إغلاق الأقصى وإعدام الأسرى

محمد الصغير
"ما إغلاق المسجد الآن إلا تهيئة وتوطئة لما هو أفدح وأكبر"- الأناضول
"ما إغلاق المسجد الآن إلا تهيئة وتوطئة لما هو أفدح وأكبر"- الأناضول
شارك الخبر
أسقطت إيران طائرة أمريكية كانت في سمائها، لكن الطيار الأمريكي قفز منها داخل الأراضي الإيرانية، وعندئذ تحولت دفة المعركة المستعرة وأخبارها المنتشرة تجاه هذا الحادث فقط، وتحولت القوى المتحاربة إلى فِرق بحث جادة، حيث دخلت قوات ترامب بقوة لتحمي الطيار من الأسر، وكثفت إيران من فرق البحث لأسره، وأعلنت عن مكافأة سخية لمن يعثر عليه من الإيرانيين، وأصبح مصير هذا الطيار مؤشر نصر أو هزيمة لكلا الطرفين، حيث تخشى أمريكا من عودة صورة سحل أسراها في الصومال، وترى إيران أن العثور عليه حيا له أبعاد معنوية، ويمثل ورقة ضغط سياسية واجتماعية على الإدارة الأمريكية. وأصبح العالم كله مفروضا عليه متابعة أخبار الطيار المفقود، ثم أعلنت أمريكا عن الوصول للأسير، وتحطمت طائرتان خلال عملية استنقاذه، وبدورها أثبتت إيران الخسارة ونفت نجاة الأسير!

ليست أمريكا في اهتمامها بأسيرها بدعا من الأمم، فقد رأينا كيف قايض جيش الاحتلال على أكثر من ألف سجين فلسطيني في مقابل الإفراج عن الجندي جلعاد شاليط.

وهذا شأن كل أمة ترى نفسها مجموع أفرادها، وأنها الإطار العام المعبر عنهم، والمحافظ على مصالحهم. وكانت الصورة في الإسلام أوضح من ذلك وأظهر، حيث تختزل في الأسير معاني الأمة وحدود الدولة، وترهن مستقبلها به، ومن القواعد المقررة "إعلان الحرب من أجل الأسير"، وطبق ذلك في الواقع والأمثلة عليه كثير، ومن أشهرها فتح عمورية على يد الخليفة العباسي المعتصم، الذي بلغه أن جند الروم أغاروا على قرى للمسلمين وأخذوا أسرى من أهلها، فصاحت امرأة هاشمية "وامعتصماه" تلك الصيحة التي سجلها التاريخ، وأصبحت مفزع كل مكروب، وعندما بلغت المعتصم قال لبيك لبيك. وذكر الحافظ ابن كثير أنه أصر على الخروج بنفسه، وقسم ما تحت يده بين ورثته ووصيته ومواليه، وحاولت حاشيته إثناءه عن الخروج بنفسه، لأن الطالع نحس، وليس من أيام سعد، فلم يلتفت لتثبيطهم، وهو ما سجله أبو تمام في قصيدته الشهيرة:

السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ   في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ
بيضُ الصَفائِحِ لا سودُ الصَحائِفِ   في مُتونِهِنَّ جَلاءُ الشَكِّ وَالرِيَبِ

إلى أن قال:

لَبَّيتَ صَوتاً زِبَطرِيّاً هَرَقتَ لَهُ   كَأسَ الكَرى وَرُضابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
أَجَبتَهُ مُعلِناً بِالسَيفِ مُنصَلِتاً   وَلَو أَجَبتَ بِغَيرِ السَيفِ لَم تُجِبِ

وعاد منتصرا بعد ستة أشهر من الجهاد وتأديب المعتدين، وتخليص الأسرى من أيديهم، وأصبحنا نردد بعد قصيدة أبي تمام ما قاله عمر أبو ريشة:

رب وامعتصماه انطلقت  ملء أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم.. لكنها   لم تلامس نخوة المعتصم
أمتي كم صنم مجدته  لم يكن يحمل طهر الصنم
لا يلام الذئب في عدوانه   إن يك الراعي عدوَّ الغنم

إذن تشن الحرب في الإسلام وتتحرك الجيوش من أجل استنقاذ أسير، كما روى ابن أبي شيبة في مصنفه أن عمر بن الخطاب قال: لئن أستنقذ رجلا من المسلمين من أيدي المشركين، أحب إلي من جزيرة العرب.

قال الإمام ابن حجر الهيتمي لو أسر الكفار مسلما، فالأصح وجوب النهوض إليهم، كما ننهض عند دخولهم دارنا، بل أولى لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار.

ويأتي في المقام الثاني، السعي في فك الأسير بالفداء المالي. قال الإمام القرطبي: ذكر علماؤنا أن فداء الأسرى واجب، وإن لم يتبق درهم واحد "أي في بيت المال". وإن عجز بيت المال عن فداء الأسرى، طلب ولي الأمر المعونة من أغنياء المسلمين، لأن التكليف موجه لعموم الأمة، روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني"؛ قال سفيان الثوري العاني الأسير.

تحيا أمتنا هذه الأيام حالة غير مسبوقة فيما يخص الأسرى والمسرى، حيث أغلق الاحتلال المسجد من بداية الحرب على إيران، وفي أتون المعركة الضارية أوقد نارا أخرى تطاير شررها، بإصدار قانون يبيح لهم إعدام الأسرى الفلسطينيين الذين في سجونهم، والذين يقدر عددهم بحوالي عشرة آلاف، فيهم عدد من النساء والأطفال يمارس عليهم تعذيب ممنهج.

ومما يؤسف له غياب ردة الفعل اللائقة بهذا الجرم الكبير، بل وقفت الشعوب على نفس درجة الحكام حيث الاستنكار والاستهجان، وكان المتوقع أن تملأ الشوارع والميادين بمليار -نصف عدد المسلمين- غاضب ومتظاهر من أجل أسرى المسلمين ومسرى نبينا الكريم.

تعلمنا من دروس الحرب حسن استخدام ورقات الضغط، والأمة تملك من ذلك الكثير، ويملك العلماء السلاح الذي يخضع له الجميع رغبا أو رهبا، وهو سلاح الفتوى الصادعة الراشدة التي ترشد الأمة إلى طريق عزتها، وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم حكاما ومحكومين. ولا يكتفي العلماء بالبيانات الشكلية ولا الرسائل الروتينية، فإن الوزير المتطرف الذي شرب الخمر على الملأ فرحا بقانون إعدام الأسرى، لن يتورع عن هدم الأقصى، وما إغلاق المسجد الآن، إلا تهيئة وتوطئة لما هو أفدح وأكبر. ومن المعلوم من الشريعة بالضرورة، أن استنقاذ الأسير فرض على الأمة بمجموع قدراتها، فإن نكلت أو نكصت أثم الجميع، فما بالنا إذا كان في مقدمة الأسرى، مسرى نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم؟

علينا أن نستلهم روح أبي تمام، فإن الخير في الإقدام، وبه يتحقق صالع السعد، وهو الخيط الذي التقطه عبدالله البردوني شاعر اليمن، ونسج عليه في قصيدته البديعة، التي عارض بها أبا تمام وختمها بقوله:

يكفيك أن عدانا أهدروا دمنا   ونحن من دمنا نحسو ونحتلب
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا   يوماً ستحبلُ من إرعادنا السحب
ألا تـرى يا أبا تمـام بارقنـا   إن السماء تُرجى حين تحتجب


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل