يأتي
كتاب "التمثيل السياسي للمرأة بين
الشريعة والقانون" للدكتورة خنساء غازي التوبة، وهو في أصله رسالة دكتوراه
مقدمة إلى كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، ليبحث واحدة من القضايا التي ما تزال
حاضرة بقوة في النقاش الفكري والقانوني المعاصر، وهي قضية حضور المرأة في المجال
السياسي، وحدود مشاركتها وأدوارها بين أحكام الشريعة الإسلامية ومقتضيات القانون.
تنطلق الكاتبة من أن المرأة عنصر أساسي في
بناء المجتمع، وأن الحديث عن حقوقها ودورها السياسي لا ينبغي أن ينفصل عن طبيعتها
ووظيفتها ومكانتها في الأسرة والمجتمع. ومن هنا تسعى إلى قراءة التمثيل السياسي
للمرأة من منظورين متوازيين: الشريعة الإسلامية والقانون، للكشف عن نقاط الاتفاق
والاختلاف بينهما، ومناقشة صور المشاركة السياسية للمرأة داخل الدولة وخارجها.
تعد المرأة المسلمة بؤرة أساسية في بناء
المجتمع الإسلامي، سواء أكانت أماَّ أم بنتاً أم أختاً أم زوجة، فهي المربية وهي
صانعة الأجيال، وقد احتلت قضية المرأة مكانة بارزة في الخطاب العالمي المعاصر، لا
سيما في المجتمعات الغربية التي رفعت منذ عقود شعارات الدفاع عن حقوق المرأة
وتحريرها من أشكال الظلم والتمييز، وكذلك في المجتمع المحلي العربي بدعوى الدفاع
عن حقوقها وتخليصها من كل عسف وجور، ولكن المتأمل لواقع الحال يجد أن هذه
السياسيات التي رفعت شعارات تحرير المرأة قد نقلت المرأة من ظلم إلى ظلم آخر،
فبدلاً من أن تخفف عنها الأعباء، أصبحت مطالبة بأدوار متراكمة.
أما عن حكم تولي المرأة رئاسة الدولة في القانون الدستوري، فباستقراء دساتير عدة دول مثل الأردن ومصر وتونس والجزائر تبين أن القانون يجيز للمرأة أن تتولى منصب رئاسة الدولة في معظم الدول باستثناء الأنظمة الملكية مثل الأردن والسعودية والمغرب.
لذلك ارتأت الكاتبة أن تبين دور المرأة
الحقيقي من وجهة نظر شرعية في أحد المجالات المهمةُ وهو: المجال السياسي سواء أكان
داخل الدولة أم خارجها، وأيضاً من وجهة نظر قانونية، وسط هذه الاتجاهات المتعاكسة
التي تتجاذب المرأة يمنة ويسرة بدعوى نصرتها وتحريرها.
وقد استقرأت الكاتبة في بداية الكتاب
الدراسات السابقة في مجال البحث ثم بينت في بداية الفصل الأول معنى التمثيل
السياسي للمرأة في الشريعة الإسلامية بأنه: توكيل المرأة ونيابتها في تسيير أعمال
نظام الحكم داخلياً بإبداء الرأي في شؤون الأمة المختلفة لتحقيق مصالح النساء بشكل
خاص والأمة بشكل عام، وخارجياً بإعمال العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول
الأخرى وفق القواعد الشرعية.
كما أوضحت المؤلفة معنى التمثيل السياسي
للمرأة في القانون، وهو: تمتع المرأة بالحقوق المدنية السياسية وتحملها للفرائض
والواجبات العامة دون فرق بينها وبين باقي المواطنين، وأن التمثيل السياسي للمرأة
في السياسة الشرعية الإسلامية مرتبط بثلاثة أمور غير موجودة في التمثيل السياسي
للمرأة في القانون، وهي:
الأول ـ أن المرأة تمثل الأمة المتصفة
بالخير بمجموعها رجالاً ونساء "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف
وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". (آل عمران، 110)
الثاني ـ المرأة تناصر الرجال والنساء وليس
النساء وحدهن، وذلك لقوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر". (سورة التوبة، 71)
الثالث ـ أن المرأة تقوم بواجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر وهو الخلق السامي الذي يدفعها إلى أن تكون إيجابية
وفاعلة في تفاصيل واقع الحياة والارتقاء
بها.
ثم أوضحت الكاتبة مجالات التمثيل السياسي
للمرأة وشموله لخارج الدولة مثل السفارة، وتمثيل الدولة في الهيئات والمحافل
الدولية، وداخل الدولة وأن حصرها بالتمثيل السياسي الخارجي هوإغفال للجزء الآخر من
معناه وهو التمثيل السياسي فيما يتعلق بشؤون الدولة الداخلية مثل (الانتخاب،
الترشح للمجالس النيابية البرلمانية، منصب الوزارة، رئاسة الدولة).
ثم أوضحت الكاتبة المبادئ التي نظمت التمثيل
السياسي للمرأة في الشريعة الإسلامية وفي القانون ونتائج كل منهما.
ثم انتقلت الكاتبة إلى الفصل الثاني الذي
حمل عنوان "التمثيل السياسي للمرأة داخل الدولة بين الشريعة والقانون
الدستورى"، وهو أحد مجالي التمثيل السياسي للمرأة، وبينت أنه ينقسم إلى أربعة
أنواع، ثم فصلت في كل نوع منها، وقارنت بين رأي الشريعة ورأي القانون الدستوري في
كل منها.
بدأت الكاتبة الفصل الثاني بحق انتخاب
المرأة وعرفته بالتفصيل لغةً واصطلاحاً في الشريعة وفي القانون، واتضح أن التكييف
الفقهي لانتخاب المرأة هو شهادة منها وتوكيل، وأن التكييف القانوني للانتخاب هو
أنه حق شخصي ووظيفة، وأن هناك خلافاً بين المعاصرين على جواز انتخاب المرأة
والراجح جواز ذلك في الشريعة والقانون، وعند المقارنة بين التكييفين الفقهي
والقانوني يتبين أن التكييف الفقهي أغنى وأرقى ويعود على المجتمع بالنفع، ويتضح أن
المرأة أخذت حقها في ظل الخلافة الراشدة الإسلامية عندما قام عبد الرحمن بن عوف ـ
رضي الله عنه ـ باستشارة النساء في قضية انتخاب عثمان بن عفان أم علي بن أبي طالب
رضي الله عنهما، وكانت هذه سابقة في تاريخ البشرية، فهي لم تأخذ حقها رغم كل
الدعاوي الكثيرة المنادية بحقوق المرأة إلا في وقت متأخر من العصور الحديثة.
وأما الحق الثاني هو حق ترشح المرأة للمجالس
النيابية فقد ورد في حكمه خلاف في الشريعة والقانون، وخلصت الكاتبة إلى ترجيح أن
الإسلام يجيز ترشح المرأة للمجالس النيابية لقوة أدلة من ذهبوا إلى هذا الرأي،
وأبرز هذه الأدلة الآيات القرآنية قوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.." (سورة التوبة،71) فتوضح
الآية أن العلاقة بين المؤمنين والمؤمنات علاقة ولاية أي تناصر، والتناصر لا يكون
إلا بالتبادل بين الطرفين، وقوله تعالى: "كنتم خير آمة أخرجت للناس تأمرون
بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران،110)، فيستدل من الآية
على أهمية خلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي شمل المؤمنين والمؤمنات،
والذي تجلى ب"مؤسسة الحسبة" وإن أول مسلم تولى الحسبة في التاريخ
الإسلامي هي امرأة مسلمة تدعي "الشفاء بنت عبد الله العدوية"، لذلك أجاز
الإسلام للمرأة أن تكون عضواً في البرلمان لأنه من خلاله يمكن أن تتحقق صفة
"التناصر" و"الخيرية" و"الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر" التي وصفتها الآيات بها.
ثم أوردت الكاتبة في المبحث الثالث من الفصل
الثاني تولي المرأة لمنصب الوزارة، تعريفه وتكييفه وحكمه في الشريعة والقانون
الدستوري، وما ورد في حكمه من خلاف في الشريعة، فبعد استعراض لآراء المجيزين
والمانعين وأدلتهما ومناقشة أدلة الطرفين، وأن الراجح هو رأي المانعين، لأن هذا
المنع من تولي المرأة للوزارة له عدة مبررات، فهو يتفق مع مراعاة الإسلام طبيعة
المرأة وكيانها الخاص المختلف عن الرجل في الخلقة والجبلة والتركيب الفسيزيولوجي،
وقد أدرك الشرع أن المرأة في أحوال الحيض والحمل والنفاس والرضاعة تكون في حالة
مرضية، ولا تؤهلها قدراتها العقلية والعصبية والنفسية والبدنية للقيام بما يجب
عليها من أعباء الوزارة وإدارتها ومسؤولياتها، أما بالنسبة للقانون فتبين أنه يجيز
للمرأة أن تتولى منصب الوزارة في دساتير عدة دول تم استقراؤها مثل الأردن ومصر
وتونس والجزائر.
وبذلك تكون الشريعة والقانون على طرفي نقيض
فيما يخص تولي المرأة لمنصب الوزارة، ويكون موقف الشريعة هو الأسلم لأنه رفع من
مكانة المرأة في المجتمع فجاء متوافقاً مع طبيعتها التي خلقها الله عليها، وفي ذلك
تكريم لها.
ثم أنهت الكاتبة الفصل الثاني بمناقشة حكم
تولي المرأة لرئاسة الدولة (الإمامة العظمى) في الشريعة والقانون، فأوردت أدلة كل
من المجيزين والمانعين في الشريعة، وبينت أن رأي المانعين هو الراجح لقوة أدلتهم
وأبرز دليل للمانعين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم
امرأة" وهو حديث صحيح، وفيه وعيد، ويؤيد ذلك أن الشرع راعى فطرة المرأة
وطبيعتها في أداء بعض الواجبات العبادية والمالية والجهادية، وهو كذلك سيكون عاملاً
أساسياً في منع المرأة من تولي رئاسة الدولة كما منعها من تولي الوزارة على الرأي
الأرجح، فهما عملان من نوعية واحدة، ومرتبطان بعضهما ببعض.
أما عن حكم تولي المرأة رئاسة الدولة في
القانون الدستوري، فباستقراء دساتير عدة دول مثل الأردن ومصر وتونس والجزائر تبين
أن القانون يجيز للمرأة أن تتولى منصب رئاسة الدولة في معظم الدول باستثناء
الأنظمة الملكية مثل الأردن والسعودية والمغرب.
ثم انتقلت الكاتبة إلى الفصل الثالث الذي
حمل عنوان (التمثيل السياسي للمرأة خارج الدولة –الدبلوماسي ـ بين الشريعة
الإسلامية والقانون الدولي، والمقارنة بينها)، وتحدثت في أوله عن سفارة المرأة،
تعريفها وتطورها ودليل مشروعيتها من الكتاب والسنة بشكل عام، ثم بينت أن السفارة
مشروعة للمرآة بشروط مثل أن يتم اختيار مكان عمل السفيرة ليكون في بلد إسلامي أو
على الأقل في بلد صديق يشترك مع المسلمين في الحد الأدنى من المبادئ والعادات التي
تحترم المرأة، والحرص على تجنب الخلوة في الاجتماعات، أما القانون فقد كان موقفه
من سفارة المرأة متغيراً متأرجحاً ما بين المنع والسماح الجزئي ثم السماح الكلي،
أي أن أمر سفارة المرأة في القانون انتهى إلى جوازه وإلى مساواة المرأة في هذا
الحق مع الرجل (بعد الحرب العالمية الثانية) بعد منع وتردد من كثير من دول العالم.
الكاتبة أوضحت التمثيل السياسي للمرأة في كل من الشريعة والقانون، وأثبتت أن مجموعة من المبادئ والقيم هي التي كانت تحكم الشريعة في إباحتها لبعض أنواع التمثيل وفي منعها لبعضها الآخر، وذلك من أجل مراعاة الفطرة ومصلحة المرأة والأسرة والمجتمع.
ثم تحدثت الكاتبة عن النوع الآخر من التمثيل
السياسي الخارجي وهو عضوية المرأة في المجالس الدولية: منظمة الأمم المتحدة
وفروعها ولجانها الخاصة بالمرأة، والمؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة وحكم مشاركة
المرأة فيها، فسردت الكاتبة لجان منظمة الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة، ثم ذكرت
المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة التي أقامتها الأمم المتحدة والتي نوقشت فيها
بعض قضايا المرأة، وتبين أن هناك اهتماماً ملحوظاً بالمرأة وما يخصها، بل إن هناك
نوعاً من المغالاة في تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل التي أدت إلى وضع
قواعد وبنود تصادم الخصوصية الدينية والثقافية والاجتماعية للدول الأعضاء، ومثال
ذلك اتفاقية سيداو التي ورد فيها بنود تخالف الشريعة الإسلامية.
إذن مشاركة المرأة في المنظمات والاتفاقيات
الدولية مشروع من أجل أن تعبر عن رآيها في البنود المطروحة مما يخصها، فتصادق على
البنود التي تتماشى مع فطرتها ومصلحتها، وتعارض الآراء التي تخالف فطرتها وتعود
عليها بالضرر، بالإضافة إلى أن دور المرأة المسلمة الإيجابي الفعال في تلك المجالس
الدولية يعطي انطباعاً حسناً عن الإسلام ودعايةً له.
ثم ختمت الكاتبة هذا الكتاب بالفصل الرابع،
وتحدثت فيه عن نوعين من الضوابط للتمثيل السياسي وهي الضوابط العامة والضوابط
الخاصة بالمرأة، ومن أهم الضوابط العامة أن لا يتعارض العمل السياسي مع كليات
الدين، ولا مع قواعد فقهية، وأن يكون فيه مصلحة راجحة معتبرة، وأن لا يكون فيه
تفريط في شيء من الحق.أما الضوابط الخاصة بالمرأة فعليها الالتزام بالأخلاق
الإسلامية التي وردت في آيات القرآن الكريم والسنة المشرفة.
الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها هي: أن
الكاتبة أوضحت التمثيل السياسي للمرأة في كل من الشريعة والقانون، وأثبتت أن
مجموعة من المبادئ والقيم هي التي كانت تحكم الشريعة في إباحتها لبعض أنواع
التمثيل وفي منعها لبعضها الآخر، وذلك من أجل مراعاة الفطرة ومصلحة المرأة والأسرة
والمجتمع.