تحتل
القدس
والمسجد
الأقصى منزلة سامية في عقيدة المسلمين ووجدانهم، فهي أرض الإسراء والمعراج،
وأولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.
ومنذ أن وقعت المدينة المقدسة تحت الاحتلال، ظل الدفاع عنها وصيانة مقدساتها واجبا
شرعيا، وأمانة تاريخية، ومسؤولية أخلاقية وإنسانية تتكاتف من أجلها جهود العلماء والدعاة
والمفكرين والمؤسسات الإسلامية. وانطلاقا من هذه الرؤية، جعل الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين قضية القدس والمسجد الأقصى في صدارة أولوياته، وعدها قضية محورية تمس حاضر
الأمة ومستقبلها، وتستلزم حشد الطاقات العلمية والدعوية والإعلامية والحقوقية بما يسهم
في صون هوية المدينة المباركة، وترسيخ مكانتها في وعي المسلمين، والدفاع عن حقوق أهلها
ومقدساتها بكل الوسائل المشروعة.
أولا: ترسيخ
الوعي الشرعي بمكانة القدس
أَولى الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين عناية خاصة بترسيخ الوعي الشرعي بمكانة القدس والمسجد الأقصى
مستندا إلى نصوص الوحي ومقاصد الشريعة، ومؤكدا أن المسجد الأقصى ليس مجرد معلم تاريخي
أو رمز حضاري، بل هو جزء أصيل من عقيدة المسلمين وهويتهم الدينية، وأن الذود عنه والمحافظة
عليه واجب شرعي تتوارثه الأجيال، ولا يسقط بتقادم الزمن، ولا يتأثر بتقلبات المواقف
السياسية.
وفي سبيل ترسيخ
هذا الوعي، دأب الاتحاد على إصدار البيانات والبحوث العلمية، وتنظيم المؤتمرات والندوات
والملتقيات الفكرية، التي تبرز فضائل القدس ومكانتها في الإسلام، وتجلي أبعاد القضية
الفلسطينية من منظورها الشرعي والإنساني. كما سعى إلى تصحيح المفاهيم، وتعميق الصلة
الروحية والفكرية بين المسلمين والقدس، وربط الأجيال الناشئة بتاريخها العريق ورسالتها
الحضارية تأكيدا على أن قضية فلسطين ليست شأنا محليا أو قضية شعب بعينه، وإنما هي قضية
أمة بأسرها، تتعلق بمقدساتها ووحدتها وكرامتها، وتستوجب استمرار الوعي بها، والعمل
لنصرتها، وحماية هويتها الإسلامية.
ثانيا: إصدار
البيانات والفتاوى:
اضطلع الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين بدور بارز في بيان الموقف الشرعي من مستجدات القضية الفلسطينية،
فأصدر على امتداد مسيرته العلمية والدعوية عددا كبيرا من البيانات والفتاوى التي واكبت
الأحداث المتعاقبة، وتناولت الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى المبارك، وسياسات
الاستيطان، والتهجير القسري، وانتهاكات حقوق المدنيين، وسائر الممارسات التي تستهدف
طمس الهوية العربية والإسلامية لمدينة القدس.
وقد جاءت هذه
البيانات والفتاوى مؤصلة بأدلة الكتاب والسنة ومقاصد الشريعة الإسلامية جامعة بين التأصيل
الفقهي والوعي بمتغيرات الواقع، ومؤكدة أن القدس والمسجد الأقصى يشكلان جزءا لا يتجزأ
من مقدسات الأمة الإسلامية، وأن أي اعتداء عليهما أو محاولة لتغيير معالمهما التاريخية
أو القانونية يعد انتهاكا صارخا للحقوق الدينية والإنسانية. كما دعت إلى احترام أحكام
القانون الدولي، وصون المقدسات، والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني مع التأكيد
على ضرورة توحيد جهود الأمة في نصرة قضيته العادلة.
ثالثا: تنظيم
المؤتمرات والملتقيات العلمية
وإيمانا منه
بأن القضايا الكبرى للأمة تحتاج إلى اجتهاد جماعي ورؤية مؤسسية، أولى الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين اهتماما بالغا بتنظيم المؤتمرات والملتقيات والندوات العلمية التي
خصصت لبحث قضية القدس وفلسطين، أو بالمشاركة الفاعلة فيها جامعا تحت مظلتها نخبة من
العلماء والمفكرين والباحثين والخبراء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد شكلت هذه
اللقاءات العلمية منصات للحوار وتبادل الرؤى، وهدفت إلى توحيد المواقف، وتعزيز الوعي
بحقيقة ما تتعرض له القدس من أخطار، واستشراف السبل العملية لدعم صمود الشعب الفلسطيني،
وصيانة الهوية الإسلامية والعربية للمدينة المقدسة، والدفاع عن مقدساتها في مختلف المحافل.
كما أثمرت
هذه المؤتمرات والملتقيات عن جملة من التوصيات والمبادرات العملية، التي دعت إلى توثيق
التعاون والتكامل بين المؤسسات العلمية والدعوية والإغاثية والإعلامية والحقوقية، وتنسيق
الجهود الرامية إلى خدمة القضية الفلسطينية، وترسيخ حضورها في ضمير الأمة، وتعزيز مكانتها
في أولويات العمل الإسلامي المشترك.
رابعا: دعم
صمود الشعب الفلسطيني
انطلاقا من
رسالته في نصرة قضايا الأمة والدفاع عن حقوقها المشروعة، أولى الاتحاد العالمي لعلماء
المسلمين قضية صمود الشعب الفلسطيني عناية خاصة مؤكدا في بياناته وقراراته أن بقاء
الفلسطينيين ثابتين على أرضهم يمثل أحد أهم مقومات الحفاظ على هوية القدس وفلسطين،
وأن دعمهم بكل الوسائل المشروعة واجب ديني وأخلاقي وإنساني تتشارك في أدائه الشعوب
والمؤسسات على السواء. وفي هذا الإطار، دعا الاتحاد إلى توفير مختلف أشكال الدعم الإنساني
والإغاثي والتعليمي والاجتماعي بما يعين الفلسطينيين على مواجهة آثار الاحتلال والعدوان،
ويعزز قدرتهم على الثبات في أرضهم. كما ناشد المؤسسات الخيرية والهيئات الإنسانية ومنظمات
المجتمع المدني مضاعفة جهودها في إغاثة المتضررين، ورعاية الأسر المنكوبة، وكفالة الأيتام،
ودعم القطاعين التعليمي والصحي، والمساهمة في تخفيف المعاناة الإنسانية التي خلفتها
الحروب والاعتداءات المتكررة انطلاقا من مبدأ التكافل الإسلامي والمسؤولية المشتركة
تجاه أبناء فلسطين.
خامسا: مواجهة
محاولات تهويد القدس
وضع الاتحاد
العالمي لعلماء المسلمين التصدي لمحاولات تهويد القدس في مقدمة أولوياته إدراكا منه
لما تمثله المدينة المقدسة من مكانة دينية وتاريخية وحضارية في وجدان الأمة الإسلامية
والإنسانية. ولذلك، ظل يحذر باستمرار من السياسات والإجراءات التي تستهدف تغيير الهوية
العربية والإسلامية للقدس، أو طمس معالمها التاريخية، أو المساس بوضعها القانوني، أو
فرض وقائع جديدة تمس المسجد الأقصى المبارك ومحيطه. كما أكد الاتحاد في مواقفه وبياناته
أن حماية القدس ومقدساتها ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هي مسؤولية جماعية تقع
على عاتق الأمة الإسلامية والمجتمع الدولي داعيا الهيئات الدولية والمنظمات الحقوقية
والإنسانية إلى الاضطلاع بواجباتها القانونية والأخلاقية في صون الأماكن المقدسة، وحماية
التراث الديني والإنساني للمدينة، والتصدي لكل الانتهاكات التي تستهدف تغيير هويتها
التاريخية أو الانتقاص من حقوق أهلها المشروعة بما ينسجم مع أحكام القانون الدولي والمواثيق
الإنسانية ذات الصلة.
سادسا: توحيد
كلمة العلماء حول القضية الفلسطينية
يعد توحيد
مواقف العلماء تجاه القضية الفلسطينية من أبرز الأدوار التي اضطلع بها الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين انطلاقا من إيمانه بأن وحدة الكلمة واجتماع الصف يمثلان ركيزة أساسية
في الدفاع عن قضايا الأمة الكبرى. ومن هذا المنطلق، سعى الاتحاد إلى ترسيخ الإجماع
العلمي حول مركزية القضية الفلسطينية، وإبرازها بوصفها قضية جامعة تتجاوز الحدود الجغرافية
والانتماءات القطرية، وترتفع فوق الاعتبارات المذهبية والحسابات السياسية الضيقة لتظل
قضية تمس ضمير الأمة الإسلامية بأسرها. وقد تجلى هذا التوجه في بياناته الجماعية، وقراراته
المؤسسية، ومؤتمراته وملتقياته العلمية، التي أكدت ضرورة توحيد مواقف العلماء، وتعزيز
التعاون بينهم، وتنسيق الجهود العلمية والدعوية والإعلامية في سبيل نصرة القدس والمسجد
الأقصى، وترسيخ الوعي بعدالة القضية الفلسطينية بما يسهم في توجيه الرأي العام الإسلامي
نحو موقف موحد يقوم على الحكمة والبصيرة والمسؤولية.
سابعا: الحضور
الإعلامي والتوعوي
وإدراكا منه
لأهمية الإعلام في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام، حرص
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
على توظيف مختلف وسائله الإعلامية والتقنية في خدمة قضية القدس والمسجد الأقصى، فجعل
من منصاته الرسمية، وموقعه الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي منابر لنشر الأخبار
الموثوقة، وإصدار البيانات، وتوضيح المواقف الشرعية، والتعريف بمستجدات القضية الفلسطينية.
كما أطلق الاتحاد حملات توعوية وإعلامية هدفت إلى إبقاء قضية القدس حاضرة في وجدان
المسلمين، وربط الأجيال المتعاقبة بمقدساتها وتاريخها، وتعزيز الوعي بخطورة التحديات
التي تواجهها. ولم يقتصر دوره على التوعية والإخبار، بل شجع كذلك المبادرات العلمية
والثقافية والإعلامية الهادفة إلى إبراز عدالة القضية الفلسطينية، وتوثيق الانتهاكات
الواقعة على المقدسات، وإيصال صوت الشعب الفلسطيني إلى مختلف المحافل بما يعزز حضور
القضية في الوعي الإسلامي والإنساني، ويؤكد أنها ستظل قضية حية في ضمير الأمة حتى تنال
حقوقها المشروعة.
تجسد جهود
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في نصرة القدس والمسجد الأقصى التزاما راسخا برسالة
العلماء في حماية مقدسات الأمة والدفاع عن قضاياها العادلة. وقد أسهمت هذه الجهود في
ترسيخ الوعي بمكانة القدس، وتعزيز حضورها في وجدان المسلمين، وتوحيد الكلمة حول عدالتها.
وستظل القدس بما تمثله من مكانة دينية وتاريخية وحضارية، أمانة في أعناق الأمة، وقضية
لا تخبو في ضميرها حتى يحفظ المسجد الأقصى، ويسترد الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.