الديمقراطية العصية

امحمد مالكي
"دخل عدد مهم من الدول العربية دائرةَ الانتخابات التنافسية،  غير أن الديمقراطيةَ وحدَها ظلت الفريضة الغائبة"- CC0
"دخل عدد مهم من الدول العربية دائرةَ الانتخابات التنافسية، غير أن الديمقراطيةَ وحدَها ظلت الفريضة الغائبة"- CC0
شارك الخبر
لم تشهد الديمقراطية حالة من الاستعصاء والممانعة كما حصل لها في البلاد العربية، ولست أدري هل من المصادفة أم من مَكر التاريخ أن العرب الذين ودعوا القرن التاسع عشر ودشنوا القرن العشرين بسؤال الإصلاح، هم أنفسهم الذين استقبلوا الألفية الثالثة بالسؤال ذاته، فما بين ثورة القرنفل في البرتغال عام 1974 وبداية العشرية الأخيرة من القرن الماضي (1992)، انعطفت أكثر من أربعين دولة من وضع غير ديمقراطي إلى وضع ديمقراطي، وحدها البلاد العربية ظلت تُغردُ خارج سِرب ما أسماه هنتغتون "الموجة الثالثة" (Third Wave)، في إشارة إلى حركية الدمقرطة التي عمت جهات العالم في الربع الأخير من القرن العشرين.

تَعرفتُ منذ سنوات (2009)، على هامش ورشة نقاش نظمها مركز دراسات الأزمات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حول الحركات الإسلامية في شمال أفريقيا، على باحث تونسي شاب، هو العربي الصديقي، نَحَتَ قامَتَهُ العلمية بصبر وجَلَد في أرقى الجامعات الغربية (أستراليا بريطانيا أساسا)، وقد نشرت له منذ سنوات مطابعُ جامعة أكسفورد مؤلفا موسوما بـ"انتخابات من دون ديمقراطية" (Elections Without Democracy). والحال أن الباحث العربي الصديقي، المحاضر في جامعتي إكستر وقطر، مُحِق في اختيار هذا العنوان، لكونه يعبر، بقدر كبير من الموضوعية والواقعية، عن حال الديمقراطية في مجالنا السياسي العربي.

منذ عقود دخل عدد مهم من الدول العربية دائرةَ الانتخابات "التنافسية"، وتم تعميمُ تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، واعتمدت النظمُ الحاكِمة قوانينَ انتخابية، ومؤسسات تمثيلية عصرية (برلمانات ومجالس نيابية)، غير أن الديمقراطيةَ وحدَها ظلت الفريضة الغائبة، وعَزﱠ على المقدمات والترتيبات أعلاه خلق ديناميات من شأنها حَفز الدول والمجتمعات العربية على الانتقال إلى الديمقراطية

فمنذ عقود دخل عدد مهم من الدول العربية دائرةَ الانتخابات "التنافسية"، وتم تعميمُ تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، واعتمدت النظمُ الحاكِمة قوانينَ انتخابية، ومؤسسات تمثيلية عصرية (برلمانات ومجالس نيابية)، غير أن الديمقراطيةَ وحدَها ظلت الفريضة الغائبة، وعَزﱠ على المقدمات والترتيبات أعلاه خلق ديناميات من شأنها حَفز الدول والمجتمعات العربية على الانتقال إلى الديمقراطية.. فهل من حقنا إعادة طرح سؤال "مدرسة المنار" الشهير: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، بصيغة "لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟".. إنه سؤال حدير بالاهتمام من الناحيتين المنهجية والمعرفية.

تؤكد أدبيات "علم الانتقالات" (Transitologie)، كما تراكمت في الربع الأخير من القرن العشرين، أن ثمة عوامل جاذبة للانتقال ومُحفزة عليه، كما تُقدم الدولُ التي تحقق الانتقال في ربوعِها رجاحةَ هذه العوامل وصِدقيتها التاريخية. يتصدر "التوافقُ" (consensus) قائمةَ الشروط اللازمة لإنجاح الانتقال والتحفيز عليه، والقصد من التوافق في هذا المقام حصول حالة واضحة ونهائية من وعي ضرورة الدمقرطة واستراتيجيتها بالنسبة للدولة والمجتمع.

فحين تكتمل قَسمات هذا الوعي، تتمكن أطراف الديمقراطية من التحاور، والتداول، والوصول إلى أرضيات مشتركة حول أسس نظام الحكم الديمقراطي، ومبادئه، وآلياته، وضوابطه، وضماناته المتعارف عليها. فضعف ثقافة التوافق أو انعدامها في المجال السياسي العربي يمثل في تقديرنا عقبةَ كأداء في طريق حصول الانتقال وترسخه ونجاحه، فالحاصل واقعيا أن كل طرف أو فاعل سياسي يعتقد أنه يَستَبطِن الحقيقة في ذاته، فيسعى من حيث يدري أو لا يدري إلى إلغاء الآخر من حساباته، أو في أدنى الحالات تهميشه، وإضعاف قدرته على التناظر والتدافع والتداول على السلطة.. لذلك ظلت السلطة، مثل شقيقتها الثروة، غنيمة في ثقافتنا السياسية العربية، والحال أن فكرَ الغنيمة لا يسمح بمراكمة تقاليد من شأنها فتح أفق عقلاني للتنافس من أجل الانتقال إلى الديمقراطية.

وفي الواقع تشكو المعارضات العربية من العِلة نفسها، حيث تَضخمَت ذاتُها، وتملكَها الشعورُ بأنها على صواب وأن الآخر (السلطة) يَتربص بها، وأنها ضحية غياب الديمقراطية، وقلما امتلكت، في المقابل، جرأةَ نقد الذات، وفَحصِ منسُوب روح الديمقراطية في كيانها. ومن اللافت للانتباه أن الحالات، وهي قليلة ومحدودة، التي جَربت المعارضةُ خلالها طَعمَ السلطة لم تكن في أحسن حال، بل أثبت الممارسةُ أنها أكثر قسوة من السلطة ذاتها.

لذلك، تُحيلُنا إشكاليةُ التوافق إلى قضية صناع التوافق أنفسهم، أي النخبة السياسية وطبيعتها في البلاد العربية. فمن باب المقاربة العمودية، يسرت مجهودات الآباء المؤسسين في الهند، وماليزيا، ومانديلا وديكليرك في جنوب أفريقيا، وفاونسا في بولندا، وأكينو في الفلبين، وسوريز في إسبانيا، وغيرهم وهم كُثر، الطريقَ إلى الديمقراطية. فالخيط الناظم بين هؤلاء جميعا إيمانهم غير القابل للشك في الديمقراطية كقيمة مجتمعية، وخيار لقيادة بلدانهم نحو الأفضل، لذلك لم يضعفوا أمام إغراءات السلطة، ولم يستسلموا أمام مُثبطاتها، فشكلوا بسلاح إيمانهم لفيفَ الديمقراطيين الذي صنع الديمقراطية.. إن الحاجة ماسة في البلاد العربية إلى ميلاد مثل هذه الصفوة من بني جلدتها.

ليست الديمقراطية وصفة يكفي أن يضعَها عقلُ حكيم خَبرته التجارب وصَقَلت وعيَه، إنها أولا وقبل كل شيء سيرورة (Processus) مجتمعية متدرجة ومنتظمة في الزمن، مما يعني أن نجاحها رهين إلى حد بعيد بالإنجاز والتراكم.

وجود إسرائيل كيانا مُغتصبا للأرض والذاكرة الجماعية يُلوث البيئة الجهوية، ويعيق إمكانيات التقدم نحو الديمقراطية، أما العامل الدولي فليس دائما مشجعا على الديمقراطية، وإن أصر عليها في خطابه حيال العالم العربي، فقد أثبتت التجربة وجود ازدواجية في صفاته للديمقراطية وسبل انتشارها

ثم إذا كانت أدوار الأفراد (النخبة) مهمة ومطلوبة، فإن حركة الإقلاع نحو الديمقراطية مرتبطة بدرجة أساسية بقدرة المجتمع وكفاءته على التحليق في سمائها دون كبوات، ومرتهنة أيضا ببيئته الجهوية والدولية. ففي كل الفضاءات التي تحققت فيها عمليات الانتقال تضافرت المجهودات الداخلية مع العوامل الجهوية والدولية فخلقت كيميائية الدمَقرطة ويسرت سُبلَ انسيابها إلى جسم المجتمعات العليلة يسَقَم الحكم العَضُوض. فهل كان في مُكن دول شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا، البرتغال) الانتقال في زمن قياسي إلى الديمقراطية لو لم يساعدها مناخ المحيط الأوروبي الداعِم والمُشترِط للدمقرطة كلازِمة للانتماء إلى جسمه المشترك؟ إن النظر إلى العالم العربي من العربي من زاوية هذه المقارنة العمودية لا يسمح بالارتياح إلى قدرة فعل التأثير الجهوي والدولي إيجابيا في جدلية الانتقال إلى الديمقراطية.

فمنذ عقود يشكو النظام العربي من عُسر التلاحم والتوافق بين وحداته، وقد أبانت الجامعة العربية محدودية بلوغ الحد الأدنى المطلوب من مقاصدها، وفي صدارتها الارتقاء بالدول والمجتمعات نحو التأسيس الفعلي لثقافة البناء المشترك، وقد عبرت، في لحظات ذروة الخلافات، عن وجود عالم عربي بالجمع وليس المفرد. ثم إن وجود إسرائيل كيانا مُغتصبا للأرض والذاكرة الجماعية يُلوث البيئة الجهوية، ويعيق إمكانيات التقدم نحو الديمقراطية، أما العامل الدولي فليس دائما مشجعا على الديمقراطية، وإن أصر عليها في خطابه حيال العالم العربي، فقد أثبتت التجربة وجود ازدواجية في صفاته للديمقراطية وسبل انتشارها.. إن اللوحة فيما يبدو ليست وردية ولا رمادية عن مستقبل الديمقراطية في ديارنا العربية، فهي عَصِية على المنال، غير أنها ليست مستحيلة.. إنها تحتاج إلى خطوات جريئة وأليمة من جانب السلطة ومن يتوق إليها باسم المعارضة، وتحتاج إلى مناخ جهوي على قدر معقول من النقاوة والحس المشترك.. وتستلزم قدرا من الدعم الدولي الإيجابي، أو في أدنى الحالات المحايد غير المعرقل، أو المشجع على الفساد باسم الانفتاح.
التعليقات (0)

خبر عاجل