دور الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في صناعة الوعي الإسلامي المعاصر

أحمد شوقي عفيفي
"أسهم منذ تأسيسه في بناء وعي إسلامي معاصر يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وفهم متطلبات العصر"
"أسهم منذ تأسيسه في بناء وعي إسلامي معاصر يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وفهم متطلبات العصر"
شارك الخبر
شهد العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة تحولات فكرية وثقافية وسياسية متسارعة، رافقتها ثورة معرفية هائلة واتساع غير مسبوق لوسائل الاتصال والتأثير. وفي ظل هذه المتغيرات برزت تحديات جسيمة تمثلت في اضطراب المرجعيات، وتصاعد تيارات الغلو والتفريط، وتكثف المحاولات الرامية إلى تشويه صورة الإسلام وإضعاف حضوره في الحياة العامة.

وفي خضم هذه التحديات يبرز الوعي بوصفه أحد أهم مقومات نهضة الأمة وحصونها الفكرية. ومن هنا تكتسب المؤسسات العلمية والفكرية أهمية خاصة في توجيه هذا الوعي وترشيده وفق هدي الإسلام ومقاصده. وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي أسهم منذ تأسيسه في بناء وعي إسلامي معاصر يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وفهم متطلبات العصر، ويسعى إلى تعزيز حضور الأمة الحضاري وترسيخ وحدتها الفكرية والرسالية.

المرجعية العلمية الجماعية وبناء الثقة:

من أبرز الأدوار التي اضطلع بها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؛ إرساء مفهوم المرجعية العلمية الجماعية في زمن كثرت فيه الأصوات، وتعددت فيه المنابر، واختلطت فيه الاجتهادات بالرؤى الشخصية والانفعالات الآنية. ففي ظل هذا الواقع المتشابك بات المسلم أحوج ما يكون إلى مرجعية رصينة تستمد هدايتها من الكتاب والسنة، وتستنير بمقاصد الشريعة، وتجمع بين عمق التأصيل الشرعي ودقة فهم الواقع.

وقد نجح الاتحاد في جمع كوكبة من كبار العلماء والمفكرين من مختلف الأقطار الإسلامية والمدارس الفقهية تحت سقف واحد، الأمر الذي أسهم في إحياء روح الاجتهاد الجماعي وترسيخ ثقافة الشورى العلمية في معالجة النوازل والقضايا المستجدة. كما عزز هذا المسار ثقة المسلمين بالمؤسسات العلمية الرصينة، وحد من ظاهرة الفتاوى المتعجلة والآراء الفردية التي كثيرا ما تحدث اضطرابا في الوعي العام وتزيد من حيرة الناس في قضايا دينهم وحياتهم.

إحياء فقه النوازل والاجتهاد المعاصر:

لقد أفرز العصر الحديث جملة من القضايا والإشكالات التي لم تعرفها الأجيال السابقة بالصورة ذاتها، سواء في ميادين الاقتصاد والتمويل، أو الطب والتقنيات الحيوية، أو الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أو العلاقات الدولية والنظم السياسية المعاصرة. وأمام هذه التحديات برزت الحاجة إلى اجتهاد مؤسسي قادر على استنطاق النصوص الشرعية في ضوء الواقع المتجدد.

وفي هذا السياق أسهم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إسهاما بارزا في إحياء فقه النوازل والاجتهاد المعاصر من خلال مؤتمراته العلمية، وندواته المتخصصة، ومجامعه الفقهية، ولجانه العلمية، وما يصدر عنه من قرارات وبيانات وفتاوى تتناول مستجدات العصر وقضاياه المتنوعة. وقد كان لهذا الجهد أثر واضح في إبراز عالمية الشريعة الإسلامية ومرونتها، وإثبات قدرتها على مواكبة التطورات المتلاحقة دون أن تفقد ثوابتها أو تتنازل عن أصولها. كما ساهم الاتحاد في ترسيخ الوعي بأن الشريعة ليست مجرد منظومة من الأحكام الجزئية المتفرقة، بل هي مشروع حضاري متكامل يقوم على تحقيق العدل والرحمة والمصلحة، وحفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل والكرامة الإنسانية بما يضمن للإنسان حياة متوازنة تجمع بين القيم الروحية ومتطلبات العمران البشري.

ومن خلال هذا المنهج الاجتهادي الرشيد استطاع الاتحاد أن يقدم نموذجا معاصرا للتفاعل الخلاق بين النص والواقع، وأن يسهم في بناء وعي إسلامي أكثر قدرة على فهم المتغيرات واستيعاب التحديات دون أن يفقد صلته بجذوره العقدية والحضارية.

تعزيز الوعي بقضايا الأمة:

لم يقتصر أثر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على ميادين الفقه والفتوى والتأصيل العلمي، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام الفاعل في تشكيل وعي سياسي وحضاري رشيد يستحضر هموم الأمة ويستوعب تحدياتها الكبرى. فقد حرص الاتحاد على إبقاء القضايا المصيرية للأمة حية في وجدان المسلمين حاضرة في خطابهم الفكري ومواقفهم العملية، وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس، وقضايا الأقليات المسلمة، ومعاناة الشعوب التي أنهكتها الحروب والاحتلالات والصراعات.

ومن خلال بياناته ومؤتمراته وملتقياته العلمية ومواقفه المبدئية، أسهم الاتحاد في تعميق الفهم الإسلامي لهذه القضايا، ونقلها من دائرة التفاعل العاطفي المؤقت إلى فضاء الوعي المسؤول والرؤية الاستراتيجية. كما عزز الشعور بوحدة الأمة وتكامل مصيرها، ورسخ في النفوس أن ما يجمع المسلمين من عقيدة ورسالة وتاريخ أعمق بكثير مما تفرقه الحدود الجغرافية أو الاختلافات اللغوية والثقافية.

ترسيخ منهج الوسطية والاعتدال:

في مرحلة اتسمت باضطراب المفاهيم وتنازع الاتجاهات حيث تمددت تيارات الغلو والتشدد من جانب، وتصاعدت موجات الذوبان الحضاري والتفريط في الثوابت من جانب آخر، قدم الاتحاد نموذجا متوازنا للخطاب الإسلامي الوسطي يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية ووعي الواقع المعاصر. وقد عمل على تصحيح كثير من المفاهيم التي شابها الخلل أو سوء الفهم في قضايا الجهاد والتكفير والحاكمية والعلاقة مع الآخر، مؤكدا أن الإسلام دين الرحمة والعدل والحكمة، وأن مقاصده الكبرى تتجه إلى حفظ الإنسان وصيانة كرامته وتحقيق مصالحه في الدنيا والآخرة. كما بذل جهودا ملحوظة في مواجهة حملات التشويه والإسلاموفوبيا، مقدما صورة الإسلام الحقيقية بوصفه رسالة إنسانية عالمية تدعو إلى التعارف والتعاون والتعايش، وترسخ قيم الاحترام المتبادل بين الأمم والشعوب.

الاهتمام بالشباب وصناعة الأجيال:

إدراكا منه أن معركة الوعي تحسم في عقول الأجيال الصاعدة قبل أي ميدان آخر، أولى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عناية خاصة بالشباب والطلاب والباحثين، وسعى إلى احتضان طاقاتهم وتوجيهها نحو البناء والإبداع والعطاء. ومن خلال برامجه العلمية والفكرية والتربوية، ومبادراته المتنوعة في إعداد الكوادر وتأهيل القيادات، أسهم في تكوين جيل أكثر وعيا بهويته الإسلامية، وأشد ارتباطا بقيمه الحضارية، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات الفكرية والثقافية التي يفرضها العصر. كما عمل على غرس روح المبادرة والعمل المؤسسي والانفتاح الواعي على العلوم والمعارف الحديثة مع المحافظة على الثوابت الشرعية والمرتكزات الأخلاقية التي تشكل جوهر الشخصية الإسلامية.

توظيف الإعلام والفضاء الرقمي:

أدرك الاتحاد مبكرا أن معركة الوعي في العصر الحديث لم تعد تخاض في المنابر التقليدية وحدها، بل انتقلت بصورة واسعة إلى فضاءات الإعلام الجديد والمنصات الرقمية التي أصبحت تشكل الوعي الجمعي لملايين البشر. ومن هذا المنطلق سعى إلى تسخير الوسائل الإعلامية الحديثة لنشر العلم الشرعي الرصين، وتعزيز الخطاب الإسلامي المعتدل، وإيصال رسالته إلى مختلف شرائح المجتمع في أنحاء العالم. وقد مكنته هذه الأدوات من توسيع دائرة تأثيره، والمشاركة الفاعلة في توجيه النقاشات الفكرية والدينية حول القضايا المعاصرة فضلا عن التصدي لحملات التضليل والتشويه التي تستهدف الإسلام وقيمه وحضارته، وذلك عبر خطاب علمي رصين يجمع بين قوة الحجة وحكمة العرض.

نحو وعي حضاري عالمي:

لم ينحصر اهتمام الاتحاد في معالجة الإشكالات الآنية أو الاستجابة للوقائع الطارئة، بل اتجه إلى بناء وعي حضاري شامل يستوعب رسالة الإسلام العالمية ويستشرف آفاق المستقبل. فالوعي الذي يدعو إليه الاتحاد لا يقف عند حدود المعرفة بالأحكام الشرعية، وإنما يمتد ليشمل فهما عميقا للسنن التاريخية، وإدراكا لطبيعة التحولات الدولية، واستيعابا لتحديات التنمية والنهضة والعلم والتكنولوجيا مع تعزيز الحضور الإيجابي للمسلمين في مسيرة الحضارة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق ظل الاتحاد يؤكد على قيم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية والشورى والإصلاح بوصفها قيما أصيلة في التصور الإسلامي، وقواعد ضرورية لبناء مجتمعات مستقرة وقادرة على تحقيق النهضة والتقدم.

أصبح الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أحد أبرز المؤسسات المؤثرة في تشكيل الوعي الإسلامي المعاصر من خلال ترسيخ المرجعية العلمية الجماعية، وتعزيز الاجتهاد الرشيد، ونشر قيم الوسطية والاعتدال، وربط المسلمين بقضايا أمتهم الكبرى. وفي عالم تتسارع فيه التحديات والتحولات يظل دور الاتحاد ركيزة مهمة في بناء وعي إسلامي متوازن يجمع بين أصالة الهوية وحسن فهم الواقع، ويسهم في تمكين الأمة من أداء رسالتها الحضارية وخدمة الإنسانية بقيم العدل والرحمة والخير.

المراجع:

1. الدكتور يوسف القرضاوي، فقه الأولويات.

2. الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة.

3. الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.

4. الدكتور يوسف القرضاوي، الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم.

5. الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)