معضلة السردية والبقاء: الخلاف الذي لا يراه الغرب داخل طهران

إيمان الجارحي
"معضلة إيران تبدو أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تدافع عن دولة فقط، بل عن سردية ثورية ما زالت تشكل جزءاً من شرعية وجودها السياسية والأيديولوجية"- الأناضول
"معضلة إيران تبدو أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تدافع عن دولة فقط، بل عن سردية ثورية ما زالت تشكل جزءاً من شرعية وجودها السياسية والأيديولوجية"- الأناضول
شارك الخبر
لا يبدو أن المشكلة داخل إيران اليوم هي ترامب، كما لا يبدو أن المشكلة هي تخصيب اليورانيوم أو العقوبات أو حتى المفاوضات الجارية. فكل هذه الملفات ليست سوى مظاهر لأزمة أعمق.

الأزمة الحقيقية أن الجمهورية الإسلامية تجد نفسها لأول مرة منذ سنوات أمام شرق أوسط يعاد تشكيله بوتيرة متسارعة، شرق أوسط تغيرت فيه الأولويات، وتبدلت فيه التحالفات، ودخلت إليه قوى جديدة، بينما تتعرض فيه طهران لاستنزاف متزامن في الميدان والاقتصاد والإعلام والسردية السياسية معاً.

ولهذا فإن الخلاف داخل النخبة الإيرانية لا يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة خصماً أم لا، فهذه مسألة حُسمت منذ زمن، بل حول كيفية التعامل مع مرحلة جديدة تختلف قواعدها عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية.

ولا يخفى على أحد أن ما قبل السابع من أكتوبر ليس كما بعده، فذلك اليوم لم يفتح جبهة غزة فقط، بل فتح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط كله. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد طهران تواجه استنزافاً ميدانياً فحسب، بل استنزافاً متعدد المستويات يشمل السياسة والاقتصاد والإعلام والسردية معاً.

الخلاف داخل النخبة الإيرانية لا يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة خصماً أم لا، فهذه مسألة حُسمت منذ زمن، بل حول كيفية التعامل مع مرحلة جديدة تختلف قواعدها عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضية

لقد اعتادت الجمهورية الإسلامية لعقود أن تقدم نفسها باعتبارها مركز ثقل "محور المقاومة" والقوة القادرة على توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة معقدة من التحالفات والأدوات السياسية والعسكرية. لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر نقل الصراع إلى مستوى مختلف، فبدلاً من التمدد المستمر، أصبحت الأولوية هي الحفاظ على المكتسبات ومنع تآكلها.

وهنا تظهر معضلة السردية، فالدول تستطيع أن تتراجع خطوة إلى الخلف ثم تعود إلى الأمام، ويمكنها أن تخسر معركة وتربح حرباً، لكن الأزمة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون التحدي موجهاً إلى الرواية المؤسسة نفسها. فالسردية ليست مجرد خطاب إعلامي، بل جزء من شرعية النظام وقدرته على إقناع أنصاره وحلفائه وخصومه معاً بأنه لا يزال يمثل مشروعاً قابلاً للحياة.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من الجدل الدائر داخل النخبة الإيرانية. فالقراءة السطحية تصور الأمر وكأنه صراع بين متشددين يريدون المواجهة وبراغماتيين يريدون السلام. لكن الواقع أكثر تعقيداً، فالطرفان يدركان جيداً طبيعة الولايات المتحدة وطبيعة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا أحد داخل دوائر القرار الإيرانية يعتقد أن واشنطن تحولت فجأة إلى شريك موثوق، كما لا أحد ينسى انسحاب الإدارة الأمريكية سابقاً من الاتفاق النووي بعد سنوات من التفاوض.

الخلاف الحقيقي لا يتعلق بتشخيص المشكلة، بل بكيفية التعامل معها. فالتيار الأقرب إلى الحرس الثوري يرى أن البيئة الحالية صُممت أساساً لإجبار إيران على التكيف مع قواعد لعبة جديدة، وأن أي تنازل كبير اليوم لن يكون نهاية المطالب الأمريكية بل بدايتها. ومن هذا المنطلق قد يتحول التفاوض إلى أداة لتفكيك عناصر القوة التي راكمتها طهران خلال العقود الماضية.

أما التيار البراغماتي، الذي يُنسب إليه سياسيون مثل قاليباف وعراقجي، فلا ينطلق من ثقة أكبر بواشنطن، بل من تقدير مختلف للمخاطر. فهؤلاء يرون أن التحدي الأكبر ليس في التكيف مع المتغيرات، وإنما في العجز عن التكيف معها. فالنظام الذي يرفض تعديل أدواته وأساليب عمله قد يجد نفسه في مواجهة ضغوط متراكمة تتجاوز قدرته على الاحتمال. وبذلك يصبح جوهر الخلاف داخل إيران بين من يخشى أن يؤدي التأقلم إلى فقدان هوية المشروع، وبين من يخشى أن يؤدي رفض التأقلم إلى كسر المشروع نفسه.

ولعل التجربة المصرية منذ عام 1952 تقدم مثالاً مختلفاً في إدارة التحولات. فالنظام الذي نشأ على سردية ثورية وقومية حادة، وانتقل من عبد الناصر إلى السادات ثم إلى مبارك وصولاً إلى النظام الحالي، أظهر قدرة استثنائية على إعادة التموضع والتأقلم مع البيئات الدولية المتغيرة دون أن يفقد استمراريته المؤسسية. وربما لهذا السبب ينظر بعض البراغماتيين الإيرانيين إلى التكيف باعتباره شرطاً للبقاء لا نقيضاً له. فالمعضلة من وجهة نظرهم ليست في تعديل الأدوات، بل في الإصرار على استخدام أدوات مرحلة انتهت بينما تتشكل حولهم بيئة جديدة بالكامل.

غير أن معضلة إيران تبدو أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تدافع عن دولة فقط، بل عن سردية ثورية ما زالت تشكل جزءاً من شرعية وجودها السياسية والأيديولوجية. ولهذا لا يمكن اختزال ما يجري في طهران في صراع بين دعاة حرب ودعاة سلام أو بين متشددين وإصلاحيين بالمعنى التقليدي، بل في مستقبل التوازن الذي حكم الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها: التوازن بين الثورة والدولة، وبين العقيدة والمصلحة، وبين الهوية والبقاء. وفي الوقت نفسه، لا تتغير قواعد اللعبة فقط، بل يتغير اللاعبون أيضاً.

فبينما تنشغل القوى التقليدية بإدارة صراعاتها القديمة، بدأت قوى أخرى في التقدم بهدوء نحو أدوار أكبر. وتبدو باكستان واحدة من أكثر النماذج إثارة للاهتمام في هذا السياق، فهي لا تتحرك فقط كقناة اتصال بين واشنطن وطهران، بل تسعى إلى تقديم نفسها كقوة قادرة على الجمع بين علاقاتها الاستراتيجية مع الخليج وعلاقاتها التاريخية مع إيران واتصالاتها الممتدة مع الولايات المتحدة.

كما أن حضور باكستان المتزايد لا يقتصر على ملف الوساطة، بل يمتد إلى مسارات أمنية ودفاعية أوسع. فإسلام آباد تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الاستراتيجية في المنطقة من خلال شراكات واتفاقيات تعاون دفاعي مع المملكة العربية السعودية، وحضور متزايد في عدد من الملفات الإقليمية. وبهذا المعنى لا تتحرك باكستان باعتبارها ناقل رسائل بين الأطراف المتصارعة فحسب، بل باعتبارها قوة إقليمية تسعى إلى ترسيخ نفوذها عبر أدوات ناعمة ومؤثرة تجمع بين الدبلوماسية والتعاون الأمني والشراكات الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى التحركات الباكستانية باعتبارها مجرد استجابة لتطورات آنية، بل بوصفها محاولة لاقتناص موقع داخل التوازنات الجديدة التي تتشكل في المنطقة. فالدول التي تدرك مبكراً أن قواعد اللعبة تتغير تسعى إلى توسيع هوامش حركتها قبل أن تستقر الترتيبات الجديدة، وهو ما يفسر الحضور الباكستاني المتزايد في ملفات تبدو للوهلة الأولى متباعدة، لكنها ترتبط جميعاً بإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. ومن هنا يصبح دور الوسيط أكبر من مجرد نقل الرسائل، بل محاولة للمشاركة في صياغة التوازن الجديد الذي يتشكل في المنطقة.

لم يعد السؤال الأهم من أعلن النصر أولاً، أو من امتلك الخطاب الأكثر تأثيراً، بل من نجح في تحويل الأحداث إلى مكاسب متراكمة، ومن استطاع أن يجعل الزمن يعمل لصالحه لا ضده. فالصراعات الحديثة لا تُقاس فقط بما يُقال عنها، بل بما تتركه من آثار في موازين القوة والتحالفات والجغرافيا

إن السؤال الحقيقي الذي يواجه طهران اليوم ليس ما إذا كان ترامب جديراً بالثقة أم لا، فهذه المسألة حُسمت عملياً داخل معظم دوائر القرار الإيراني منذ سنوات؛ السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن التعامل مع عالم يتغير بسرعة، ومع نظام إقليمي جديد يتشكل أمام الأعين، دون فقدان عناصر القوة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية؟

وفي دلالة تستحق التأمل، أشار تقرير للجزيرة إلى أن مساحة السيطرة الإسرائيلية اتسعت منذ عام 2023 بنحو 5 في المئة. وقد يختلف البعض حول تفسير هذا الرقم أو أسبابه، لكن مجرد وجوده يكفي لطرح سؤال مؤرق: كم مرة ننشغل بما يُقال عن الصراع أكثر مما ننشغل بما يتركه الصراع من وقائع على الأرض؟ فالتاريخ لا يكتب الروايات المتنافسة، بل يسجل في النهاية مَن غيّر الجغرافيا ومن غيّر موازين القوة.

وربما تكمن المشكلة في أن كثيراً من الفاعلين في المنطقة ما زالوا يقيسون النجاح والهزيمة بمعايير مرحلة سابقة. فالانتصارات لم تعد مجرد لحظة احتفالية يُعلن عنها في بيان أو مؤتمر صحفي، بل أصبحت عملية تراكمية طويلة تُقاس بما يضاف إلى ميزان القوة عاماً بعد عام.

فبين الواقع والبروباغندا فجوة قد تتسع أو تضيق، لكنها لا تختفي. وبين السرديات التي تُنتجها الأطراف المختلفة والوقائع التي تتشكل على الأرض مسافة لا يحسمها الجدل السياسي ولا الضجيج الإعلامي، وإنما يحسمها الزمن.

ولهذا لم يعد السؤال الأهم من أعلن النصر أولاً، أو من امتلك الخطاب الأكثر تأثيراً، بل من نجح في تحويل الأحداث إلى مكاسب متراكمة، ومن استطاع أن يجعل الزمن يعمل لصالحه لا ضده. فالصراعات الحديثة لا تُقاس فقط بما يُقال عنها، بل بما تتركه من آثار في موازين القوة والتحالفات والجغرافيا.

وفي مثل هذه اللحظات لا يكون التحدي الحقيقي هو كسب جولة سياسية أو إعلامية، بل القدرة على قراءة التحولات كما هي لا كما نرغب أن تكون. فالتاريخ لا يتذكر كثيراً ما قيل في لحظة الانفعال، لكنه يتذكر جيداً ما بقي على الأرض بعد أن انتهى الضجيج.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)