هذا مما نحتاجه لنهضة إسلامية جديدة

إسحاق جمالي
"بناء نهضة إسلامية معاصرة يحتاج إلى النظر إلى العالم الإسلامي باعتباره خزاناً هائلاً من الطاقات البشرية المتنوعة"- جيتي
"بناء نهضة إسلامية معاصرة يحتاج إلى النظر إلى العالم الإسلامي باعتباره خزاناً هائلاً من الطاقات البشرية المتنوعة"- جيتي
شارك الخبر
إن بناء الحضارات لا يبدأ من القصور، ولا من وفرة الأموال، ولا من امتلاك أدوات القوة وحدها، وإنما يبدأ من الإنسان الذي يحمل في داخله معنى الرسالة، ويستطيع أن يصبر على الطريق الطويل، وأن يعمل حين لا يرى ثمرة عمله، وأن يتحمل المشقة دون أن يفقد البوصلة. فالدول والإمبراطوريات والحضارات، بل وحتى المدارس العلمية والحركات الإصلاحية ومراكز التعليم والتجديد، غالباً ما يصنعها أولئك الذين جمعوا بين الهمة العالية والصبر والإلحاح والانضباط والقدرة على التضحية، ثم يأتي بعدهم جيل يجد البناء قائماً، والثمار ناضجة، والطرق ممهدة، فيتعامل مع ما ورثه وكأنه أمر طبيعي لم يحتج إلى دموع ولا عرق ولا سنوات من العمل.

وهنا تبدأ إحدى أخطر سنن التاريخ: أن الجيل الذي يبني لا يكون بالضرورة هو الجيل الذي يستمتع بما بنى، وأن الجيل الذي يرث النعمة قد يكون أقل قدرة على إدراك ثمنها من الجيل الذي دفع ذلك الثمن. ومع مرور الزمن تتحول التضحية إلى حكاية، والانضباط إلى عادة قديمة، والصبر إلى شيء غريب عن الناس، بينما تصبح الراحة حقاً مكتسباً، وتتحول النعمة من وسيلة إلى غاية، ومن ثم يبدأ البناء في التآكل من داخله قبل أن يأتيه الخطر من خارجه.

ولهذا كانت التربية على عدم الاستغراق في التنعم جزءاً من صناعة الإنسان القادر على حمل المسؤولية. فالمقصود ليس أن يعيش الإنسان في فقر مصطنع، ولا أن يرفض ما أباح الله من الطيبات، وإنما أن يمتلك القدرة على التحكم في نفسه وأهوائها، وألا يصبح أسيراً للراحة. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يعمل إلا في الظروف المريحة، ولا يستطيع أن يصبر إلا حين تكون النتائج قريبة، ولا يستطيع أن يتنازل عن بعض رغباته من أجل هدف أكبر، يصعب عليه أن يحمل مشروعاً طويل الأمد.

الحديث عن بناء حضارة إسلامية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عودة إلى الماضي أو رفضاً للمدنية الحديثة، بل على العكس: المقصود هو امتلاك القدرة على إنتاج العلم، وبناء المؤسسات، وإدارة الاقتصاد، وتطوير المعرفة، وصناعة الإنسان القادر على الجمع بين الإيمان والعلم والكفاءة

لقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد الوعي بهذه الحقيقة؛ ولذلك جاءت عنه الدعوة إلى التقشف ومجاهدة النفس، لا باعتبار التقشف غاية في ذاته، وإنما باعتباره وسيلة لصناعة شخصية لا تنكسر عندما تتغير الظروف. فالحضارة التي تعتمد على أجيال اعتادت الراحة فقط تصبح حضارة هشة، أما الحضارة التي تربّي أبناءها على العلم والعمل والانضباط وتحمل المسؤولية، فإنها تستطيع أن تتجدد كلما تغيرت الظروف.

والإسلام في جوهره لم يكن مشروع بدوية ولا مشروع رجعية، بل كان من أعظم القوى التي دفعت الإنسان المسلم إلى التعلم والتنظيم والعمران. وحين استقرت الحضارة الإسلامية وتوسعت، نشأت المدن الكبرى، وازدهرت العلوم، وتطورت الإدارة والتجارة والطب والفلك والهندسة والفلسفة والآداب، وأصبحت مراكز العلم في العالم الإسلامي مقصداً للعلماء والطلاب. ولذلك فإن الحديث عن بناء حضارة إسلامية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عودة إلى الماضي أو رفضاً للمدنية الحديثة، بل على العكس: المقصود هو امتلاك القدرة على إنتاج العلم، وبناء المؤسسات، وإدارة الاقتصاد، وتطوير المعرفة، وصناعة الإنسان القادر على الجمع بين الإيمان والعلم والكفاءة.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسائل إلى غايات. فالمال وسيلة، والمؤسسة وسيلة، والتقنية وسيلة، والقوة وسيلة، والسلطة وسيلة، وحتى الرفاه الحضاري نفسه وسيلة. أما حين يصبح الإنسان مشغولاً بالوسيلة وينسى المقصد، فإن الحضارة تبدأ في فقدان روحها مهما بقيت مبانيها قائمة.

قد تمتلك أمة جامعات ضخمة، وشركات عملاقة، وثروات هائلة، وجيوشاً قوية، ومدناً متقدمة، ثم تكون مع ذلك عاجزة عن الإجابة عن سؤال بسيط: لماذا نفعل كل هذا؟ وما الإنسان الذي نريد أن نصنعه؟ وأي قيمة نريد أن نحميها؟ وأي مستقبل نريد أن نتركه لمن بعدنا؟ فإذا ضاعت الإجابة عن هذه الأسئلة، أصبحت الحضارة جسداً ضخماً بلا روح.

ومن هنا فإن كل جيل أمام مسؤوليتين: أن يحافظ على ما ورثه، وأن يضيف إليه. ليس مطلوباً من الجيل الجديد أن يعيش حياة الجيل المؤسس نفسها، لأن لكل عصر أدواته وظروفه، ولكن المطلوب أن يمتلك الروح نفسها: روح العمل، والانضباط، والتضحية، والجدية، والشعور بالمسؤولية.

فالجيل المؤسس قد يحمل الحجارة بيديه، بينما يحمل الجيل الذي بعده المعرفة والتقنية، ويحمل الجيل الذي يليه أدوات الإدارة والاقتصاد والبحث العلمي. تتغير الأدوات، لكن المبدأ لا يتغير: لا يجوز أن يكون جيل لاحق أقل همّة من الجيل الذي سبقه لمجرد أنه وُلد في ظروف أفضل.

وهنا تظهر قيمة الإنسان قبل قيمة الموارد، فالموارد وحدها لا تبني شيئاً. قد تمتلك دولة ثروات هائلة، ولكنها تفتقر إلى الإنسان الذي يعرف كيف يحول هذه الثروة إلى صناعة وعلم وتعليم وبنية تحتية وفرص عمل. وقد تمتلك أمة عدداً كبيراً من الشباب، ولكنها لا تمتلك المؤسسات القادرة على تدريبهم وتوجيه طاقاتهم، فتتحول الطاقة البشرية من فرصة إلى عبء.

ولهذا فإن بناء نهضة إسلامية معاصرة يحتاج إلى النظر إلى العالم الإسلامي باعتباره خزاناً هائلاً من الطاقات البشرية المتنوعة. في السودان، والصومال، وأفغانستان، وسوريا، وغيرها من البلدان، توجد أجيال عرفت ظروفاً قاسية، وتعلمت من الحياة معنى التحمل والصبر والعمل في بيئات صعبة. لكن من الخطأ أن نحول هذه الصفات إلى أحكام ثابتة على الشعوب، وكأن شعباً بأكمله يولد بطبيعة معينة، أو أن شعباً آخر لا يصلح إلا لمهمة محددة. الإنسان أعقد من ذلك، والقدرات تتشكل بالتربية والتعليم والفرص والمؤسسات بقدر ما تتأثر بالبيئة والتجربة.

المشكلة الحقيقية ليست في نقص الطاقات، وإنما كثيراً ما تكون في غياب المؤسسة التي تكتشف الطاقات ثم تضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. كم من إنسان يمتلك قوة الإرادة، لكنه لا يجد من يعلمه كيف يحول إرادته إلى إنجاز؟ وكم من شاب لديه شجاعة وصبر، لكنه يحتاج إلى تعليم ومهارة وإدارة حتى تصبح شجاعته إنتاجاً نافعاً؟ وكم من صاحب موهبة بقي في الهامش لأنه لم يجد مؤسسة تعرف كيف تكتشفه وتدربه وتفتح له الطريق؟

إن الإدارة الرشيدة لا تسأل فقط: من الأقوى؟ بل تسأل: مَن الأصلح؟ ومَن الأكثر قدرة على التعلم؟ ومن يملك الاستعداد للعمل الجماعي؟ ومن يستطيع تحمل المسؤولية؟ ومن يملك النزاهة حين لا يراقبه أحد؟ ومن يستطيع أن يضع مصلحة المشروع فوق مصلحته الشخصية؟

وهذه المعايير هي التي تستطيع أن تحول الكتل البشرية المتفرقة إلى مجتمع منتج، دون أن تختزل الشعوب في صور نمطية أو تجعل القوة البدنية معياراً وحيداً للقيمة.

وإذا أردنا بناء حضارة حقيقية، فإننا نحتاج إلى الإنسان العامل في المصنع، والباحث في المختبر، والطبيب في المستشفى، والمعلم في المدرسة، والمهندس في موقع البناء، والمبرمج أمام حاسوبه، والإداري الذي يعرف كيف يدير مؤسسة، والاقتصادي الذي يفهم حركة الأسواق، والمزارع الذي يعرف كيف يضاعف الإنتاج، والعالم الذي يبحث عن الحقيقة، والمفكر الذي يحفظ للأمة قدرتها على النقد والمراجعة.

حتى القوة نفسها لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد أدوات صراع، وإنما باعتبارها قدرة شاملة على حماية المجتمع وحفظ أمنه واستقلال قراره. فالمجتمع الذي لا يملك علماً واقتصاداً ومؤسسات قوية سيظل محتاجاً إلى غيره مهما امتلك من الشعارات. والقوة المستدامة تبدأ من التعليم والإنتاج والانضباط والمؤسسات قبل أن تظهر في أي مجال آخر.

بناء الحضارة ليس مشروع جيل واحد. الجيل الأول يضع الأساس، والثاني يرفع البناء، والثالث يوسع أبوابه، والرابع يطور أدواته، ثم يأتي جيل آخر ليكتشف أن عليه ألا يكتفي بالسكن في البناء، بل أن يقوم بصيانته وتجديده
ولهذا فإن بناء الحضارة ليس مشروع جيل واحد. الجيل الأول يضع الأساس، والثاني يرفع البناء، والثالث يوسع أبوابه، والرابع يطور أدواته، ثم يأتي جيل آخر ليكتشف أن عليه ألا يكتفي بالسكن في البناء، بل أن يقوم بصيانته وتجديده.

المشكلة أن بعض الأجيال تنسى أنها ورثت شيئاً لم تصنعه، فتتعامل مع الإنجازات السابقة باعتبارها حقاً طبيعياً، ثم تبدأ في استهلاك رأس المال الحضاري بدل إنتاج رأس مال جديد. ومع الوقت تصبح الأمة غنية بما كان، فقيرة بما هو كائن، ثم تعيش على أمجاد الماضي بينما يتقدم الآخرون في الحاضر.

والحل ليس في تمجيد الماضي وحده، ولا في جلد الحاضر، وإنما في صناعة إنسان جديد يعرف قيمة ما ورثه ويشعر بمسؤوليته تجاه من سيأتي بعده، فالغاية الكبرى ليست أن نستمتع بالحضارة، بل أن نكون أهلاً لحملها.

وليس المطلوب أن نحرم أنفسنا من النعمة، وإنما ألا تحرمنا النعمة من الهمة. وليس المطلوب أن نرفض الراحة، وإنما أن نستطيع مغادرتها عندما تحتاجنا المسؤولية. وليس المطلوب أن نعيش دائماً في ظروف قاسية، وإنما أن نربي في أنفسنا القدرة على العمل حتى عندما تصبح الحياة سهلة.

إن الأمة التي تنجح في الجمع بين النعمة والانضباط، وبين العلم والرسالة، وبين القوة والأخلاق، وبين الطموح والتواضع، تستطيع أن تبني حضارة لا تنهار بمجرد تغير جيل. أما الأمة التي تجعل غايتها الاستهلاك والترف والمظاهر، فإنها قد تبدو قوية في لحظة من التاريخ، لكنها تحمل في داخلها بذور ضعفها.

ولهذا يمكن اختصار المسألة كلها في قاعدة واحدة: كل جيل يبني ويضيف ويجدد فهو حلقة في استمرار الحضارة، وكل جيل يستهلك ما ورثه وينسى الغاية التي من أجلها بُني ذلك الإرث، فإنه يبدأ ولو من حيث لا يشعر في هدمه.

فالحضارة ليست ما نملكه فقط، بل ما نستطيع أن نتركه لمن بعدنا. والرسالة ليست أن نعيش أفضل من الذين سبقونا فحسب، بل أن نجعل من النعمة التي وصلتنا مادةً لبناء نعمة أكبر لمن سيأتي بعدنا. وهنا يكون الفرق بين جيلٍ يسكن التاريخ، وجيلٍ يصنع التاريخ.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)