مراسم تشييع خامنئي ورسالة الانبعاث

بحري العرفاوي
"ملايين الأفراد في أكثر من مدينة إيرانية وعراقية وفي شوارع بيروت للتعبير عن موقف"- جيتي
"ملايين الأفراد في أكثر من مدينة إيرانية وعراقية وفي شوارع بيروت للتعبير عن موقف"- جيتي
شارك الخبر
دأب الإيرانيون منذ عقود على تبنّي قاعدة عملية أسموها: "تحويل الأزمات إلى فُرص". لقد ظلوا منذ اندلاع الثورة في 1979 يواجهون أزمات متتالية بعضها داخلي وأغلبها خارجي، وخاصة ما خلّفه الحصار الاقتصادي وما تعرّضوا له من محاولات تخريب؛ لا فقط لتعطيل مسار الثورة وإنما لإسقاط النظام برُمّته.

ولعل أعظم "أزمة" واجهها الإيرانيون هي العدوان الصهيوأمريكي الأخير والمباشر، والذي تواطأت فيه عليهم دول عدة بأشكال متعددة؛ عدوان فقدت فيه إيران أبرز قادتها وعلمائها والكثير من مقدراتها المادية، وكانت أكبر "مصيبة" تعرضت إليها هي فقدان "إمامها" وهو بوصلتها، لما له في عقيدة الشيعة من رفعة مكانة وعلوّ مكان. كان العدو يتوهم أن قتل القائد سيجعل المعمار السياسي ينهار كله، لتكون الفرصة متاحة لتمرد داخلي مسنود بتدخل خارجي بريّا وجويا وبحريا، وبتغطية إعلامية تُستخدم فيها أحدث وسائل التأثير والتوجيه والتعبئة.

لقد حوّل الإيرانيون "الأزمة" إلى "فُرصة"، فإذا بأغلبية الشعب وبالنخب المعارضة يلتحمون بالوطن؛ لا دفاعا عن نظام سياسي بما هو شخوص وإنما دفاعا عن مشروع له طابع عقدي وعن كرامة شعب وسيادة دولة ومستقبل أجيال كان يُراد لها أن تدخل زمن التدجين الصهيوأمريكي، سواء في شكل مستعمرة أو في وضع "نظام الحماية" أو "الوصاية"، كما حصل سابقا مع العراق ويحصل الآن مع فنزويلا بعد اختطاف رئيسها بأسلوب همجي عنجهي.

يقظة الشعب الإيراني والجيش والحرس الثوري أربكت حسابات الأعداء وجلبت اهتمام شعوب العالم ونخبه لمعرفة طبيعة هذا الشعب وهؤلاء القادة. لقد صارت إيران عنوانا عالميا، وصار الحديث في مختلف وسائل الإعلام ووسائط التواصل مداره إيران شعبا وصواريخ ورياضة وأحمديان.

مناسبة تشييع الإمام علي خامنئي تحولت فيها إيران إلى وجهة لقادة العالم، حيث يشارك حوالي مائة وفد رسمي يمثلون بلدانهم، وتحولت إلى مجال اهتمام أبرز وسائل الإعلام العالمية، لقد تحولت مراسم تشييع جثمان الشهيد الإمام علي خامنئي إلى حالة انبعاث مبهرة ومدهشة وباعثة على التقدير والثناء، وعلى التساؤل أيضا حول مصدر قوة هذا الشعب رغم الحصار ورغم عنف العدوان وحجم الدمار وخطابات الوعيد مرفوقة بأحدث وسائل الحروب المعاصرة.

لم يستوعب القَتَلة مهابة المشهد، كيف يخرج ملايين الأفراد في أكثر من مدينة إيرانية وعراقية وفي شوارع بيروت للتعبير عن "موقف" هو أعمق من الحُزن وأبلغ من الوفاء وأقوى من الثأر لدماء قادة وعلماء لهم في أهلهم منزلة روحية ومكانة سياسية؟ ربما غالطت المخابرات الصهيونية إدارة ترامب حين أوعزت إليه بقتل الإمام خامنئي، مطمئنة إياه بأن الشعب الإيراني سيفرح بذلك وستخرج المظاهرات منادية بإسقاط نظام المرشد.

الإيرانيون قدموا درسا بليغا في الوطنية حين رفضوا التحالف مع الأعداء ضد وطنهم، وقد كان ممكنا أن تستفيد المعارضة من "أزمة" النظام لتعلن العصيان والتمرد، ولكن حتى الذين ضعفت أنفسهم وظنوا بالأعداء اقتدارا واجهوا غضب الناس ولم تستجب إليهم الجماهير، فوقعوا في "فخ" كُسِّرَت بين فَكّيه أجنحتُهم وسيقانُهم ولم يجنوا غير خيبات وسوء مآل، ولم يبك عليهم أحد ولم تنتصر لهم أمريكا وحلفاؤها في العدوان.

ستزداد تداعيات جريمة القتل تعقيدا في المستقبل ولن يكون "سلامٌ" بين إيران وأعدائها، وليس مسموحا شعبيا لقادة إيران أن ينسوا دماء قادتهم. ولعل هذا ما يعيه ترامب جيدا وهو بسبب ذلك يقول إن حياته مهددة.

رحم الله شهداء غزة وشهداء لبنان وشهداء اليمن وشهداء سوريا وإيران والعراق وكل شهداء التحرر.

x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل