متى تفقد النخب قدرتها على إنتاج المعنى وتتحول إلى حارسة للمأزق؟.. سوريا أنموذجاً

براءة زيدان
"الربيع العربي كان أحد أهم الاختبارات التاريخية التي كشفت هذه المعضلة"- أ ف ب
"الربيع العربي كان أحد أهم الاختبارات التاريخية التي كشفت هذه المعضلة"- أ ف ب
شارك الخبر
في لحظات التحول الكبرى لا تُختبر الأنظمة السياسية وحدها، بل تُختبر النخب أيضاً. فحين تهتز السرديات القديمة، وتتغير موازين القوى، وتدخل المجتمعات في أزمات عميقة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من يمتلك القدرة على إنتاج معنى جديد يساعد المجتمع على فهم ما يجري واستشراف ما يمكن أن يأتي بعده؟

لا تُقاس النخب بعدد الشهادات التي تحملها أو بحجم حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على إنتاج الأفكار التي تمنح المجتمع أفقاً يتجاوز أزماته، ولهذا لم تكن وظيفة النخب يوماً مجرد تفسير الواقع، بل المساهمة في إعادة تخيله. وقد لفت الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984)، الذي اشتهر بتحليل العلاقة بين السلطة والمعرفة، إلى أن الخطاب لا يصف الواقع فحسب، بل يساهم في تشكيله وإنتاج معانيه. ومن هنا تبدأ أزمة النخب حين تفقد قدرتها على إنتاج خطاب جديد يواكب التحولات التي يعيشها المجتمع.

لكن المفارقة أن النخب التي تنشأ غالباً بوصفها قوة نقدية قد تتحول مع الزمن إلى جزء من الأزمة نفسها. فهي تواصل الدفاع عن مسلّماتها القديمة، وتكرر الإجابات ذاتها على أسئلة تغيرت جذرياً، وتصبح أكثر انشغالاً بحراسة مواقعها الفكرية والسياسية من انشغالها بالبحث عن أفق جديد. وهكذا تتحول من منتجة للمعنى إلى حارسة للمأزق.

امتلاك تفسير للمأساة لا يعني امتلاك مشروع للخروج منها، فقد انشغل كثيرون بتفسير الماضي أو توزيع المسؤوليات أو تفكيك سرديات الخصوم

ولعل الربيع العربي كان أحد أهم الاختبارات التاريخية التي كشفت هذه المعضلة. فقد خرجت ملايين الجماهير العربية إلى الشوارع مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والمشاركة السياسية، ووجدت النخب نفسها فجأة أمام أسئلة غير مسبوقة تتعلق بالدولة والشرعية والمواطنة والهوية ومستقبل المجال العام. غير أن جزءاً كبيراً من هذه النخب ظل أسير معاركه الفكرية القديمة وانقساماته الأيديولوجية الموروثة، وبينما كانت المجتمعات تبحث عن أفق جديد، انشغل كثيرون بإثبات صحة مواقفهم السابقة أو الدفاع عن سردياتهم الخاصة. وهكذا تحولت لحظة تاريخية كان يمكن أن تؤسس لإعادة إنتاج المعنى إلى ساحة صراع بين روايات متنافسة، امتلكت جميعها تفسيراً للأزمة، لكنها لم تمتلك بالقدر نفسه تصوراً متماسكاً لما بعدها.

ولعل التجربة التونسية تطرح سؤالاً مختلفاً، فهي تبدو للوهلة الأولى استثناءً مقارنة بمسارات عربية أخرى، بحكم نجاحها النسبي في تجنب العنف الشامل وإدارة مرحلة انتقالية معقدة. غير أن السؤال لا يتعلق بإدارة الانتقال فقط، بل بمدى قدرة النخب على تحويل هذا الانتقال إلى مشروع تاريخي مستدام. فهل نجحت النخب التونسية فعلاً في إنتاج معنى جديد للحظة ما بعد الثورة، أم أن ما جرى كان أقرب إلى حالة كمون تاريخي سرعان ما أعادت السياسة بعدها إنتاج كثير من أزماتها القديمة؟

وتبدو الحالة السورية التعبير الأكثر وضوحاً عن الوجه الآخر لهذه المعضلة. فمنذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، وما تبعها من حرب وتدخلات إقليمية ودولية وانقسامات اجتماعية وسياسية عميقة، لم تعانِ سوريا فقط من أزمة سلطة أو أزمة دولة، بل من أزمة معنى أيضاً. فمع مرور السنوات تكاثرت السرديات وتضخمت التفسيرات، لكن الأفق المشترك أخذ يتراجع، وأصبح السوريون يمتلكون قراءات متعددة للماضي، بينما يفتقرون إلى تصور جامع للمستقبل.

فبعد أكثر من عقد على الثورة وما أعقبها من تحولات كبرى، لا يكاد يوجد طرف سياسي أو فكري إلا ويملك تفسيراً خاصاً لما جرى. لكن امتلاك تفسير للمأساة لا يعني امتلاك مشروع للخروج منها، فقد انشغل كثيرون بتفسير الماضي أو توزيع المسؤوليات أو تفكيك سرديات الخصوم، بينما بقي السؤال الأكثر صعوبة معلقاً: ما المشروع الوطني القادر على إعادة بناء المجال العام السوري؟ وما الرواية الوطنية الجامعة التي يمكن أن تساعد السوريين على الانتقال من منطق الانقسام والاستقطاب إلى منطق الشراكة في المستقبل؟

كان المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد (1935-2003)، أحد أبرز المدافعين عن دور المثقف النقدي، يرى أن وظيفة المثقف لا تكمن في ترديد ما تريد الجماعة سماعه، بل في مساءلة المسلّمات التي تتحول إلى يقينيات مغلقة. وربما تكمن إحدى أزمات النخب السورية والعربية اليوم في أنها انشغلت طويلاً بإدارة الانقسامات والدفاع عن السرديات المتنافسة، أكثر من انشغالها بإنتاج أفكار قادرة على تجاوز هذه الانقسامات.

وهنا تكتسب أفكار المفكر العربي المعاصر عزمي بشارة (1956-) أهمية خاصة. فقد انشغل طوال مسيرته الفكرية بقضايا الدولة والمواطنة والمجال العام والتحول الديمقراطي، مؤكداً أن السياسة لا تُختزل في إدارة الصراعات والانقسامات، بل في بناء مشروع عام قادر على تحويل الجماعات المتنازعة إلى شركاء في فضاء وطني مشترك. فالمشكلة ليست في وجود الخلاف، بل في غياب الرؤية التي تمنحه اتجاهاً ومعنى.

ربما لا تكمن أزمة النخب السورية والعربية اليوم في عجزها عن فهم المأزق، بل في عجزها عن تخيل ما بعده

غير أن الحلقة الأهم في هذا النقاش ربما تكمن في الأسئلة التي طرحها المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي (1933-) حول علاقة النخب العربية بالتاريخ والدولة والحداثة. فالعروي لم يتوقف عند تشخيص أزمات الواقع العربي، بل سعى إلى فهم أسباب العجز المزمن عن تحويل الوعي بالأزمة إلى مشروع للتجاوز. وربما هنا تحديداً تكمن إحدى معضلات النخب السورية والعربية المعاصرة: فهي تعرف المأزق جيداً، لكنها لا تعرف دائماً كيف تخرج منه.

ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب النخب ليس فقدان المعرفة، بل الاكتفاء بها. فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى من يشرح لها أسباب أزماتها، بل إلى من يساعدها على تخيل مستقبل مختلف. ولهذا فإن النخب التي تكتفي بتفسير الهزيمة أو إدارة الانقسام أو الدفاع عن مواقعها الرمزية تتحول تدريجياً إلى جزء من المشكلة التي تدّعي السعي إلى حلها.

وربما لا تكمن أزمة النخب السورية والعربية اليوم في عجزها عن فهم المأزق، بل في عجزها عن تخيل ما بعده. فالتاريخ لا يكافئ من يكتفي بشرح أزماته، بل من يمتلك القدرة على تحويل هذا الفهم إلى مشروع للمستقبل. وفي لحظات التحول الكبرى لا تُقاس قيمة النخب بقدرتها على تفسير ما حدث فحسب، بل بقدرتها على المساهمة في بناء ما سيأتي.

وحين تفقد النخب هذه القدرة، فإنها لا تتوقف عن إنتاج المعنى فقط، بل تتحول تدريجياً إلى حارسة للمأزق الذي تدّعي السعي إلى تجاوزه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)