ما وراء الانتخابات الجزائرية.. هل يجري تصحير المشهد السياسي وإعادة هندسته؟

إن المقصود هو تصحير الساحة السياسية من كل شخص له وزن سياسي، وخطاب سياسي، حتى وإن كان من الموالاة، وأن يفهم غيرهم ممن لهم طموح سياسي بأنه لا مجال للطموح السياسي في الجزائر..
إن المقصود هو تصحير الساحة السياسية من كل شخص له وزن سياسي، وخطاب سياسي، حتى وإن كان من الموالاة، وأن يفهم غيرهم ممن لهم طموح سياسي بأنه لا مجال للطموح السياسي في الجزائر..
شارك الخبر
بعد أن أعلن المجلس الدستوري نتائج الانتخابات التشريعية نساهم في تحليلها عبر أربعة مقالات:  1 ـ عن الانتخابات وما حولها، 2 ـ الإسلاميون والانتخابات، 3 ـ  الإسلاميون في الجزائر والدلالات الانتخابية (دراسة بالأرقام من بداية الانفتاح إلى آخر انتخابات)، 4 ـ الحل والرؤية المستقبلية.

1  ـ عن الانتخابات .. وما حولها.

لقد كانت نسبة المشاركة المتدنية التاريخية لهذه الانتخابات هي الحدث الأبرز، وبدل الوقوف عندها بمسؤولية، والتأمل في أسبابها، واستشراف مخاطرها، لم نر نقاشا جادا بخصوصها، لا من قبل الأحزاب عموما، و لا من قبل المسؤولين في الدولة، سوى بعض المتزلفين في بعض الوسائل الإعلام، الذين أرادوا تحميل المسؤولية للأحزاب وإعفاء السلطة الحاكمة من أي مسؤولية، في حين أن السلطة هي التي تتحمل المسؤلية الأكبر ، دون أي وجه مقارنة مع غيرها، في ما وصلت إليه العملية الانتخابية من تردٍ في عمومها.

وقد أعجبتني الأمثلة التي ضربها الأستاذ حساني والأرقام التي قدمها في ندوته الصحفية في تفنيد ادعاء أن العزوف موجود في الدول الديمقراطية. وأضيف إلى ما قال أنه لا توجد كلمة عزوف عند الشعوب المتنعمة بالديمقراطية، حينما يرون بأن الانتخابات لا تُصلح أحوالهم “يقاطعونها” ثم يعودون إلى المشاركة بقوة حين تُفهم رسالتُهم فتظهر قوى سياسية واعدة وفرص انتخابية جديدة.

الديمقراطية في الجزائر أقبِرت منذ فُرض الحزب الواحد بعد الاستقلال، على إثر الانقلاب على الحكومة المؤقتة الشرعية، وعدم السماح لتحقيق انتقال ديمقراطي بديع كان سيشارك فيه زعماء كبار ممن فجّروا الثورة، أمثال محمد بوضياف، وآيت أحمد، ومحمد خيضر، وكريم بلقاسم وغيرهم، الذين تم إقصاؤهم وملاحقتهم واغتيال بعضهم.
أما عندنا فإن "العزوف" الذي هو في حقيقة الأمر "مقاطعة شعبية" بات مستداما لأن تصرفات "المقاطعة المتكررة" التلقائية من قبل الشعب لم تؤثر ولم تُقرأ القراءة الصحيحة النافعة للبلد.

إن  الصورة الأبرز لهذا التردي هو هذا العزوف الانتخابي الشامل الذي وصل مستوى ⅘  الناخبين، أي من كل خمسة تقريبا لم يشارك إلا واحد. وذلك في أحسن الأحوال ووفق الإعلان الرسمي، لأن ما رأيته والعديد من الأصدقاء في المكاتب التي صوتنا فيها ما هو سوى مكاتب شاغرة وموظفين جالسين يتجاذبون أطراف الحديث، أو يقاوم أحدهم النعاس لكثرة الهدوء والسكون. وعددهم في قاعات التصويت أكثر من عدد المصوتين. اللهم إلا إذا كانت جهات أخرى لم نرها كان التصويت فيها حاشدا عدّل الحساب نوعا ما!

لا أحد يصدق بأننا نعيش في بلد تتوفر فيه المعايير الحقيقية للديمقراطية، ويمكن الحصول على منافسة عادلة بين الأحزاب والقوى السياسية، تجذب الحماسة والمشاركة. فالديمقراطية في الجزائر أقبِرت منذ فُرض الحزب الواحد بعد الاستقلال، على إثر الانقلاب على الحكومة المؤقتة الشرعية، وعدم السماح لتحقيق انتقال ديمقراطي بديع كان سيشارك  فيه زعماء كبار ممن فجّروا الثورة، أمثال محمد بوضياف، وآيت أحمد، ومحمد خيضر، وكريم بلقاسم وغيرهم، الذين تم إقصاؤهم وملاحقتهم واغتيال بعضهم.

ثم ضاعت فرصة أخرى  للديمقراطية  بعد انتفاضة الجزائريين في 5 أكتوبر 1988، والسماح بالتعددية الحزبية، وذلك عبر الفشل  في تسيير الانتقال الديمقراطي بمسؤولية مشتركة بين السلطة والمعارضة، ثم بإعدام تلك الفرصة بالانقلاب على الانتخابات التشريعية في 1992.

وأثناء المأساة الوطنية، التي نتجت عن هذا الفشل، حاول كثير من القادة النزهاء، في السلطة والمعارضة، جبر الكسر بمبادرات كثيرة للحوار. وعند فشل كل المبادرات اتجه البعض في 1995،  ثم الجميع في 1997، إلى إعادة بناء فرصة جديدة للانتقال الديمقراطي، عبر مسار انتخابي جديد،  لتوجيه الجهود كلها، بعد ذلك، إلى التنمية الاقتصادية ونهضة الوطن.

غير أن السلطة الحاكمة أفسدت  الفرصة مجددا بتدشين مسار التزوير الانتخابي، الخشن والغبي أولا، خصوصا في الانتخابات الرئاسية عام 1995 و الانتخابات التشريعية والمحلية عام 1997، ثم التزوير المنهجي الذكي ( على قول الشيخ محفوظ رحمه الله) قبل الانتخابات، وأثناءها، وبعدها .. منذ  ذلك الوقت إلى اليوم.

لم يكن التزوير الانتخابي، حالة عرضية، تعالج تحديات سياسية مرحلية للنظام السياسي، بل كان التزوير يحمل رؤية سياسية بعيدة المدى،  تهدف أساسا إلى إخراج الساخطين على الأوضاع من المشهد السياسي، وتيئيس القوى الناخبة الراغبة في التغيير من جدوى التعبير عن أصواتهم، بسبب  توالي الغش الانتخابي.

فكم هو مؤلم الجواب الذي تسمعه من مواطن جزائري سويّ حين تدعوه للتصويت على مرشحك: "قل لي! بالله عليك لماذا أصوت؟ ما الذي سيفعله صوتي؟ كل الانتخابات تأتي بنفس النتيجة، ثم لا شيء يتغير؟ وفي كل مرة تقولون بأنها مزورة، انتم تريدوننا أن نصعّد بعض رجالكم للبرلمان ليحسنوا أوضاعهم الاجتماعية فحسب، ونحن نبقى على ما نحن عليه!"

نعم، لقد كانت النتيجة في الأخير  الوصول مما خذّرت منه، ما سمّيته منذ سنوات "الديمقراطية الآمنة" التي لا يحتاج النظام السياسي لتزويرها، لأنه لا يشارك فيها إلا أعداد قليلة من الناخبين، أغلبهم من الموالين لأحزاب السلطة، وعائلات وأصدقاء مرشحين لا يحملون أي مشروع فكري أو سياسي، يمكن إدماجهم في منظومة الحكم، ولو كانوا ينتمون تاريخيا لأحزاب معارضة.. إلا من رحم الله، ممن يسخرهم الله دائما لإفساد خطط التيئيس، ولو نسبيا، من باب الواجب وللشهادة على الناس فحسب، وليس من أجل التغيير،  ولا أريد أن أضرب مثلا ببعض أبطال العهدة المنتهية حتى لا أحرج أحدا،  وأملنا أن يكون من النواب الجدد بعض هؤلاء.

لقد قاومت الأحزاب المعارضة الأصيلة هذا التوجه، بأشكال متنوعة فردية وجماعية إلى غاية الحراك الشعبي، وقليلا بعده ثم انهارت المحاولات وصار المجال السياسي محصورا للنظام السياسي وحده، يفعل ما يريد دون أي مساهمة جادة أو مقاومة فاعلة من القوى المجتمعية، سواء على مستوى الشخصيات، أو الإعلام، أو الأحزاب، أو المجتمع المدني.

وربما يكون انهيار الحلم الكبير الذي جاء به الحراك الشعبي ـ كفرصة أخرى مهدورة-  وخيبة الأمل في نتائجه سبب الاعتزال الجماعي للسياسة من قبل أغلب النخب في الجزائر.

لم يكن التزوير الانتخابي، حالة عرضية، تعالج تحديات سياسية مرحلية للنظام السياسي، بل كان التزوير يحمل رؤية سياسية بعيدة المدى، تهدف أساسا إلى إخراج الساخطين على الأوضاع من المشهد السياسي، وتيئيس القوى الناخبة الراغبة في التغيير من جدوى التعبير عن أصواتهم، بسبب توالي الغش الانتخابي.
لقد بيّنت الانتخابات التشريعية الأخيرة بأن أيدي المسؤولين في استدامة الاستعصاء الديمقراطي وفي منع المساهمة الفعلية والمؤثرة للأحزاب والقوى السياسية في الإصلاح والتغيير مطلوقة. وأنهم يتجهون إلى ترتيب المستقبل دون رقابة أو مساهمة حزبية أو تمثيل شعبي ومؤسسي فاعل.

ومن أقوى المؤشرات على ذلك عملية الزبر الانتخابي، التي شملت هذه المرة بشكل موسع  أحزابا من الموالاة كذلك، خلافا لمراحل سابقة حين كانت مسلطة بشكل أساسي على أحزاب المعارضة. [ولا عزاء لمن اقصي لأسباب فساد حقيقية ولو كان عبقريا في السياسة].

لقد مثلت عملية التشذيب الانتخابي في مجملها هذه المرة انتقالا استراتيجيا في تشكيل موازين القوى المستقبلية في البرلمان، وفي المشهد القيادي الحزبي،  قبل بدء الانتخابات، من قبل هؤلاء المسؤولين. ولا يمكن اعتبار أن هذه الاستراتيجية اعتباطية ذات دوافع انتخابية فحسب.

لا يمكن لحجم الأذى الذي أصاب المرشحين الأبرياء في سمعتهم وكرامتهم، ممن تم إقصاؤهم، بتهم خطيرة، أن يُفسر  تفسيرا انتخابيا فحسب. إن المسألة تتجاوز ذلك بكثير.

إن المقصود هو تصحير الساحة السياسية من كل شخص له وزن سياسي، وخطاب سياسي، حتى وإن كان من الموالاة، وأن يفهم غيرهم ممن لهم طموح سياسي بأنه لا مجال للطموح السياسي في الجزائر، وأن الإقصاء لأصحاب الطموح، لن يكون ديمقراطيا، بل يكون قاسيا قبل العملية الديمقراطية ذاتها، ثمنه التشويه بنصوص رسمية فلا مجال للطموح!

وأختم هذا المقال بقصة رواها لنا سيد أحمد غزالي رحمه، حيث قال: "حين أسست حزبي السياسي ورفضوا منحي الاعتماد، دعاني مسؤول كبير في الدولة ( ذكر اسمه) فقال لي: “هل أنت جاد يا سيد أحمد، هل تظن بأنك تصل للحكم عن طريق العمل الحزبي؟ تعال عندنا وقل لنا ما تريد ونعطيك!"

هذه هي الرسالة التي استلمها كثير من إطارات الجزائر: لا يمكن الوصول إلى السلطة وتقلد المناصب عن طريق النضال، ولكن عن طريق الوقوف في طابور الانتظار لعل "من هم فوق" ينظرون إليك ذات يوم، "إن رأيت ما يرون"، أو على الأقل بقيت هادئا، ساكتا، ساكنا!”

سنعود لاستشراف المستقبل في المقال الرابع، ولكن نقول ابتداء، بأن مما يمكن أن يفسر الزبر الانتخابي للوجوه السياسية، المركزية والمحلية، في الانتخابات التشريعية الأخيرة، هو أن ثمة تحضيرا لتوجهات جديدة  غير شعبية  لا يراد أن ترتفع بشأنها أصوات الذين يحسنون الحديث أو ممن لهم شجاعة أو جرأة، وقد تلي العمليةُ الانتخابية إدخال كل الأحزاب، في بوتقة واحدة، تحت السقوف السياسية الضامنة للموقف الواحد.
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم