هل تصمد الهُدَنُ بين محور المقاومة والتحالف الصهيوأمريكي؟

بحري العرفاوي
"ينقضّون ذات غفلة على مواقع مكشوفة فيغتالون ويدمرون ويصيبون"- الأناضول
"ينقضّون ذات غفلة على مواقع مكشوفة فيغتالون ويدمرون ويصيبون"- الأناضول
شارك الخبر
أغلب الحروب تحركها منطلقاتٌ صلبة تُسمّى "عقيدة"، تلك العقيدة هي التي تشمل رؤية أصحابها للحياة وللعالم وهي التي تضبط معايير الحق والحقيقة والعدالة والباطل والظلم، وفي سبيلها وانطلاقا منها تُخاض المعارك، وهي التي تساعد في فهم مواقف أصحابها وفي توقع أفعالهم وردود فعلهم، وكل ما يحصل في غير انسجام مع تلك العقيدة إنما هو إجراء ظرفي تُمليه عوامل وموازين قوى لا يلبث أن يُتجَاوَز حالما تتغير المعطيات وتتوفر الشروط الملائمة للعودة إلى مقتضيات تلكم العقيدة.

عقيدة التحالف الصهيوأمريكي تحددها السردية التوراتية التي تبشر بـ"إسرائيل الكبرى"، ويؤمن أصحابها بالحق الإلهي ولا يقبلون لا بسلام ولا بتعارف إنساني ولا يُراعون عهودا ولا يحترمون مواثيق، وذاك جزء من معتقدهم ومن نِظرتهم للآخرين من العرب والمسلمين تحديدا.

محور المقاومة لا يؤمن بـ"دولة إسرائيل" ولا يقبل بتطبيع ولا يثق بتسويات مع محتل عقيدتُه القتل والتدمير والتخريب والإبادة، هذا الموقف مستجمَع من تجارب الصراع مع هذا العدو ومن مؤلفات مؤسسي الحركة الصهيونية؛ بداية من تيودور هرتزل. وعداوة المسلمين إنما هي للصهيونية الاستعمارية وليس لليهود بما هم أصحاب ديانة؛ نؤمن برسولهم موسى عليه السلام ونرفض عدوانهم علينا وعلى مقدساتنا وأوطاننا.

هل يُجدي الضعفاءَ حديثُهم عن السلام وعن المحبة وعن التسامح حين يعجزون عن حماية أنفسهم وأوطانهم وثرواتهم، وحين يظلون يتسولون حقوقهم مترددين على منتظمات دولية وقوى كبرى لا تعترف إلا بالأقوياء ولا تحمل في جنباتها عواطف الرحمة والشفقة؟

عقيدتان منتناقضتان متصادمتان لا يمكن أن يتعايش أصحابُهما ضمن رؤية سلام وعقيدة أخوّة إنسانية، وإنما هما في حالة تحفّز دائم وعمل دؤوب على إعداد أسباب القوة استعدادا لمواجهات حتمية تنتهي بها سنن التاريخ إلى زوال أحد الطرفين.

الاعتقاد بصراع الخير مع الشر، والوعي بكون التناقض هو قانون حركة التاريخ، تلك مسائل تبدو فلسفية وثقافية، ولكن الذي يعنينا في تحليل المشهد في منطقتنا هو استشراف مستقبل الأجيال القادمة إن كانت ستعيش سلاما وأمانا في ظل وجود قوى استعمارية تعتقد بأفضليتها وبأحقيتها، ولا ترى في الآخرين إلا كائنات أدنى من الدرجة الآدمية وليست جديرة بمنظومة القيم الكونية ولا بمعايير الحقوق الإنسانية ولا بمبدأ التنافس الحضاري. وهل يُجدي الضعفاءَ حديثُهم عن السلام وعن المحبة وعن التسامح حين يعجزون عن حماية أنفسهم وأوطانهم وثرواتهم، وحين يظلون يتسولون حقوقهم مترددين على منتظمات دولية وقوى كبرى لا تعترف إلا بالأقوياء ولا تحمل في جنباتها عواطف الرحمة والشفقة؟

كل العقود التي مرت على العرب ما بعد مشاريع التقسيم ونشأة الدويلات الوطنية، لم تكن عقودا لسلام ولا لسيادة، إنما كانت فيها عمليات تهرئة بطيئة لكل ما كان كامنا في بيئتنا العربية الإسلامية من خمائر الثورة والمقاومة. لقد اشتغل الأعداء على إشاعة كل عوامل تدمير "الذات" وهدم "الهوية" حتى يتحول الأفرادُ إلى مستعمرات متنقلة لا تحتاج غزوا بقوة السلاح، وإنما تنجذب تلقائيا للمستعمر تقلد الغالب وتحتقر ذاتها وتفاخر بهوية الأعداء، لغة وثقافة وسلوكا واستهلاكا حتى صار كثيرٌ من النخبة ألسنةً تروّج لخطاب الأعداء ولثقافتهم وتمتدح تفوّقهم وتعترف لهم بأحقية الريادة الحضارية، بل وتمجّد مرحلة الاستعمار أو ربما تدعو لعودته علنا ليُكمل مهمة اجتثاث عوامل الصمود والمقاومة.

ورغم ما تعرضت له أمتنا من مشاريع التقسيم والاستعمار وتنصيب الأنظمة المستبدة العميلة، ورغم مشاريع التجريف الثقافي والتجفيف الديني، ورغم النكسات والنكبات والخيبات، فإنها اليوم تشهد مرحلة صحوة، إنها مرحلة العودة الواعية إلى الذات وإلى جوهر الإنسان الحر الذي يرفض الإذلال ويختار الشهادة على عيش الخنوع والاستسلام. وها هي المقاومة تنتقل من مرحلة "الكتائب" إلى مرحلة "الطوفان"، ومن مرحلة الجماعات إلى مرحلة "المحور"،
التحالف الصهيوأمريكي صار يستعمل الهُدَنَ مع غزة ولبنان وإيران، كفترات استراحة لإعادة تقييم أدائه وأداء المقاومين، ولتحسّس أخبار المحور وتتبع أسراره استعدادا لعمليات غادرة
والأعداء يضطرون لمحاورتها بكل نِدّيّة فلا يتوقعون منها استسلاما ولا يطمعون منها في صَغار وانكسار، إنما ينهجون معها أسلوبا آخر، هو ما بعد أساليب الترويض والتطويع، إنه أسلوب المخاتلة بواسطة وساطات يريدونها مِجسّاتٍ لمعرفة مَواطن القوة ومواطن الضعف، علهم ينقضّون ذات غفلة على مواقع مكشوفة فيغتالون ويدمرون ويصيبون قوى المقاومة في مقتل فترتخي.

التحالف الصهيوأمريكي صار يستعمل الهُدَنَ مع غزة ولبنان وإيران، كفترات استراحة لإعادة تقييم أدائه وأداء المقاومين، ولتحسّس أخبار المحور وتتبع أسراره استعدادا لعمليات غادرة.

إن التحالف الغادر لا يؤمن بسلام ولا يسعى إليه ولن يقبل باستمرار المحور في بناء ذاته ودعم شبكاته وتوسيع مجال نفوذه، إنما سيظل يجتهد في المكر والكيد والتلبيس والتحريض وفي تجميع العملاء والمطبعين والمنهزمين؛ يستعين بهم ويستعملهم في عملياته العدوانية وفي مشاريع الفتنة التي يعوّل عليها كثيرا ونجح فيها في فترة ما؛ منذ قال بوش الابن عشية 11 أيلول/سبتمبر 2001: "سنجعلهم يقتلون بعضهم".

تضحيات مكونات المقاومة وتكامل جبهاتها جعلت خطاب التلبيس يتراجع بشكل كبير، ولعل تحالفات قادمة تزيل شبح الفتنة الطائفية، تحالفات يبدو أن تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية صارت تعتقد بأهميتها، لا لمجرّد تشكيل تحالف سني لمواجهة تحالف شيعي، وإنما لطمأنة البلاد السنية بكونها صارت في مأمن مما تظنه تهديدا شيعيا قد تغريه انتصاراته فيؤذي بعض جيرانه السنة.

إن كثيرا من التحولات الكبرى لا تصنعها فلسفاتٌ ورؤى وإنما تصنعها هزّاتٌ وزلازل عنيفة، فهل يصحو محور التطبيع على حقيقة مدوية مفادها أن أمريكا والكيان ليسا صديقين، وأن كرامة العرب والمسلمين منتصبة على منصاتِ كبرياهم ومودعةٌ في مخازن قُوّتهم؟

 x.com/bahriarfaoui1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)