنظيم حضور الإسلام داخل حدودها، وحرص دول مثل الجزائر على الحفاظ على روابطها التاريخية والثقافية مع الجالية، يبقى مسجد باريس في قلب معادلة دقيقة: مؤسسة تحمل إرثًا تاريخيًا عابرًا للحدود، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بأن تعكس واقع مسلمي فرنسا وتحولاته الجديدة، بعيدًا عن أن تتحول إلى ساحة صراع نفوذ بين الداخل والخارج.

هذه أدوار مسجد باريس

وفي تصريحات خاصة لـ "عربي21"، قال الكاتب والباحث اللبناني فيصل جلول المقيم في العاصمة الفرنسية باريس عن مسجد باريس: "منذ تأسيسه في العام 1920 لعب مسجد باريس دور صلة الوصل بين الجزائريين بصورة خاصة وعموم المهاجرين من شمال إفريقيا بصورة عامة، وبين الجزائر.. وبقية دول المغرب العربي الكبير".

وأضاف: "صلة الوصل هذه كانت منصة في غاية الأهمية لنشر أفكار الاندماج والاعتدال التي يعبر عنها المذهب المالكي، الذي كان في أساس الرسالة الإسلامية التي نشرها مسجد باريس منذ تأسيسه".

وعن أدوار هذه المنصة الإسلامية في باريس، قال جلول: "أدوار هذه المنصة الإسلامية في باريس اختلفت باختلاف العصور، فعند تأسيسه كانت الجزائر تشكل جزءا لا يتجزأ من فرنسا الكولونيالية.. الدور الديني لم يختلف لكن الدور السياسي والأخلاقي ومختلف الأدوار الأخرى تغيرت عندما حصلت الجزائر على استقلالها وصار لهذا المسجد ليس فقط بعدا روحيا، وإنما أيضا نوع من الديبلوماسية الناعمة بين الجزائر وفرنسا، وكان المكان الذي يلتقي فيه الفرنسيون والجزائريون من دون صعوبات تذكر في وقت الأزمات".

وتابع: "هذه المنصة تلقى ترحيبا لا يستهان به من طرف الفرنسيين الذين يمكنهم التمتع ليس فقط بهندسته الأندلسية الرائعة وليس فقط بتقسيمه الداخلي الذي يعكس  جمال العمارة المغربية والجزائرية أيضا بصورة خاصة، لكن أيضا من حيث القيم التي ينشرها والخدمات التي يقدمها، سواء في المقهى أو الحمام المتصل به، أو الطعام التقليدي الجزائري الذي يمكن للفرنسيين بصورة خاصة وللأجانب عموما أن يتمتعوا به داخل هذا الصرح الذي يجب أن لا ننسى أنه الصرح الوحيد في باريس الذي يمكن لكل المالمسلمين أن يجتمعوا فيه في صلاتي العيد الإضحى والفطر، ويقدم المسجد في رمضان وجبات غذائية للمحتاجين في الإفطارات الجماعية وفي المساعدات التي يقدمها ناهيك عن رسالته الثقافية، حيث تمكن من نشر اللغة العربية والتعريف بالقيم الإسلامية الدينية لآلاف الطلاب الأجانب الذين درسوا العربية فيه".

وأكد جلول أن "الأدوار التي لعبها مسجد باريس برعاية الجزائر، التي كانت دائما تختار مدير المسجد والهيئة الإدارية للمسجد وتتحمل مسؤولية هذا الاختيار لأنه، كما نعرف هناك نزعات عنصرية في فرنسا وغالبا ما كانت أصابع الاتهام توجه من طرف العنصريين للمساجد الإسلامية وأحيانا لمسجد باريس، كانت الجزائر تواجه هذه الاتهامات العنصرية وتبرهن عن أن رسالة المسجد هي رسالة تسامح ورسالة اندماج للمهاجرين في فرنسا، ولكن على أصولهم وليس بالتخلي عن قيمهم".

وختم جلول تصريحاته قائلا: "بهذا المقام يمكن القول إن مسجد باريس لعب في الماضي ويلعب الآن وسيلعب في المستقبل أدوارا  لا غنى عنها لتوفير العلاقة الطبيعية بين المهاجر المغاربي وبين البلد المضيف فرنسا.. ويمكن القول إكثر من ذلك إشعاع المسجد يمكن أن ينتشر إلى الدول الأوروبية القريبة من هنا حيث في أول زيارة لباريس لبعض الأوروبيين تجتذبهم صورة المسجد وهندسته ويزورونه، هذا المقام سيلعب نفس الأدوار التي لعبها في الماضي بأسلوب وأدوات ملائمة لهذا العصر"، على حد تعبيره.
التعليقات (0)